شعر

الشاعر ناصر جريس العيسى.. رحّالة فلسطيني من أجل التعليم

الشاعر ناصر العيسى، فلسطيني الهوية، مسيحي الديانة، روسي الثقافة، إسلامي البيئة، عربي الانتماء والدور والإنتاج. يعشق اللغة العربية ويدرّسها، يكرّم أبطال العرب والفتوحات العربية في المنطقة، ويكتب الشعر لمعركة اليرموك وخالد بن الوليد، مثل نظرائه سعيد العيسى وكمال ناصر وإسكندر خوري البيتجالي وغيرهم..

من أبرز خريجي المدارس الروسية، خصص له حنا أبو حنا ترجمة لحياته في كتابه “طلائع النهضة في فلسطين، خريجو المدارس الروسية”، ومن أبرز معلميها لاحقاً.. اتُّهم بالولاء لروسيا بعيداً عن الوطن، لكن الفعاليات والأنشطة التي مارسها في ظل حكومة الانتداب أكّدت دون أدنى شك أن ولاءه السياسي كان أولاً لفلسطين، وأن علاقته بروسيا ثقافية، لكونه تخرج من مدارسها وعمل فيها.

من هو شاعرنا؟

ولد شاعرنا سنة 1887 في قرية الرامة وكان أبوه مختارها. أتمَّ الدراسة الابتدائية بتفوق في مدرسة القرية التي كانت تابعة للجمعية الامبراطورية الروسية، فأهَّله ذلك لدخول دار المعلمين الروسية في الناصرة. وكان من زملائه في هذه الدار الشاعر المهجري نسيب عريضة والشاعر عبد المسيح حداد والأديب المعروف ميخائيل نعيمة.

تخرج في دار المعلمين الروسية معلماً عام 1906. عُيّن بعد تخرجه مديراً للمدرسة الروسية في بينو، قضاء عكار في لبنان (حسب حنا أبو حنا). ثم تنقّل في إدارة عدد من المدارس الروسية في لبنان، وبرع في تدريس اللغة العربية فيها حتى الحرب العالمية الأولى عام 1917، والتي أجبرته على البقاء في كوسبا بشمال لبنان حتى نهاية الحرب.

ويقال إنه اضطُر إلى إحراق جميع القصائد الوطنية التي كان قد نظمها وهو في كوسبا قبل عام 1918، فقد خشي بطش السلطة التي كانت تزعم أنه ذو صلة مستمرة بالروس.

عند نهاية الحرب العالمية الأولى عاد إلى فلسطين، وتحديداً بلدته الرامة، وعُيّن معلماً للعربية  في مدارسها الرسمية في عكا ثم في بيت لحم، ثم عاد إلى عكا مدرساً في مدرسة عكا للبنين.

أحيل على التقاعد عام 1943 ولكن مديرية المعارف بفلسطين احتفظت به أستاذاً للعربية بثانوية عكا تقديراً لنجاحه في التدريس، وظل يدرّس حتى اندلعت أحداث نكبة 1948 في فلسطين.

بعد النكبة لجأ إلى بلدة جزين في لبنان. وما لبث أن سافر إلى العراق في عام 1949 حيث مارس التعليم في ثانويات مدينة الحِلّة حتى 1958.

وعاد بعدئذ إلى بلدة كوسبا في لبنان وتوفي في 16/ 9/ 1965.

قصص رواها تلاميذه

دخل الشاعر غرفة التدريس في ثانوية عكا للبنين وهو متجهّم الوجه، وأخذ يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً أمام الطلاب وهو صامت، ثم توجه إلى طلابه قائلاً:

اسألوني ماذا بك، لماذا لا تسألوني؟

فقال الطلاب: ماذا بك يا أستاذ؟

فأجاب: لقد أذيع في الأخبار اليوم أن شرق الأردن أصبحت مملكة، هل تعلمون ما يعني هذا الإعلان؟ هذا يعني أن الثمن سيكون فلسطين!

وعندما أطلق المعلمون في المدارس الفلسطينية لحاهم احتجاجاً على سياسات حكومة الانتداب، كان الشاعر من الذين شاركوا في الاحتجاج، وفي أحد الأيام دخل غرفة التدريس وهو حليق الذقن فرأى وجوه الطلاب تطفح بالأسئلة فأنشدهم الأبيات الآتية:

وقفت أمام مرآتي أناجي      ..       بها وجهاً كثيف الشعر كاسف
وقلت أيا مليحة أخبريني:      ..       أأحلق شعر ذقني أم أجازف
هنالك مبدآن: ثبات حرٍ         ..       وحكم الظالمين من الزعانف
تجهَّم وجهها الصافي وقالت: ..     رأيتك يا أخا الآداب خائف
ألست الشاعر المقدام تلقي   ..      قصائد ثائرات كالعواصف
وتلهب كل عقل عبقري        ..      وتحيي ما استمات من العواطف
فقلت بلى ولكني جبان        ..      وإنَّ الجبن في أهل المعارف

مؤلفاته:

ـ “حياة آل رومانوف” (نقله من الروسية إلى العربية بالاشتراك مع زوجته بلاجيا عيسى) في طرابلس عام 1913.
ـ “المعذب البريء”، طرابلس 1913.
ـ “صفحات مطوية”، ديوان شعر مخطوط فيه قصائد وطنية ومعارضات لبعض شعراء زمانه.

نماذج من شعره

وقفة على اليرموك

علــــى اليــرموك لا تَقر السلاما                 ..           ولا تبـِد الإشـارة والكـــلامـــا
ولا تفـــضِ العـــــواطف زاخـرات                ..           ولا تـرفع لذاك النهـــر هــاما
فبعــــد اليـــوم ليـس المـاء عذباً               ..           فلا يـروي ولا يشفـــي أواما
وبعــــد اليـــــوم أقفـــــر جــانباه                ..           وبات به النــدى غيماً جهاما
وبعد اليوم ما ضحكت “سُليمى”                            ولم تخفق جـــوانحهـا هُياما
نسيمـات الصَّبـا هبت سمــــوماً                             وكانت تمــــلأ الـدنيا غـــراما
فـلا تـلك الربوع ربـــوع قـــومي                             ولا ذاك العبيــــر بها خُـزامى
ولا تـلك المعـــــالم شــــاهدات                             بمجد العُرب يجتـــاز الغمـاما
لعمـرك مـا خــــــرير النهــــر إلا                             صدى الآلام تزداد اضطــرامـا
ومـا شـدو الحمــــائــم غير نوح                             كنوح الأمهات على اليتـامـى
أطلَّـت روح خــــالـــد من علاها                             تجوس ديـــار مـكة والشـآمـا
تـرى مـا حل بالنهـــريـــن حتى                             بها الآساد قد مسخت نعامــا
وترقبُ في ربى اليرموك مجداً                                  لقد بذلت له ذاك الحساما
تراث خالد قد صحّ مبدا                                           تُراه أيُحسن اليوم اختتاما؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى