أدب أطفال

الكتابة للأطفال وأسئلة فلسطين

أجلس على الكنبة، أحمل موبايلي في يدي، أشاهد فيديوهات على الإنستاغرام واليوتيوب؛ جرى الكثير من الأحداث، ولا أعرف بالضبط مَن كان يتحكم فيما أشاهده، أنا أم موبايلي. يجلس ابني أمامي (5 أعوام)، أمامه ألوان ودفتر رسم، يرسم بهدوء؛ المشهد من بعيد يبدو طبيعياً، أمٌّ ” تسترخي” على الكنبة بعد يوم متعب وطويل وطفل يرسم. يقترب الطفل من أمه متحمساً ليريها اللوحة، تتأمل الأم اللوحة، أووه ما أجملها، ما تلك الدوائر التي رسمتها؟ وما هو هذا الحيوان؟ فيل؟

لا يا أمي إنهم فلسطينيون يخرجون في تظاهرة، ألا ترين الأعلام التي يحملونها؟ وهذا ليس فيلاً، بل دبابة.

لوحة لسري أبو رحمة ( 6 سنوات)

في هذا الملف ” استعادة فلسطين في أدب الأطفال” مقالات كتبها كتّاب ورسامون وعاملون في حقل أدب الأطفال في فلسطين، يتحدثون فيها عن تجاربهم، ويقدمون شهادات عن الكتابة للطفل في فلسطين. وتحمل هذه الكتابات والرؤى، من بين ما تحمله، بعضاً من المأزق الذي يمر به أدب الأطفال في فلسطين عبر رحلة إنتاجه، وصولاً إلى أيدي القراء.

1

إننا نبدأ بالكتابة عن فلسطين منذ الطفولة، ونتخيلها حرة، نعود في كتاباتنا إلى يافا وحيفا، ونتخيل يوماً كاملاً هناك أمضيناه على شاطئ البحر. وعندما نكبر نحاول أن نخرج من هذه اللغة، ونشعر بأننا مسجونون بداخلها كما تُسجن أجسادنا في أماكن ضيقة. فنكتب قصصاً للأطفال، نخرج فيها من المكان والزمان، ونخترع أماكن غريبة لم يسمع بها الأطفال من قبل، ونسمّي أبطالنا بأسماء غير مألوفة لا تشبه أسماءهم أو أصدقاءهم الذين استشهدوا. ونفكر في أننا صنعنا حبل القطيعة مع ذاكرتنا الجمعية، وللحظة نفكر في أننا نجحنا في الاحتيال على الأطفال، لكننا لا نعرف أننا كتبنا عن بطلة تريد أن تنقذ حقول نزل الذرة الصفراء من جشع التجار، وأننا حتى لو حاولنا الخروج من الأمكنة والأزمنة والأسماء فإننا نعود إلى الكتابة عن الأرض، وعن أرق البحث عن العدالة والحرية، لقد جعلنا البطلة تنتصر في الرواية.

يحدث هذا غالباً، من دون أن ننتبه.

2

عندما كنا صغاراً ورسمنا أولى لوحاتنا، رسمنا علم فلسطين، وشارات النصر، والمسجد الأقصى محرراً؛ رسمنا أطفالاً يبكون، وجنوداً يطلقون الرصاص والقنابل. تبدو الرسومات كليشيهات عن فلسطين، لكننا كنا وقتها قادرين على تخيُّل فلسطين حرة ومحررة، وكان لدينا إيمان شديد كأطفال بأننا سننتصر على الأعداء من خلال الرسوم. عندما بدأت برسم كتابي الأول للأطفال، لم أستطع أن أرسم إلاّ فلسطين، جربت مرة وثانية وثالثة، غضبت من مخيلتي وأصابعي. وتركت الكتاب، وعدت إليه، قرأت النص مرة أُخرى، ولم أرسم فلسطين، واعتقدت ذلك لفترة طويلة، إلى أن أتى يوم كنت أبحث في ملفات قديمة فوجدت لوحات الكتاب وقد أُتلفت قليلاً، كانت كل لوحات الكتاب تطير أو تسبح، لقد رسمت أشياء تطير في السماء وتسبح في البحر.

3

حسناً، لقد حاوت النجاة من المأزقين السابقين، ووصلت إلى هنا. أنت تريد ناشراً لكتب الأطفال واليافعين في فلسطين. وهنا لا نجد سوى أربعة ربما، ولا يأخذون شكل دار نشر بالمعنى الاحترافي، فهم أقرب إلى مؤسسات تنشر للأطفال. وكلٌّ لديه سياسات معينة، ومحدودية في التمويل. وأحياناً تتوقف رحلتك هنا. لأسباب عدة، قد يرفض الناشر نصّك، أو يقترح تعديلات جوهرية لا توافق عليها. وفي حال تمت الموافقة على نشر كتابك واجتزت تلك المرحلة، فإنك تواجه مأزق الطباعة.

4

الكتاب موجود الآن على مكتبك، أو بين يديك، أنت جالس بكل هدوء، ولا تعرف الضجيج الذي كان في خلفية إنتاجه. فالورق الذي تطوي به صفحات الكتاب ربما لم يكن هو الورق نفسه الذي أراده الكاتب لكتابه. فخلال عملي في مجال نشر كتب الأطفال لمست المحدودية في اختيار نوع الورق المناسب، وفي تقنيات الطباعة، لأن “إسرائيل” تتحكم في كل عملية استيراد للورق وتوفيره للسوق الفلسطينية. وبإمكانها أحياناً منع دخول ورق معين وطابعات معينة. وإن توفر ذلك يكون مكلفاً للغاية. لذلك، بطريقة ما يتحكم الاحتلال حتى في الإخراج البصري والفني لكتب الأطفال.

5

الناشر الفلسطيني يستطيع أن يتيح الكتاب للأطفال هنا. لكن الكتاب الذي يُنشر هنا يمر بمأزق السفر. من المتعارف عليه أن القوانين الإسرائيلية الخاصة بحُرية حركة الفلسطينيين تؤثر أساساً في حرية تنقُّل الأفراد داخل بلداتهم، وتفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والداخل المحتل، وبين البلدات نفسها داخل الضفة الغربية. كما تؤثر هذه القوانين في التجارة والعلاج. لكن هناك تشديد وإجراءات خاصة بحُرية تنقُّل الكتب واستيرادها وتصديرها من فلسطين وإليها، ويشمل ذلك كتب الأطفال. وتعرّضت عدة شحنات كتب للتفتيش والتوقيف. يلجأ العديد من الكتاب إلى النشر في دور نشر عربية لتجاوُز تلك الأزمة، وفعلاً تتمكن دور النشر العربية من إتاحة الكتاب في العالم العربي، لكن في المقابل تصل نسخ محدودة جداً إلى فلسطين، وبالتالي لا يُتاح الكتاب لأطفال فلسطين.

6

يبدو بصيغة ما، ونحن نكتب عن أدب الأطفال هنا في فلسطين، أننا لا نكتب عن الأدب فقط، إنما نكتب عن حياتنا، نحن الفلسطينيون؛ فالكتاب الفلسطيني إنسان فلسطيني يتعرض للأسر والسرقة، وحتى أن الكتب تقاوم، وتصمد، وتستشهد؛ فكم مكتبة من مكتبات أدب أطفال دُمرت، وكم من القصص أُتلفت تحت الأنقاض، وكم من مشاريع كتابة للطفل لم تعد موجودة، وكم من أطفال كانوا يريدون أن يصيروا كتّاباً ورسامين للأطفال واستشهدوا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى