بأقلامكم

الذهب الفلسطيني الأسود شجرة الزيتون كنز لا ينضب

1 من 2

د.نجلاء الخضراء
هي قدر مكتوب وموعد مرصود، ورحلة سنوية للفلاح الفلسطيني تبدأ بعد هطول المطر على الأرض الطاهرة، ليقطف بركاتها ويجمع ما قدمته من ثمارها الخضراء وخيراتها، وتنتهي بجمع الجفت وتخزينه كقصة صمود ووجود وأصالة وتحد حملت كل معاني النضال والمقاومة والانتصار.
كان الفلاح الفلسطيني يقف أمام فوهة الزيت سعيدا بحصوله على زيته البكر وثروته التي انتظرها عاما كاملا، ثم يتوجه ليأخذ نصيبه من الجفت ومخلفات عصر ثمار الزيتون ليستعين بها على برد الشتاء ويستخدمها في طهي طعامه وتسميد أرضه، فباتت شجرة زيتونه مصدرا غذائيا واقتصاديا وعضويا وظلا يغفو في أحضانه، ويعلق عليه حبال أرجوحة ذكرياته ومستقبل أطفاله.
الجفت: هي بقايا ثمار الزيتون بعد هرسه وعصره لاستخراج الزيت منه
الزيبار: هي البقايا السائلة العادمة الناتجة عن غسل الزيتون وعصره
وهو المادة الناتجة عن عصر الزيتون بالمعاصر وهي عبارة عن خليط مطحون مكون من نوى ثمار الزيتون التي تم عصرها ممزوجا بزيت الزيتون الطازج وتعمل المعاصر على فرز الزيتون عن الجفت كلا على حدة ما يتيح للكثير من المواطنين استخدام الجفت في مجالات مختلفة
كان الزيتون يعصر في معاصر خاصة منذ العهود الكنعانية والفنيقية واليونانية فكانت العصرة الأولى لزيت الطعام والثانية لزيت الاستحمام والثالثة لزيت الإضاءة، وما يبقى بعد ذلك من قشور يستعمل كوقود لإشعال النار . فكان الفلاح يأخذ ما تبقى من مخلفات عصر الزيتون بعد الانتهاء من عصر الزيتون ليستخدمه كفحم عضوي في فرن الطابون للخبز والطهو فهو يحتوي على زيت الزيتون الذي يضفي نكهة مميزة على الخبز عند خبزه ولاستخدامه في التدفئة من خلال وضعه في الكانون، حيث تبقى النار مشتعلة وقتا أكبر، فيحضر الجفت المتبقي من عصر الزيتون في كل عام ويضعه تحت أشعة الشمس لاستخدامه عند اقتراب فصل الشتاء. ليس هذا وحسب ولكن كان الفلاح يستخدم الرماد بعد الحرق كسماد عضوي، يساعد على تحسين جودة المحاصيل الزراعية والتربة. وبالرغم من انتشار (صوبيات) مدافئ الكاز أو الحطب وسهولة التعامل معها ونظافتها إلا أن استخدام الجفت كان أرخص ثمنا وأكثر حرارة قياسا للوسائل الأخرى، فلا يكاد يخلو أي منزل من الجفت المحفوظ أو المخزن. وكان هناك اشخاص يعتاشون على هذه المادة فكانوا يملأون عرباتهم التي يشترونها من المعصرة بالجفت ليعرضوها للبيع وينتفعون بربحها .
أما اليوم فإن كومات الجفت تبقى في المعاصر دون فائدة وتتكدس في الأراضي الزراعية والبساتين. فقد تناسى الناس فلاحون ومزارعون في السنوات الأخيرة فوائدها الطاقية والاقتصادية ، ولم يعد الجفت يستخدم ويستغل كما يجب، لا كوقود ولا كسماد فتحول من مادة مستهلكة وصديقة للبيئة ومصدر بديل للطاقة ورخيص ومتجدد ومتوفر محليا وبشكل كبير، نظرا لكثرة معاصر الزيتون في فلسطين إلى عبئا بيئيا كبيرا ومصدرا للروائح الكريهة ومكبا لنفايات المعاصر، إذ تصل كمية زيت الزيتون في فلسطين إلى 100 ألف طن في السنة الواحدة أحيانا وبالتالي. فإن كميات الجفت الضخمة تصل إلى حوالي 30 ألف طن تحتاج إلى معالجة إن لم يتم الاستفادة منها
كما أن معاصر الزيتون تنتج كمية لا بأس بها من المخلفات السائلة سواء المياه العادمة الناتجة عن عملية تنظيف ثمار الزيتون أو الزيبار الذي يعد من المخلفات الضارة بالبيئة في حال إخراجها للبيئة بدون تكريرها أو محاولة الاستفادة منها. وهذا الموضوع يضعنا أمام مشكلة كبيرة وخطيرة عند التفكير بطرق معالجة هذه المخلفات، إذ تشير نتائج أحدث الإحصاءات إلى أن ما نسبته 46% من المعاصر تتخلص من الزيبار من خلال شبكة المجاري، أو من خلال الحفر الامتصاصية، أي نصف المعاصر تقريبا اليوم في فلسطين تقوم بالتخلص من هذه المخلفات البيئية بشكل مباشر، الأمر الذي يؤثر سلبا على التربة وحتى على المياه الجوفية القريبة من هذه المخلفات، كما وأشارت النتائج أيضا أن نصف المعاصر تتخلص من المياه العادمة والملوثة من خلال شبكة المجاري أو من خلال الحفر الامتصاصية .
كان الجفت يحضر بطريقة يدوية سابقاً، إذ يتم أخذ مخلفات الزيتون وتقسيمها إلى كتل كروية وتعريضها للشمس لمدة طويلة، ثم تخزينها في أكياس في مكتن جاف بعيدا عن متناول الأطفال. أما اليوم فقد قامت معظم المعامل بتركيب آلة كبس الجفت أو مخلفات الزيتون، ويعمل أصحاب المعاصر على عزله وتشكيله بشكل اسطواني أو على شكل كرات .
استخدامات الجفت:
تصل كمية الزيتون في الضفة والقطاع إلى100ألف طن أحيانا، وهذا يعني أن هناك نسبة لا بأس بها من النفايات يمكن أن تتحول لكارثة بيئية إن لم يتم علاجها. لهذا فإن عددا من الباحثين والخبراء في فلسطين ينشغلون منذ سنوات بهذا الموضوع، ولديهم نتائج تستحق الكثير من الاهتمام، سواء على مستوى معالجة الزيبار أم الاستفادة من الجفت واستخلاص مواد واستخدامها في الصناعات الأخرى.
قد لا نتصور أحيانا أن زيت الزيتون ينجم عن انتاجه كميات كبيرة من المخلفات التي لا نلقى لها بالا، وبالتقريب يمكن القول إن عصر طن واحد من الزيتون يتطلب مئة لتر من المياه لغسيل الثمار، وما شابه ذلك يمكن الاستفادة من 200كغ منها هو الزيت ويبقى في المعصرة 400كغ من الجفت، وهي المخلفات الصلبة وحوالي 500لتر من الزيبار وهي المخلفات السائلة، وهذه النسبة الكبيرة يمكن أن تتحول إلى كارثة بيئية إن لم تعالج. لهذا عمل الباحثون في فلسطين للتخلص من هذا الكم الكبير من الفضلات وتدويره والاستفادة منه. فقد أشارت الدراسات أن الجفت يحتوي على كمية طاقة مرتفعة، وبالتالي يمكن أن يشكل بديلا ممتازا للفحم عن طريق تحويل الجفت إلى فحم عضوي ، وهو يعد البديل الأرخص للطاقة والتدفئة بعد ارتفاع أسعار المحروقات، علما بأن طاقته الحرارية تبلغ 3600 كيلوكالوري لكل كيلو غرام جاف من الجفت، وهو يشكل دخلا إضافيا لأصحاب المعاصر من خلال تصنيعه في قوالب مخصصة للتدفئة في المواقد، وهي عملية تعوض للبيئة أشجارها وتحد من عمليات التعدي على الغابات وتساهم في حماية الثروة الحراجية وتعيد للطبيعة وجبالها الرونق والجمال الذي تغنت به منذ العصور القديمة
ومن المشاريع التي تمت اقامتها في فلسطين مشروع في بلدة دير استيا في الضفة الغربية، حيث حقق المهندس الصناعي نجم ابوحجلة نتائج ممتازة فكانت البداية انتاج 50 طن من فحم الجفت أصبح ينتج 250 طن سنويا، ويتم تسويق المنتج لجميع مدن الضفة وفي أسواق مدن الخليل وبيت لحم ورام الله .
كما نشر الباحث علاء مسلم وآخرون من الجامعة الإسلامية في غزة مطلع عام 2017 دراسة خلصوا فيها إلى أنه بالإمكان الاستفادة من جفت الزيتون والزيبار معا بإضافتهما إلى الديزل وإنتاج خليط قوي مبتكر يتكون من 40%ديزل و40%جفت و20%زيبار . والأهم من هذا كله أن الخليط يحتوي على خصائص حرارية قريبة من الديزل النقي، وبالتالي يمكن أن يكون بديلا ممتازا للديزل النقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى