تقاريرعناوين ريسية

“الدرر المنتخب في أمثال العرب”.. أكاديمي فلسطيني يحيي مخطوطة عمرها مئات السنين

“قولٌ قيل حول حادث بعينه فصار مثلا”، هذا تعريف مبسط للمثل، أريد منه بلا شك وعظ وتنبيه، هذا ما يعرفه السواد الأعظم منا نحن العرب.

وإن كان بديهيا أن نجد من وثَّق الأمثال قديما بمخطوط أو بغيره، فيبدو لافتا ومبدعا تحقيقها وإعادة إحيائها كما فعل الباحث الفلسطيني الدكتور بسام الأغبر.

في طرح جديد ووحيد في الوقت نفسه، سبر الأغبر -وهو أستاذ في العلوم اللغوية- أغوار كتاب “الدرر المنتخب في أمثال العرب” للعلامة الشيخ قاسم بن محمد الحلبي البكرجي (1094هـ-1169هـ)، وغاص في أعماقه محققا ومنتجا كتابه الجديد بطريقة جامعة جعلته سهلا ومتاحا للجميع.

و”علم تحقيق المخطوطات”، كما يقول للجزيرة نت الباحث الأغبر المنحدر من مدينة نابلس بالضفة الغربية، “مهمة نبيلة” بدأها أعلام بارزون من مثل عبد السلام هارون وإحسان عباس.

وليس الهدف بإحياء التراث التغني به، وإنما التدقيق فيه لمعرفة أسباب نهوض الحضارات وأفولها بصورة عصرية، تُمَكِّن القارئَ من فهمه وتداوله، ولا بد من العودة للمخطوطات المحفوظة وتحقيقها وبث الحياة فيها.

وتوزعت أمثال هذا الكتاب وحكمه وقصصه وحواشيه على 30 بابا، وقد سبق هذه الأبواب فهرس عام وإهداء ومقدمة، وختم بفهارس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقوافي الشعرية، وقائمة المصادر والمراجع، فضلا عن صور من المخطوطة الأم، وجاءت كلها مبثوثة في نحو 800 صفحة من القطع الكبير.

أول محقق للمخطوطة
وانفرد الأغبر في كتابه -الذي صدر قبل شهر وأعلن إشهاره بمركز حمدي منكو الثقافي بمدينة نابلس- بتحقيق مخطوطة البكرجي بجهد وصفه “بالعظيم” تطلّب الإبحار فيه معرفة وإلماما كبيرا بالكلمات والعبارات.

كما أن تحقيق المخطوطات يحتاج إلى كمٍّ كبير من المراجع والمصادر للتأكد من صحة ما ورد، لتكون النسخة النهائية موثقة ومعتمدة، وبهذا تميَّز الأغبر باعتماده أكثر من 300 مرجع.

وفي الغالب، وجدت الأمثال نثرا، وقليل من الأمثال شعرية، ولكن قصة المثل رافقتها شواهد كثيرة، إذ بلغت الآيات القرآنية ما نسبته 7%، والحديث النبوي 18%، واحتل الشعر المرتبة الأولى في الشواهد وبلغت نسبته 75%، ولا غرابة في ذلك، إذ الشعر ديوان العرب وفيه تاريخهم.

الباحث بسام الأغبر يستعرض كتابه أثناء حفل إشهاره في نابلس (الجزيرة)
وقد جاء الكتاب مفصلا ذلك، إذ كان كل باب من الأبواب الـ28 مختوما بأمثال المولدين (أي أنّ أصحابها ليسوا عربا، وإنما عاشوا في البيئة العربية)، في حين خُصص الباب الـ29 لأيام الإسلام، والباب الـ30 لنُبَذ من كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء والصحابة والتابعين.

وحول آلية تداول تلك الأمثال في أزمنتها المختلفة ومن قالها، يقول الأغبر “إن الأمثال، في الغالب، لا يعلم قائلها، وتردد كما قيلت دون تحريف أو تعديل وإن احتوت أخطاء لغوية، وهذا يساعد على سرعة تناقلها وانتشارها بين الناس وسهولة استحضارها”.

ومنها ما هو متداول أو قريب منه كمثل “عش رجبًا تر عجبا” و”أزهى من طاوس” و”الحرب سجال” و”مَن صدق الله نجا” و”الطمع الكاذب يدق الرقبة” وغيرها.

والبكرجي هو الشيخ قاسم بن محمد، ولد عام 1094هـ، ونشأ في حلب، وأخذ العلم على أيدي علمائها، كعلوم النحو والبيان والفقه، ومن مؤلفاته “شرحٌ على همزية الشيخ البوصيري”.

صعوبات.. ولكن
وواجه الأغبر صعوبات، أهمها الوصول للمخطوط، فكثير من مخطوطات الحضارة العربية الإسلامية الموجودة بالدول الغربية لا يمكن للأفراد الوصول إليها، مما يتطلب جهدا مؤسساتيا عربيا لإحضارها أو نسخها ثم نشرها، إضافة للعوائق المادية للنشر، فدور النشر العربية تُعاني من صعوبات جمة من حيث التكاليف. وهاتان المعضلتان واجههما المحقق، فضلا عن العزوف العربي عن القراءة، يقول الأغبر

ومما ساعد الباحث الأغبر في تحقيقه حيازته نسخا إلكترونية للمخطوطة (إماراتية وأخرى أزهرية)، واستغلاله فترة الإغلاق الصحي لانتشار فيروس كورونا، ليخرج بكتابه الجديد خلال عام والذي تبنته “دار الكتب العلمية” في بيروت طباعة ونشرا.

جانب من الحضور خلال اشهار الكاتب بسام الأغبر كتابه الجديد- الضفة الغربية- نابلس- حمدي منكو- الجزيرة نت1جانب من الحضور خلال إشهار بسام الأغبر كتابه الجديد في نابلس بالضفة الغربية (الجزيرة)
ورغم أن الأغبر يعتبر أن مؤلفه الجديد “تحقيق مصغر” لكتاب لم ينل ما يستحقه من التحقيق، ويقصد كتاب “مجمع الأمثال” للميداني، فإنه لم يُنقص من جهد محققه محمد محيي الدين.

ويقول الأغبر إن كتابه يتميّز بسمتين، هما تحقيق النصوص والاختصار، وهو ما كان ينقص “مجمع الأمثال”.

ويعزو الأغبر الاهتمام بالأمثال إلى جانبين: اجتماعي يرتبط بحياة الشعوب وقصصها، وهي ناطقة عنهم ومرآة حياتهم، وجانب بلاغي يعبر عن المعاني العظيمة بكلمات قليلة لها سحر بياني وتسرق القلوب قبل الآذان.

الإنجاز والغربلة
ورغم غياب الاهتمام الفلسطيني عموما بالمخطوطات، فإن محاولة إحيائها إنجاز عظيم، ومهمة لا ينجح فيها من لم يمتلك الإيمان بقيمة العلم كما فعل الأغبر، يقول مدير مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية (ميثاق) خليل الرفاعي، الذي يرى أن المخطوط من العلوم “الثقيلة القاسية”.

ويأمل الرفاعي أن يتخطى الأغبر بكتابه حدود الجغرافيا المحلية صوب العالمية، وقال إنهم في “ميثاق” بدؤوا منذ 2018، وبالتعاون مع معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية وجامعة القدس-أبو ديس، بتدريس علم المخطوط.

أما نصر الله الشاعر أستاذ اللغة العربية في جامعة بيرزيت فاعتبر أن الأمثال كنز عربي إسلامي لم يغفل عنه المفكرون المسلمون، مشيرا إلى أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام أعاد إنتاج بعض أمثال الجاهلية التي تتوافق مع الإسلام وتحمل الحكمة والرؤية والفلسفة.

ورأى الشاعر أن الأمثال تختصر كثيرا من الحكمة والتي هي وليدة عصور متباينة وتحكي قصة نفر من الناس عاشوا زمنا معينا، وأن ما توافق منها مع الدين والعقل والمنطق يؤخذ وينشر.

ويرفض الأمثال التي تحمل قيما سلبية أو كانت وليدة الخوف والهزيمة كحال بعض أمثالنا الشعبية خلال حقبة القرن الـ19، ودعا إلى “غربلتها” كي لا يصبح لدى الأجيال القادمة ثقافة مشوهة.

ويرى مختصون وباحثون أن إحياء الأغبر للمخطوط إضافة نوعية أحيت جانبا “مهملا” فلسطينيا، ودل على أنه لم يُعدم من يهتم بهذا المجال ويرد على المستشرقين الذين سعوا لطمس هذه الفترة من العصور الإسلامية والعربية “التي خلدتها المخطوطات التي استولى عليها الغرب”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى