إصدارات

الساعات الأخيرة من حياة عبد القادر الحسيني

يسرد داني روبنشتاين، الكاتب والصحافيّ الإسرائيليّ المتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة، في كتابه «إمّا نحن وإمّا هم – معركة القسطل: الساعات الأربع والعشرون الحاسمة»، الصادرة ترجمته عن العبريّة عن مركز «مدار للدراسات الإسرائيليّة» (2020)، رؤيته للحرب على مصير فلسطين في نهايات الانتداب البريطانيّ عبر استعادة سيرة القائد عبد القادر الحسيني والإضاءة على محطّات مفصليّة في حياته، وتفاصيل حراكاته الداخليّة والعربيّة المكثّفة في نيسان العام 1948، مركِّزًا على «معركة القسطل» كمحطّة حاسمة في مسار الحرب.

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة فصلًا من الكتاب الّذي ترجمه إلى العربيّة سليم سلامة، بإذن من الناشر.

كانت الليلة بين 7 و8 نيسان 1948 ظلماء بشكل خاصّ: نهاية شهر آذار من سنة 1948، القمر أحدب متناقص والنجوم تتوارى خلف الضباب. بعد الساعة الثانية قبل الفجر، خفتت أصوات إطلاق النار في المعركة على جبل القسطل، المستمرّة منذ بضعة أيّام. أكّد عبد القادر الحسيني، قائد «الجهاد المقدّس»، أنّ هجوم رجاله على قمّة الجبل قد توقّف. قبل ذلك ببضعة أسابيع، كان قد تسلّم قيادة جبهة القدس من اللجنة العسكريّة التابعة لـ «الجامعة العربيّة»، إثر جدالات وخصومات، وعاد إلى ساحة المعركة، يوم أمس. توقّف إطلاق النيران الآن. لم تعد تُسمَع أصداء قذائف الراجمات. تراجعت وتيرة الطلقات، بدلًا منها، سُمعت أصوات إطلاق نار متفرّق، أشبه بتبادل نيران عبثيّ.

كان عبد القادر متوتّرًا جدًّا ومرهقًا، بعد ثلاث ليال لم يذق فيها طعم النوم، إطلاقًا تقريبًا، في مقرّ القيادة المؤقّت الّذي أقامه في المحجر التابع لعائلة اليشار، إحدى العائلات اليهوديّة السفاراديّة الأعرق في مدينة القدس. كان برفقته بعض الفتيان وشخصان بالغان، صديقان منذ الطفولة: علي موَسْوَس، من حيّ وادي الجوز في شرق القدس، وعبد الله العمَري من قرية بيت صفافا. كلاهما من قدامى الثورة العربيّة الّتي اندلعت ضدّ الانتداب البريطانيّ، قبل ذلك بعشر سنوات. كان المحجر على بُعد نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر إلى الجنوب من المنحدر الحادّ لقمّة الجبل الّذي تقع قرية القسطل على رأسه. مَنْ يقوم اليوم، بعد نحو سبعين سنة من تلك الليلة، بالبحث عن موقع مقرّ قيادة عبد القادر، سيُلاحظ بسهولة فائقة بقايا منشآت المحجر تحت البناية الّتي أقام فيها رامي ليفي بقّالة كبيرة عند مشارف بلدة مفسيرت تسيون اليهوديّة. بين المحجر والقسطل، يتعرّج شارع ضيّق يمتدّ من هناك في الاتّجاه الجنوبيّ الغربيّ، نحو قمّة حادّة أخرى على رأسها قرية عربيّة أخرى هي صوبا، الّتي أقيم على أراضيها لاحقًا كيبوتس «تسوفا».

كان الطقس في مطلع نيسان 1948، بداية الربيع، لا يزال باردًا في محيط القدس الجبليّ. قبل ذلك بأسبوعين، كان الثلج قد غطّى قمم الجبال وخلّف بعض البِرَك وكثيرًا من الوحل. مرّت ساعتان إضافيّتان، وبعد الرابعة فجرًا بقليل، اقترب عبد القادر من موقع قيادة كتيبة «موريا»، إحدى وحدات «الهاغناه» في القدس، بمحاذاة قمّة الجبل.

كان في الثامنة والثلاثين من عمره آنذاك، قصير القامة، ممتلئ الجسم، ذا نسب أرستقراطيّ من عائلة الحسيني العربيّة المقدسيّة المرموقة، الّتي تَصَدَّرَ أبناؤها قيادة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة في سنيّ صحوتها. كان يرتدي زيًّا عسكريًّا ميدانيًّا، في حزامه مسدّس. على مسافة قصيرة من خلفه كان يسير شابّان، من فلاحي قرية بيت فجّار، الواقعة إلى الجنوب من بيت لحم. كان الشابّان قد التقياه صدفة قبل ذلك بوقت قصير، بين البيوت في أحد أطراف القرية. لماذا اقترب من هذه النقطة تحديدًا، بعد ساعتين من مغادرته مقرّ القيادة في المحجر وحده؟ هل ضلّ الطريق؟ لا تساعد شهادات المقاتلين العرب في تفسير ما حدث لعبد القادر في تلك الساعة المصيريّة. ثمّة حول اللحظات الأخيرة من حياته شهادات المحاربين اليهود الّذين التقاهم، فقط لا غير.

كان من الصعب جدًّا على الطرفين التعرّف على المقاتلين في الجانب الآخر وتحديد هويّاتهم. لاحظ مئير كَرْميول ويعقوب سلمان، من كتيبة «الهاغناه»، الأشخاص الثلاثة. اعتقدا بأنّهم ضمن التعزيزات القادمة إليهما. ناداهم كَرْميول:”مرحبا يا جماعة”، (تحيّة دارجة بالعربيّة كانت تجري على ألسن اليهود أيضًا). ردّ عبد القادر بالإنجليزيّة:”هالو بويز”، لماذا ردّ بالإنجليزيّة، بينما كان يعتقد بأنّه يلتقي مرؤوسيه من «الجهاد المقدّس»؟ “يجدر أن تستوضح ذلك”، اقترح عليّ فلسطينيّ تربطني به معرفة قديمة، ملمّحًا بذلك إلى احتمال وجود مؤامرة بريطانيّة خفيّة أدّت إلى موت عبد القادر.

من المؤكّد أنّ الحقيقة بسيطة. لم يدرك عبد القادر نفسه أيضًا أنّ قبالته اثنين من أعدائه، محاربين يهوديّين. ظنّ أنّهما اثنان، أو ثلاثة، من الجنود الإنجليز، من أولئك الفارّين من الجيش البريطانيّ الّذين انضمّوا إلى المقاتلين العرب وجرى إدراجهم في وحدة الطليعة الّتي يقودها إبراهيم أبو ديّة، فأراد أن يردّ عليهم التحيّة بالإنجليزيّة. أبو ديّة، الّذي كان قائد حيّ القطمون في «الجهاد المقدّس»، هو الّذي أوكل إليه عبد القادر قيادة الشقّ المركزيّ من الهجوم على قمّة الجبل.

خاطب الطرفان، اليهوديّ والعربيّ، أحدهما الآخر، إذن، بلغة غير لغتيهما. مرّت لحظات من البلبلة والارتباك. استعاد سلمان رشده أوّلًا ونادى كَرْميول:”مئير، هؤلاء عرب”. أطلق كَرْميول صلية من الطلقات من مسدّسه الرشّاش من طراز «ستِن». كانت المسافة نحو 15 مترًا فأصابت الطلقات عبد القادر الّذي سقط جريحًا، احتضر قليلًا ومات.

كان الظلام ما زال مخيِّمًا وصوت الرصاص يدوّي في المنطقة. انتظر سلمان وكَرْميول ما يزيد عن ساعة من الزمن حتّى انبلج نور الصباح وتوقّف إطلاق النار. عندئذ فقط خرجا من مخبّئهما، على شرفة منزل يعود إلى أحمد سعيد مْطَيِّر، كي يفحصا ما إذا كان الرجل مصابًا أم ميتًا. كان عبد القادر ممدّدًا هناك، ميتًا، وحيدًا. شاهد الشابّان الشقيقان جابر وإحسان خليل الحيّان، الفلاحان من قرية بيت فجّار، عبد القادر وهو يسقط، تراجعا إلى الوراء وقفلا عائدين ركضًا إلى مقرّ القيادة في المحجر.

***

كانت تلك أيّام أوج المعارك العسكريّة الّتي سبقت إعلان قيام الدولة وغزو الجيوش العربيّة البلاد. مرّت أربعون يومًا إضافيّة حتّى 15 أيّار، اليوم الّذي اكتملت فيه ثلاثون سنة من الانتداب البريطانيّ على فلسطين. في تلك الأيّام، كان البريطانيّون يحكمون البلاد بأكملها، لكنّ سيطرتهم تراجعت وضعُفت تدريجيًّا. كانت الحرب بين الوحدات غير النظاميّة من العرب واليهود قد أصبحت على أشدّها: حرب أهليّة وحشيّة، لا يأخذ الطرفان فيها أسرى، بل يَضَرِبون فقط، يؤذون ويؤلمون الخصم: حرب لم يكن احتلال الأرض خلالها لغرض البقاء عليها… حتّى التحوّل، الّذي حصل بعد «معركة القسطل».

إن كان ثمّة شعور لا يزال سائدًا في شتاء 1948 بأنّ الغلبة للعرب، فقد انعكست الآية في مطلع نيسان. انطلقت القوّات اليهوديّة في هجوم نحو القدس المحاصَرة وحقّقت نجاحات. لا يستسيغ المؤرّخون تشبيهات من هذا القبيل، لكن إن كان بالإمكان تحديد لحظة التحوّل الّتي جرى فيها حسم المعركة على القدس، وربّما على البلاد بأسرها، فهي تلك اللحظة الّتي قُتل فيها عبد القادر بإطلاق النار عليه، مع بزوغ الفجر على القسطل.

لم يكن مقاتلو «الجهاد المقدّس» يعلمون، في الساعات الّتي مرّت حتّى نهار ذلك اليوم، أنّ قائدهم قد قُتل. عاد الشقيقان من بيت فجّار إلى مقرّ القيادة ورَوَيَا أنّهما كانا يسيران برفقة عبد القادر بين البيوت في مطلع الجبل. حصل إطلاق نار في المكان فسارعا إلى الاختباء. وحين نهضا بعد بضع دقائق، لم يجدا أثرًا لعبد القادر. أدرك المجتمعون في مقرّ القيادة أنّ الشقيقين كانا آخر من رأى قائدهم. لماذا لم يروِ الشقيقان أنّهما شاهدا عبد القادر وهو يتعرّض للإصابة؟ يبدو أنّهما كانا يخشيان اتّهامهما بالتخلّي عن القائد وهو جريح. لكنّ حقيقة أنّهما لم يُخبرا بالأمر غيّرت مسار المعركة. اعتقد المقاتلون العرب بأنّ عبد القادر على قيد الحياة، لكنّه جريح، محاصَر في مكان ما بين خرائب القرية ولزام عليهم الهبوب لنجدته. سمع الناس في القدس والقرى المجاورة في ساعات الصباح الباكرة عن أحداث الليل فتطوّعوا، على وجه السرعة، للانطلاق نحو القسطل.

كذلك، لم يكن المحاربون اليهود يعرفون هويّة الشخص الّذي أصابوه، على وجه الدقّة. انتبهوا إلى أنّ القتيل يرتدي زيًّا عسكريًّا مرتبًّا، ليس كحال غالبيّة المقاتلين العرب الآخرين، وأنّه مزنّر بمسدّس أخمصه مصنوع من العاج وفي جيبه كتاب القرآن بغلاف مذهَّب، وثائق ومحفظة سوداء. وفقًا لتوثيقات عضو منظّمة «بلماح»، الّذي أصبح لواءً في الجيش الإسرائيليّ لاحقًا، عوزي نركيس، الّذي رأى الجثّة، فقد أخطأ الجنود في قراءة اسمه المدوّن على رخصة السياقة الّتي كانت في محفظته. قرأوا: عبد القادر موسى سليم (اسم أبيه واسم جدّه)، دون «الحسيني»، في نهايته. مردخاي غزيت، الّذي أصبح مديرًا عامًّا لديوان رئيس الحكومة لاحقًا، الّذي كان في القسطل في صباح ذلك اليوم، كتب في تقريره:”قتلنا سمكة سمينة، اسمها عبد القادر سُليّم. أكرّر: سُليّم”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى