بأقلامكم

إرث جدتي ..

الكاتبة: نجمة حبيب- فلسطين

هو زيتونة دهرية ترقد، ككل زيتونة في بلادي، متواضعة راضية بما قدّر لها من غذاء وماء وهواء ونور. جوادة معطاء دونما جلبة أو مطالبة بحقوق أو رد دين. فهي لا تبتئس لو أنك أهملتها.

ولا تطالبك بسقاية أو تشذيب أو تمشيط, إن حدث وتعطفت عليها ببعض عناية كافأتك بصمت، وإن لم تفعل أكملت مسيرتها بصمت أيضاً دون معاتبة أو اقتصاص على إهمالك وتناسيك. وهي أيضاً مقتصدة محتشمة، لا تظهر عورة ولا تتعرى مهما جارت عليها عوائد الفصول. لا يعتريها ما يعتري بنات جنسها من شبق ربيعي، فلا تزهو ولا تغوي ولا تفاخر، حتى أنها لا تحسد جارتها شجرة اللوز التي تزهو كل ربيع بزهرها المشتعل فتنة.

ثمرها أيضاً كزهرها، لا يغويك بسحر ولا ينصب لك شباك الفتنة لتقع صريع هواه، بل ينتظرك حتى تتعطف بإسقاطه فلا يئنّ متوجعاً من ضربات “شاروطك” الظالمة ولا يقاضيك على قسوتك بل يمتثل كالزوجة الخانعة. يقبع خاضعاً في الزوايا المهملة في الخوابي المعتمة لا يشكو قسوة حر ولا شدة برودة.

ينصاع صاغراً لأحجار طاحونتك القاسية فلا يئنّ لثقل وطأتها بل يفرح لو رآك تتشمم سائله المخضر الجميل بعد عملية الهرس القاسي والمهين. قد تزهو بعض أغصانها الصغيرة مرة في العام عندما ترفعه أيدٍ طفولية ملوحة “مبارك الآتي باسم الرب. أوصانا في الأعالي. أوصانا في العلى”.

إلا أن جذورها عنيدة متشبثة بتربتها وفية لهذه التربة, حريصة على ترجمة هذا الوفاء بالتغلغل عميقاً حدّ التوحد الصوفي بذراتها. مر فوقها أباطرة وملوك، طغاة وجبابرة، من مشرق ومن مغرب، فما مالأت ولا خفضت “لغازٍ جبيناً”. كلهم زالوا وظلت هي على وفائها وسخائها.

إرث جدتي فاطمة, هذه الزيتونة التي ورثتها عن فاطمة، عن فاطمة منذ آلاف السنين, في فيئها غنت لأبنائها ومن بعدهم أحفادها حتى يناموا “وتيجيهم العوافي كل يوم بيوم”، وفي تجاويفها خبأت لنا ليوم العيد مفاجآت من جوز ولوز وزبيب.

وفوق أغصانها علقت أطواق التين والمشمش والبامية لتجفف مؤونة للشتاء. وربما أيضاً خلف جذعها قابلت جدي سراً أيام المراهقة.

وقد حرصت جدتها لجدتي على تسمية أغصان زيتونتها بأسماء أحفادها، وبما أن جدة جدتي لم تكن تعرف الكتابة فقد طلت الأغصان بأصباغ مختلفة: أحمر، أخضر، أسود، أصفر، زهري، بنفسجي وغيرها.

أصرّت جدة جدتي على أن تعيد الدرس على أحفادها وحفيداتها مراراً وتكراراً حتى تتأكد من أنهم حفظوه جيداً وسوف ينقلونه دون أي خطأ لأبنائهم وأحفادهم ذكوراً وإناثاً: الأحمر غسان كانت تقول، والأخضر محمد، والأبيض لميس، والأزرق هدى، والبرتقالي سميرة، والأصفر اميل، والرمادي زكي والبنفسجي سحر.. وهكذا.

في هجومهم الأخير على بلدتنا كانت مجزرتهم في زيتونها. صبر وشاتيلا من نوع آخر. أصيبت جدتي بالذهول. لم تذرف دمعة على زيتونتها ولم تشتم أو تطلق الدعوات كما كانت تفعل في المرات السابقة.

بقيت جامدة كتلك الأم التي فجعها موت أبنائها أمام عينيها فأفقدتها المفاجأة سمعها ونطقها. كالت أمي لهم اللعنات فلم تجبها كما في الماضي: “صواريخك كاسدة فتشي عن بضاعة غيرها”. رمى أخي الصغير دبابتهم بحجر فما لوت رقبتها بحزن كعادتها وقالت: “يا ولدي العين لا تقاوم مخرز”. قرأت عليها مقالتي النارية والتوقيعات التي جمعتها احتجاجاً وقدمتها لمنظمات حقوق الإنسان فما هزئت بجهودي ولا قالت “كلّو حبر على ورق”.

ذلك الصباح رأيت جدتي واقفة مكتوفة اليدين منتصبة في وسط الدار. كانت قامتها مشدودة ورأسها مرفوعاً بإباء نحو السماء. كانت عيناها جامدتين لا تفصحان عن حزن أو غضب. فلو أن غسان كنفاني رآها لكان قال فيها ما قاله بصاحب “العروس”.

رميت عليها تحية الصباح فما التفتت صوبي إلا أن ابتسامة عريضة كانت تضيء جبينها الذي امحى منه ما كان له من تجاعيد. مددت يدي أطلب يدها لأقبلها فظلت جامدة ولم تتمنع لتقول لي كعادتها “بوس الأيادي ضحك على اللحى”.

في زحمة الانشعال المهين بين هذا الحاجز وذاك، نسيت الملمح الأسطوري الذي وسم جدتي ذاك الصباح ولكنني انتفضت مستذكرة كل تفاصيله فيما المذيع يخبر عن امرأة في السابعة والخمسين من عمرها تقوم بتفجير نفسها بواسطة حزام ناسف بعد أن تركت رسالة مصورة تظهر فيها وهي تقرأ ورقة كتبتها بخط يدها: أقدم نفسي فداء لله وللوطن وللمعتقلين والمعتقلات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى