تقارير

الخليل القديمة مدينة الألغاز

هي الخليل مدينة الأسرار والألغاز، واصلت جولتي فيها مع مضيفينا الأصدقاء الدكتور خالد سدر وزوجته السيدة وصال حمدان برفقة مرافقي الرحلة دارا عبد الحليم ووالدتها سوسن نجيب، أفكر في أسرار الخليل وأسرارها والغازها، فهي المدينة الوحيدة في الأراضي المحتلة التي قسمت للعديد من المناطق، ففيها منطقة المسجد الابراهيمي والخاضع للتقاسم الزماني والمكاني بقرار من الاحتلال، فتمنع الصلوات لفترات ويمنع رفع الآذان ليكون حرم المسجد تحت سيطرة المستوطنين وبنادقهم وسفالتهم وعبثهم، ولا يمكن الدخول اليه الا عبر حاجز تفتيش احتلالي وعبر بوابات هي أقرب الى “معاطات” الدجاج وهو الإسم المتداول بين المواطنين لها، وهناك مناطق المحلات التجارية وقسم منها تم الاستيلاء على أسطحتها واستقر بها الحثالات البشرية من المستوطنين، وهناك محلات مغلقة بقرار عسكري للاحتلال ويمنع أصحابها من فتحها ودخولها، هناك مناطق مفتوحة بالسير على الأقدام فقط عبر الحواجز الأحتلالية، وهناك الحواجز العسكرية الثابتة والتي تسيطر على مداخل البلدة القديمة، إضافة للمستوطنات الاسرائيلية التي فرضها الاحتلال بالمصادرة وقوة السلاح، ومناطق يعتبرها الاحتلال حرم للمستوطنات ويمنع الاقتراب منها وهي مساحات إضافية لهذه المستوطنات، إضافة لمناطق مغلقة تماما أمام المشاة وحركة السيارات لأبناء شعبنا ويمنع فتح المحلات فيها أو حتى الوصول اليها كما شارع الشهداء، اضافة لمداخل خارجية وداخلية مغلقة من الاحتلال، فأصبح التجوال في الخليل القديمة لمن لا يعرفها ويأتيها زائرا مغامرة غير مأمونة العواقب بدون مرافقة أحد من سكانها والذين يعرفون هذه التفاصيل بدقة، وأذكر في زيارة لاحقة مع ضيفة على الوطن أننا تهنا عن طريق الخليل ووصلنا الى مسافات بعيدة بين المستوطنات، وحين عدنا بعد معاناة للخليل ووصلناها كان الوقت قد تأخر، وحين دخلت والضيفة عبر الأسواق التي كانت مغلقة للوصول للمسجد الابراهيمي، كنا نشعر أننا نسير في مدينة أشباح فلم نجد محلا مفتوحا ولا مواطنا في الشارع، وبالتالي كنا معرضين لأي حدث من حثالات المستوطنين وجنود الاحتلال، ولكن الله سلمنا بعد ان بلغ الخوف ما بلغه مع الضيفة ووصلنا المسجد وتجولنا بالحرم بسرعة وغادرنا إلى رام الله، موثقا بعدستي هذه المشاهد الليلية.

في تجوالنا زرنا متحف البلدة القديمة الواقع في حارة الدارية قرب خان الخليل، وهذا المتحف كان في الأصل حماما تركيا عرف بإسم حمام ابراهيم الخليل، وهو من المباني الوقفية ومبني على نظام العقود المتصالبة منذ فترات تعود للبناء العثماني، وجرى تحويله إلى متحف بقرار من الرئيس ياسر عرفات رحمه الله، وتجولنا في عبق التاريخ وتراثه مع المحافظة على تقسيماته الداخلية بحيث أصبح بقدمه وتفصيله يليق بمتحف أثري، فما زالت القبة في أعلاه والمبنية على طوق من الحجارة والنوافذ فيها وفتحات دائرية في القبة نفسها قائمة والتي كانت مهمتها تجديد الهواء وخروج البخار من الحمام، ومن ضمن الآثار والتراثيات المعروضة بالمتحف عدد كبير من الجرار الفخارية التي تعود لعصور مختلفة، والتوابيت الحجرية التي تعود للعصر الروماني، وكذلك رؤوس التيجان الكورنثية الرومانية المتميزة بنقوشها، ولوحات فنية ولوحات لمخططات مختلفة، مرورا بالعديد من الأدوات التراثية التي لم يعد لها وجود الآن مثل آلة “جلخ المقصات والسكاكين” والتي أذكرها طفلا، وقطع صغيرة كثيرة منها العملات القديمة ومكاحل النساء والفوانيس الصغيرة، وأدوات كانت تستخدم للحفر وللأرض، واللوحات والصور التي تروي بعض من حكايات التراث، وبعض الملبوسات الشعبية والخفاف وفراء الخرفان وغيرها الكثير، وصناديق العرائس التراثية والمطعمة بالصدف والتي كانت تخرج معها حين زواجها وتستخدم بدل الخزائن الآن، والعديد من التراثيات التي استخدمها الأجداد كالهاون الحجري وفخاريات مختلفة الاستخدام ومغارف كبيرة لتحريك الطعام في القدور الضخمة، اضافة لمطاحن القهوة اليدوية والفوانيس، ورافقنا بالجولة مشرف المتحف الأخ شفيق عمرو والذي استقبلنا بكل ترحاب ليشرح لنا عن هذه الآثار والأدوات التراثية، واضاف لعبق التاريخ اضافة أخرى طبيعة المكان الذي يعود بناءه لفترة قديمة، فخرجت من المتحف وقد حلقت روحي في ماضينا الجميل عبر العصور، ومن الجدير بالذكر انه قد تم افتتاح متحف جديد في الأيام الماضية في مبنى متميز شاهدته ولفت نظري في بداية جولتنا معروف بإسم مبنى فلسطين سيكون له وللخليل زيارة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى