تراث

الفلسطينيّون في أمثالهم الشعبيّة

إنّ الفلسطينيّ، ومن خلال ترحابه بضيفه على سبيل المثال، يرى أنّ “الضيف ضيف الله”، وأنّ مجيء الضيوف لن يرهقه مادّيًّا لأنّه يعتقد أنّه “بيجي الضيف وبيجي رزقه معه”، وأنّ مشاركة الضيف له في أكله لن يضيره شيئًا لأنّ “أكل اثنين كفى ثلاثة”، وأنّ بيته يتّسع للضيوف مهما كان ضيًّقًا، فالـ “بيت الضيّق يوسع ألف صديق”. وكما كان العربيّ لا يسأل ضيفه عن اسمه أو حاجته قبل مرور ثلاثة أيّام، فالفلسطينيّ كذلك يرى أنّ “ضيافة الضيف ثلاثة أيّام وثلث”، وأنّها سبّة ووصمة عار أن يُوصف أحدهم بأنّه “بيكره الضيف وزوّادته معاه”، وأنّه مهما كان وضعه الماليّ، فالتقاليد تقول “أظْهِر عُذرك ولا تُظهر بخلك”، ذلك أنّ “البخيل عدوّ الله”، ومهما قدّمت لضيفك من زاد قليل، فإنّه سوف يقدّر موقفك لأنّ “لا جود إلّا من الموجود”.

وإذا كانت التقاليد تتطلّب من المضيف أن يُكرم ضيفه، فإنّ على الضيف أن يعلم أنّ “الضيف أسير المحلّي”، فلا ينصرف إلّا إذا سمح له صاحب البيت بذلك، لأنّ “الدخول بالخاطر والخروج بالدستور”. ومن الضوابط الّتي تضعها التقاليد على الضيف ألّا يدخل البيوت متطفّلًا، لأنّه “يا رايح بدون عزومة يا قليل القيمة”، وكذلك “يا رايح بدون عزومة يا قاعد على غير فراش”. وألّا يكون نهمًا إذا قُدِّمَ الطعام لأنّه “إذا كان الأكل ببلاش بطنك عليك مش ببلاش”، وألّا يحضر “لا يحمله على الحضور” إلّا الأكل، فإذا أكل انصرف، لأنّ “الضيف المشؤوم بياكل وبيقوم”، وإذا حلّ ضيفًا على قوم وقُدِّم الطعام، فعليه أن يأكل ولا يتعلّل بالشبع لأنّ “عيار الشبعان أربعين لقمة”.

 

من الأهل إلى الجار

في الشخصيّة الفلسطينيّة من سمات الشخصيّة العربيّة العصبيّة للأهل والعشيرة، والارتباط بهم؛ فالفلسطينيّ يرى أنّ رابطة الدم رابطة أبديّة لأنّ “عمر الدم ما بيصير ميّة”، وأنّ ارتباطه بأهله وذويه مثل ارتباط أعضاء الجسم بالجسم لا تنفصل عنه، فـ “الظفر ما بيطلعش من اللحم”. كما يرى أنّ البرّ بالأهل دليل على كون المرء عضوًا صالحًا في المجتمع لأنّ “اللي مفيهوش خير لأهله مفيهوش خير للناس”. وأنّ الّذي لا يمدّ يد العون لذويه في حال استطاعته ذلك، يفقد مبرّر وجوده في المجتمع لأنّ “الشجرة اللي ما بتظلّل أهلها حلّل الله قطعها”.

وإذا كان “الأقربون أولى بالمعروف”، فيجب أن يراعي الأقرب فالأقرب منهم ويقف إلى جانبه ولو على حساب أقربائه الآخرين، كما يجب أن يقف مع ذويه ضدّ الغرباء، فالتقاليد تطلب أن أكون “أنا وأخوي على ابن عمّي وأنا وابن عمّي على الغريب”. وهو يرى أنّ عشيرته أرأف به ممّن سواهم لأنّ “أهلك إن مضغوك ما ببلعوك”، ودائما “الدم بيحنّ”، وهم الأمان للفرد من عاديات الأيّام، وكهف يأوي إليه حين الخطر لأنّه “ما بيحمل همّك إلّا اللي من دمّك”، كما أنّه ما “ما بيحنّ على العود إلّا قشره”، و”اللحمة إن نتنت ما بيحملها إلّا صاحبها”.

وأهل المرء سند له في النوائب، وعون على الشدائد، لأنّ “اللي مالوش ظهر بيموت قهر”، و”اللي له ظهر ما بينضربش على بطنه”. ويجب على المرء أن يعتزّ بأسرته ويفخر بالانتماء إليها مهما كان وضعها الاجتماعيّ، لأنّه “ما بينكر أصله إلّا اللئيم”، ويكون افتخاره بأسرة الأب لأنّهم أهل عصبيّته دون أهل الأمّ، وقد “سألوا البغل مين أبوك؟ قال: الحصان خالي”.

والفلسطينيّ يرى لجاره حقوقًا ترفعه إلى منزلة الأخ، فيُقال: “قال: مين أحسن لك، جارك القريب ولا أخوك البعيد؟ قال: النافع فيهم”. ويرى أنّ رعاية الجار واجب دينيّ لأنّ “النبيّ وصّى على سابع جار”. وإذا كان هناك خير فالجار أولى به من الآخرين، وذلك لأنّ “الجار أولى بالشفعة”، ويجب على المرء أن يطلب الخير لجاره لأنّه “ما دام جارك بخير أنت بخير”. وأنّه يجب أن تغفر لجارك إن أساء إليك، وذلك لأنّ “الجار جار ولو جار”، ولا تُقابل إساءته بالإساءة لأنّ “الجار اللي بدّك تصاحبه كيف تقابحه؟”. وإذا بُلِيت بجار لا تنفع معه الحسنى، فتحدّ من علاقاتك به مكتفيًا بالتحيّة العابرة قائلًا له: “صباح الخير يا جاري، أنت في حالك وأنا في حالي”. أمّا إذا تمادى في أذاه، فيجب الابتعاد عنه ما وسعك ذلك، فـ “إن جار عليك جارك حوّل باب دارك”، وأن تصبر على أذاه فـ “اصبر على جارك المشوم يا بيرحل يا بيقوم”.

 

الثار والحمار

وإذا كان الفلسطينيّ يُظهر جانب اللين والسماحة إلى أهله وجيرانه، ويحتمل أذاهم ويوسع لهم صدره، فإنّه يبدي جانب الخشونة والأنفة إلى كلّ مَنْ يحاول هضم حقّه أو الحطّ من شأنه. وهو وإن كان يكافئ على الحسنة بأحسن منها: “اللي بيتطلّع لي بعين بطلّع له بالعينتين”، فهو يكافئ على السيّئة بالسيّئة فتراهم يقولون: “اللي باعك بيعه وإن طلب الجفا زيده”، أو “اللي ببيعك بالبصل بيعه بقشره”.

وقد لا يكفي بمثلها، بل أكثر منها: “اللي سبّ أبوك الخشب سبّ أبوه الذهب”. وهو حريص على ألّا يجعل الآخرين بأنسون منه ضعفًا يطمعهم فيه لأنّ “الحيطة الواطية مرمى حجار الناس”، وكذلك: “اللي بيعمل نفسه حمار، الناس بتركبه”. ويجب ألّا يسمح للآخرين أن يوقعوا به لأنّ “اللي دايق لحمك كلّ ما شافك بيتملمض”. كما يجب مقابلة جبروت المعتدي بجبروت أشدّ وأنكى لأنّه “ما بيجيب الرطل إلّا الرطلين”. وإذا كان هذا الظالم العاتي قد أوقع بالكثيرين، فيجب أن يفهم بأنّ “مش كلّ الطير بتّاكل لحمه”، بل إنّ هناك طيورًا مستعصية على الصيد. وإذا كان عمرو بن كلثوم يقول: “إذا ما المُلك سام الناس خسفًا/ أبينا أن نقرّ الذلّ فينا”، فالفلسطينيّ يرى وجوب التصدّي للحاكم الظالم والضرب على يده حتّى لا يستفحل شرّه، ويزداد ظلمه، فقد “سألوا فرعون مين فرعنك؟ قال من قلّة ما حدا يردّني”. وأنّه في سبيل الحياة الكريمة، على المرء ألّا يخشى الموت أو يهاب الردى، لأنّه “ما بيقطع الراس إلّا اللي ركّبه”. كما يجب عليه ألّا يخشى السجن في سبيل مبادئه لأنّ “السجن ملح الرجال”.

 

تأثيرات البيئة على الأمثال الشعبيّة

المثل الشعبيّ وليد البيئة، يجيء معبّرًا عن أحاسيس سكّانها ومقتضيات حياتهم. لذا، نجد لسكّان المدن الفلسطينيّة أمثالًا لا مجال لاستعمالها في القرى والبوادي. وكذلك ثمّة أمثال مقتصرة على كلّ من البيئة البدويّة أو المجتمع القرويّ؛ فحين نسمع المثل: “سبع صنعات في ايدي والبين جاير عليّ”، وكذلك المثل: “مش كلّ من صفّ الصواني صار حلواني”، نعرف فيهما مثلين من أمثال أهل المدن، حيث تكثر الصناعات والمهن ويقوم التنافس بين أربابها.

أمّا إذا سمعنا المثل: “إذا أمطرت بلاد بشّر بلاد”، فنعرف أنّه من أمثال الفلّاحين الّذين تقوم زراعتهم على المطر والّذين ينتظرون هطوله بفارغ الصبر إذا تأخّر، كما هو الحال عند فلّاحي فلسطين. وعندما تسمع المثل: “كلّ واخد بقطّينه بيقطّن”، يتبادر إلى الذهن مشهد الفلّاحين الفلسطينيّين وكلّ منهم منهمك مشغول بتجفيف ثمار التين الخاصّة بكرومه. وإذا كان سكّان المدن يقولون: “حاميها حراميها”، فأهل القرى يقولون: “لو سلم المارس من الحارس الدنيا بخير”.

ومن أمثال بدو فلسطين: “ربيع مصر بيروح في طريقها”، يضربون به المثل على الأمر الّذي توازي تكاليفه النفع المرجوّ منه، وهذا المثل يبيّن لنا كيف كان يذهب بدو فلسطين إلى إقليم الشرقيّة من أرض مصر لتسمين مواشيهم، وإذا ما عادوا إلى فلسطين هزلت المواشي وهي تقطع فيافي سيناء. وإذا كان أهل المدن يضربون المثل للولد الطالح يخلف والده الصالح بقولهم: “وردة خلّفت شوكة”، فالبدو يقولون: “يا ما نار خلّفت رماد ويا ما جمال خلّفت بعر”.

وفي مقابل قول أهل المدن لمَنْ يريد أن يقوم بالعمل بعد انتهاء الآخرين منه: “الناس راجعون وهو حاجون”، فالمثل الّذي يردّده البدو في هذا الموقف: “روّحت الرعيان ومقيدح سرح”. وإذا كان أهل الحواضر يقولون: “لا تقول فول حتّى يصير في المكيول”، فالبدو يقولون: “لا تعدّ بقرك قبل فوات الزعقوق”، والزعقوق حشرة تصيب الأبقاء في فصل الخريف فتجعلها تهيم على وجوهها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى