قصة

“القهوة المرة”… الحكاية المنسية في حياة كاتب فلسطيني

قد تزيد نفقات حفل توقيع رواية اليوم على نفقات فرقة موسيقية تعزف الألحان على مسامع الزوار، إذ يتطلب الأمر قاعة فاخرة التصميم تعجُّ بالديكورات الجميلة، وصينية حلوى كبيرة من النوع الفاخر يوزعها صبي على الحاضرين من الكتاب والأدباء، مع فنجان قهوة عربية ممزوجة بالهيل، وبعض زجاجات المياه المعدنية.

هذه “الهلمة” كانت المشهد الكلاسيكي، الذي يدور في خيال بائع القهوة هاني السالمي، وهو يحتفل بإصدار روايته “المسيحي الأخير”، ويتصور نفسه يلبس بدلة رسمية، ويقف أمام قاعة كبيرة يستقبل الكتاب والأدباء وبين كل لحظة وأخرى يضبط “الببيونة”، التي يكره لبسها في المناسبات، لكن هذا المشهد بقي مجرد خيال جميل لم يتحقق.

على الرصيف، كان المشهد الحقيقي، وكان مختلفاً بالفعل، جمع السالمي عدة مقاعد بلاستيكية صغيرة، وجهز عربة بيع المشروبات الساخنة، التي يعمل عليها، وحضّر فناجين القهوة، التي لم تكن من النوع الفاخر ذي المذاق الرائع، بل تقليدية جداً، كأي يوم عادي، لكنه ليس كذلك، فهذا اليوم حفل خاص، لكاتب خاص، وبطريقة خاصة.

ربع ساعة مرت على الموعد الذي حدده الروائي الفلسطيني لافتتاح حفل توقيع روايته، ولم يصل أحد، تأخر الجميع، لكن السالمي لم يتأخر عن تحضير القهوة لضيوفه المنتظرين “الأدب وتأليف فقراته يجب أن يكون من حياة الناس البسطاء، هموم الحياة محرك الحس الأدبي، ببساطة متاعب حياتي أضافت لي الكثير” يقول هاني، وهو ينظر لعقارب ساعته تارة، وتارة نحو ناصية الشارع من بعيد، عله يلمح ضيوفه.

وصل الأدباء والكتاب والمفكرون والمثقفون والبسطاء أيضاً، لتهنئته بصدور روايته، وشربوا جميعاً من القهوة التي يعدها على عربته، ولساعات طويلة استمرت جلستهم، تناقشوا جميعاً بتفاصيل العمل الأدبي، الذي خرج هذه المرة بصيغة وطريقة مختلفة، بعد أن اضطر السالمي إلى العمل على عربة قهوة بسبب البطالة.

وسط الجلسة الشيقة بالنسبة له، لم يجد السالمي نفسه وحيداً كالعادة، جمع فتات أفكاره وهمس أمام الحاضرين: “أحب الأدب وكتابة الروايات”، ثم صمت برهة وتنفس الصعداء، وبصعوبة أكمل كلامه “ليس معيباً أن أعد القهوة وأبيعها من أجل أطفالي، وفي الوقت ذاته أنتج الروايات”، ثم صمت وكأنه فقد النطق.

إعلان حرك قلمه

“المسيحي الأخير” هي الرواية الرابعة عشرة للكاتب الفلسطيني، وصدرت عن دار “المقام” للنشر والتوزيع، ومقرها في مصر، وحققت مبيعات وصفها السالمي بـ”الجيدة”، ليس فقط، بل حصلت على لقب جائزة أدب فلسطين لعام 2021، وحصدت المرتبة الخامسة على الوطن العربي في جائزة “الديوان العربي”، التي ينظمها اتحاد الكتاب العرب.

السابع والعشرون من مارس (آذار) عام 2007، تاريخ لا ينساه هاني السالمي. لقد بدأت حكايته مع “فن الرواية” آنذاك، يوم كاد الملل يقتله، لكن إعلان قرأه صدفة في جريدة محلية غير حياته، وحرك عقله في خيال واسع وضيق في آنٍ واحد، وكذلك حرك قلمه على الورق الأبيض.

“جائزة أفضل رواية عن فئة الكتاب الشباب، من مؤسسة عبد المحسن القطان، بقيمة خمسة آلاف دولار أميركي”، هذا نص الإعلان الذي دفع السالمي إلى كتابة أول رواية له، وكانت بعنوان “الندبة” تحدث فيها عن طبيعة الإنسان الذي يرث مالاً وقيمة من أسرته، بينما بطل الرواية ورث من والده حلماً بأن يحب سيدة القصر، حصلت هذه الرواية على المركز الأول في الجائزة، وفي اليوم التالي وجد اسمه يلمع في الصحف المحلية كأول غزّاوي يحصل على هذه الجائزة منافساً الكتاب في الضفة الغربية والشتات والداخل الفلسطيني.

طبعت رواية السالمي بثمن الجائزة من طرف المؤسسة، انحاز هاني للكتابة وربطته علاقات مع الكتاب الفلسطينيين في غزة، وكان – ولا يزال – متأثراً بالروايات، خصوصاً الخيالية. وبعدها كتب نحو 14 رواية، من بينها “ماسة” الصادرة عن دار “الكلمة” في الإمارات، و”هذا الرصاص أحبه” التي صدرت عن دار “الأهلية” في الأردن، و”اليهودي الأعرج” عن دار “مقام” في مصر، ورواية “الجنة” عن دار “ميم” في الجزائر، أما “سر الرائحة” فكانت عن دار “أوغاريت” في سوريا.

بائع القهوة لم يَرَ روايته

السالمي فخور بأعماله الأدبية، لا سيما أنه كتبها وهو يجلس على عربة القهوة التي يعمل عليها، ومنها ينسج أبطال قصصه الخياليين، ومع كل رشفة قهوة يبتكر أحداث قصصه خلال مراحل الكتابة ثم يربطها بالواقع. يقول: “لا يضرني العمل على بسطة قهوة، هذا يزيد إصراري، وأنا بما قدمت في عالم الأدب”.

الروائي السالمي مضطر للعمل بائع قهوة، فهو لم يجد أي فرصة شغل في غزة، وبحث جاهداً من أجل ذلك، لكن جميع محاولاته كانت فاشلة.

وعلى الرغم من ذلك العمل الذي أجبرته الظروف عليه، فإنه يؤديه بطريقة مميزة، إذ يقدم القهوة لزبائنه مع نسخة من روايته لقراءتها أثناء احتساء الفنجان، ويتحدث إليهم بلغة مختلفة عن لغة الباعة، التي اعتاد عليها الزبائن.

هذه الروايات، التي كتبها هاني وصدرت عن دور نشر في الخارج، لم يوقع على أي واحدة منها، فهو لم يغادر غزة على الإطلاق، ليس بسبب منعه من السفر، بل بسبب فقره، “كنت كثيراً أحصل على دعوات لتوقيع رواياتي في الدول العربية، وخصوصاً مصر والجزائر والإمارات، لكنني لم أستطع التلبية، لأنني لا أملك ثمن تكاليف السفر، وهناك روايات لي لم أرها لأني لم أقدر على دفع ثمن التحويلة المالية لإرسال كتبي من الدول العربية”، يقول السالمي.

هذه الروايات، التي لم يرها السالمي، حصلت على جوائز كذلك لم يتسلمها، فرواية “هذا الرصاص أحبه” حصلت على المركز الأول كأفضل رواية في فلسطين عام 2011 عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية، أما “الجنة الثانية” فتأتي في المرتبة الخامسة على الوطن العربي 2012، في جائزة الروائيين العرب.

فكر الروائي بالهجرة، لكنه لم يستطع دفع تكاليفها أيضاً، وليس لهذا السبب فحسب، أيضاً هو يرى أن الصراعات في العالم أينما ذهب: “قد تكون الصراعات خشنة في الوطن العربي، وقد تكون ناعمة في العالم الغربي، لذا قررت البقاء في غزة وانتظار الفرج، لعلي أستطيع سداد الدين الذي اقترضته لأفتح عربة القهوة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى