تقاريرعناوين ريسية

اللهجة العامية الفلسطينية.. عربية أم موروث كنعاني؟

إن الموقف السائد من الحضارة الكنعانية في الأوساط العلمية والشعبية على حد سواء، يعتبر الحضارة الكنعانية أمراً في عداد الماضي، ويأخذ بها كإحدى المسَلَّمات أنها حضارة بائدة اختفت من الوجود منذ حوالي ثلاثة آلاف عام، فلم يبقَ لنا منها سوى ما نعثر عليه من مخلفاتها ومنقوشاتها ووثائقها في باطن الأرض وبين أنقاض البيوت والقصور والمعابد التي علتها صروح الحضارات اللاحقة التي تعاقبت على أرض فلسطين.

على هذا الأساس، نتعامل مع معتقدات الكنعانيين وآدابهم وفنونهم ولغتهم وإبداعاتهم الفكرية، وحين نتحدث عن “الموروث الكنعاني” فإننا في واقع الأمر نتحدث عن هذه اللقى والمخلفات المتحفية التي نجمعها وندرسها ونحتفظ بها، كما نفعل بالهياكل العظمية لأناس اختفوا عن وجه الأرض منذ آلاف السنين.

ونحن بالكاد نعرف أحداً من العلماء والمؤرخين والمثقفين الفلسطينيين لا يتبنى هذا الموقف في تناوله للحضارة الكنعانية والموروث الحضاري الكنعاني، خصوصاً وأن عقائدنا وانتماءاتنا القومية والثقافية في الوقت الراهن تمنعنا من النظر إلى الحضارة الكنعانية كأمر حي يُسهم إسهاماً جذرياً في تكويننا ووعينا ووجودنا وأنماط عيشنا وتفكيرنا، وهذا ما يُنمّي لدينا النزعة إلى تجاهل العنصر الكنعاني في ذواتنا وشطبه على أنه ماضٍ بدائي من الكفر والضلال تغلبنا عليه وأبطلناه [1].

إلا أن العديد من الدراسات النقدية الحديثة لعلماء عرب وأوروبيين ممن أفلحوا في تحرير أنفسهم ومنهجياتهم من الاستغلال الإيديولوجي السياسي للعلم، بيَّنوا لنا بما لا يقبل الشك أن هذا الموقف الرافض لاستمرارية الموروث الحضاري الكنعاني، ما هو إلا أسطورة اختلقها كَتَبة التوراة خلال القرون الأخيرة السابقة على التاريخ الميلادي، من أجل إضفاء الشرعية والمصداقية المطلقة على العقيدة اليهودية الإبراهيمية بعد أن استولوا على أفضل ما ابتكرته الحضارات السابقة فدمجوه وأذابوه كلياً في معتقداتهم وأساطيرهم [2].

وظلت هذه الأسطورة التوراتية المختلقة حول انقراض الكنعانيين وحضارتهم سائدة في أوروبا والعالم العربي الإسلامي عبر العصور الوسطى، ثم تبناها وأحياها وفعَّلها المستشرقون الغربيون في ما يُدعى “مدرسة الدراسات التوراتية”، التي هيمنت على علم الآثار والتاريخ طوال القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين، ثم تبنتها ورعتها واستماتت في الدفاع عنها الحركة الصهيونية وتجسيداتها السياسية المتمثلة في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة [3].

وليس من قبيل المبالغة أو الإجحاف أن نقول إنَّ نزعتنا العروبية الإسلامية تلتقي وتتواءم مع النزعة الصهيونية التوراتية في هذا الموقف العدائي الرافض لاستمرارية وحيوية الموروث الكنعاني في الثقافة الفلسطينية والكيان الوجودي للإنسان الفلسطيني، وليس في هذا الموقف المنحاز شيء من الأمانة العلمية أو احترام استقلالية العلم [4].

الموقف الرافض لاستمرارية الموروث الحضاري الكنعاني، ما هو إلا أسطورة اختلقها كَتَبة التوراة خلال القرون الأخيرة السابقة على التاريخ الميلادي، من أجل إضفاء الشرعية والمصداقية المطلقة على العقيدة اليهودية الإبراهيمية بعد أن استولوا على أفضل ما ابتكرته الحضارات السابقة، فدمجوه وأذابوه كلياً في معتقداتهم وأساطيرهم.

المؤرخ والباحث الفلسطيني المقدسي باسم رعد، في كتابه “التاريخ الخفي” الذي ألِّفَ بالإنجليزية وصدرت ترجمته العربية عام 2014، يقول إنَّ التاريخ الرسمي السائد اليوم في فلسطين والمنطقة العربية هو في معظمه توراتي أو استعماري، وهو ما يجب أن يتحلل منه ليس فقط المشاركون فيه بل التاريخ نفسه، ثم يضيف أنه: “يجب كتابة تاريخ بديل لفلسطين والمنطقة العربية… من خلال إيجاد بقايا من الماضي القديم في العادات القروية واللغة الدارجة الآن” (ص 28-29).

هذا هو تماماً ما حاولت أن أفعله من خلال التعرف على المفردات غير العربية في العامية الفلسطينية الدارجة، وتتبُّع تاريخ ترحال وتوارث هذه المفردات عبر الأجبال والأقاليم والثقافات. فالكلمات كالبشر، ترحل وتهاجر وتنتقل من بلد إلى آخر وتتوارثها شعوب وأمم. وعليه فإن تتبُّع تاريخ ترحال وتوارث الكلمات هو في حقيقة الأمر تتبُّعٌ لتاريخ الاحتكاك والتفاعل بين الثقافات المختلفة، فمع أن الثقافة محدودة المبنى والحدود، إلا أنها نظام مفتوح على محيطه الثقافي، يستقبل ويمنح، يستورد ويصدر، يستعير ويُعير.

دراسة المفردات غير العربية
إذاً، دراسة تاريخ ترحال الكلمات عبر المكان والزمان (*Etymology) هي فرع من فروع علم اللغويات (“اللسانيات” أو “فقه اللغة” كما كان العرب يدعونه سابقاً). وحيث أن ترحال الكلمات من لغة إلى لغات أخرى لا يتم فقط في النقوش والنصوص المكتوبة وإنما يتم في معظمه شفاهياً من خلال اللهجات العامية المحكية، فإن دراسة تاريخ ترحال وتوارث المفردات يتقاطع مع، ويستعين بعدد من الاختصاصات العلمية، أهمها علم الدلالات (Semantics)، وعلم الثقافات والدراسات الفلكلورية التي تتناول التراث الشعبي غير الملموس بمختلف أشكاله، في حين أن الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) هو العلم الذي يجمع بين هذه العلوم ويناغم بينها.

إن التعرُّف على كلمة غير عربية في اللغة العربية (الفصحى أو العامية) ليس بالأمر السهل، بالرغم من أن الاعتياد والسليقة هما اللذان يوجهاننا في معظم الأحيان. وأول أمر يجب الانتباه إليه هو أن التشابه اللفظي بين كلمتين في لغتين مختلفتين ليس بحد ذاته دليلاً على أن إحداهما جاءت من الأخرى، فكثيراً ما تتشابه ألفاظ الكلمات بين اللغات من دون أن يكون هناك رابط فعلي بينها. ثم إن التشابه بين كلمة عربية وكلمة في لغة أخرى لا يعني بالضرورة أن الثانية جاءت من الأولى، وهذا ما تنزع إليه جمهرة العرب في هذه الأيام، ففي معظم الأحيان يكون العكس هو الصحيح.

أول شاهد على أن الكلمة غير عربية، هو أنها لا يمكن اشتقاقها بالمعنى الذي تُستخدم به من أي جذر عربي. ثم يتعزز عدم عروبة الكلمة إذا لم نعثر عليها، بمعناها المُستخدم، في أي معجم أو قاموس للعربية الفصحى.

ويكون التأكد من ذلك أقوى بكثير إذا وردت الكلمة في المعاجم العربية ذات الشأن والقيمة على أنها “دخيلة” أو “معربة” أو “أعجمية”، فلقد دأب أئمة اللغة العربية كابن دريد والأزهري والجوهري وابن منظور والفيروزبادي على الاعتناء بهذا النوع من الكلمات، فأشاروا إليها في مؤلفاتهم وأفرد لها البعض منهم أبواباً خاصة في معاجمهم.

التشابه بين كلمة عربية وكلمة في لغة أخرى لا يعني بالضرورة أن الثانية جاءت من الأولى، وهذا ما تنزع إليه جمهرة العرب في هذه الأيام، ففي معظم الأحيان يكون العكس هو الصحيح.

ووضع هؤلاء النحويون الأوائل قواعد لغوية صارمة للتعرف على “الدخيل” في اللغة العربية، أهمها على الإطلاق تحديد الحروف التي لا يمكن أن تجتمع في كلمة من كلام العرب؛ يقول ابن دريد في “جمهرة اللغة”: “إذا جاءتك كلمة مبنية من حروف لا تؤلف مثلها العرب، عرفتَ موضع الدخل منها فرددتها غير هائب لها”.

ومن الحروف التي لا تجتمع في كلمة من كلام العرب؛ الصاد والجيم، الطاء والجيم، الجيم والقاف، السين والذال، الطاء والتاء، الكاف والجيم، وغير ذلك الكثير. وهناك قواعد أخرى تتعلق بترتيب الحروف في الكلمة، ففي كلام العرب لا يمكن أن تجيء النون قبل الراء، أو الزاي بعد الدال، أو الذال بعد الدال.

أنواع “الدخيل” في العامية الفلسطينية أكثر بكثير مما تعرَّف عليه اللغويون العرب الأوائل، أولاً لزخم المفردات الكنعانية والآرامية والسريانية التي لم يكن هؤلاء اللغويون على دراية كافية بها كما نحن الآن، وثانياً لكثرة أشكال وأوزان المفردات التي جاءتنا من اللغات المعاصرة، وكذلك من التركية العثمانية.

ومما يَستثني كلمة من اللغة العربية كذلك أن تكون على وزن ليس من أوزان اللغة العربية، مثل “فاعيل” (هابيل) و”فاعُل” (آجُر) و”فُعالل” (سُرادق) و”فَعلِل” (نًرجِس) [5].

وبما أننا نتحدث هنا عن العامية الفلسطينية في أيامنا هذه، فإن أنواع “الدخيل” في العامية الفلسطينية أكثر بكثير مما تعرَّف عليه اللغويون العرب الأوائل، أولاً لزخم المفردات الكنعانية والآرامية والسريانية التي لم يكن هؤلاء اللغويون على دراية كافية بها كما نحن الآن، وثانياً لكثرة أشكال وأوزان المفردات التي جاءتنا من اللغات المعاصرة، وكذلك من التركية العثمانية.

العامية الفلسطينية واللغة العربية
دأب العرب قديماً على تسمية اللهجات العربية “لغات”، فكانوا يتحدثون عن “لغة هذيل ولغة قريش”. أما اللغات بمفهومها الحالي فكانوا يدعونها “ألسُن”، فكانوا يتحدثون عن “لسان العرب” و”لسان الفُرس” و”لسان الهند”.

أما مصطلح “لهجات” فلم يَثبُت في مكانه بين اللغويين العرب كمصطلح علمي متفق عليه إلا في العصر الحديث، وكان لـــ “مَجمع اللغة العربية” في القاهرة الفضل الأكبر في ذلك، فكانت المداولات في قضايا “اللهجات العامية” تحتل مكانا هاماً في اجتماعاته الحولية.

ويعتبر اللغويون العرب المحدثون كل ما هو ليس فصيحاً من اللغة العربية “لهجة عامية” بغض النظر عن مستوى تميُّزها أو عموميتها؛ بمعنى أنهم يقسمون اللغة العربية إلى قسمين متعارضين ومتناقضين: اللغة العربية الفصحى في جهة، و”اللهجات العامية” في الجهة الأخرى.

من الواضح أن هذا الموقف من العاميات العربية، والذي يتبناه “مجمع اللغة العربية” في القاهرة، يتضمن تفضيلاً للفصحى على العامية، واعتبار اللغة العربية الفصحى هي الأصل الصحيح السليم النقي الصافي، في حين أن “اللهجات العامية” ما هي إلا فروع من هذه اللغة ابتعدت عن الأصل الصحيح ونقائه فأصبحت تشويهات وانحرافات ولُحن وكسر أحدثه العامة الذين لا يتقنون العربية ولا يعرفون أصولها.

ليس غريباً أن يعتبر اللغويون العرب المحدثون اللهجات العامية العربية ساحة لالتقاء اللغات الأعجمية، (كأنها سوق شعبية) يتسرب من خلالها الدخيل والغريب والأعجمي إلى اللغة العربية الفصحى. إذ يقول عيسى إسكندر المعلوف: “والدخيل هو ما تسرَّب من الأعجمية إلى لهجات العرب، باختلاطهم بالأعاجم، فشاع بينهم وصار من ألفاظهم التي يتفاهمون بها، وذلك من القديم إلى يومنا”.

وأوضح تعبير عن هذا الموقف الاستعلائي نجده فيما أورده اللغوي اللبناني عيسى اسكندر المعلوف في مساهمته لكتاب “مجمع اللغة العربية” في القاهرة عن اللهجات العربية من عام 2004، حيث يُعرِّف “اللهجة العامية” بقوله: “هي لغة فصيحة موضوعة في عصور مختلفة للتعبير عن الأفكار بقوالب كثيرة، اصطلح عليها أبناؤها في كل قطر وبكل وقت، فلاكتها الألسن، وتلاعبت بها التصرفات، فتغيَّرت أساليبها، وتلوَّنت ألفاظها بين فصيحة محرَّفة أو مصحَّفة، وأجنبية دخيلة، ومُرتجَلة غريبة، ولحن شائع، وتصرُّف شائن، حتى بعُدت في بعض الوجوه والأساليب عن أصلها الفصيح، ومؤداها البليغ، فكادت من هذه الوجوه تكون لغة قائمة بذاتها”. (ص 538).

وليس من الغريب، والأمر كذلك، أن يعتبر اللغويون العرب المحدثون اللهجات العامية العربية ساحة لالتقاء اللغات الأعجمية (كأنها سوق شعبية) يتسرب من خلالها الدخيل والغريب والأعجمي إلى اللغة العربية الفصحى؛ يقول عيسى إسكندر المعلوف في نفس المقالة: “والدخيل هو ما تسرَّب من الأعجمية إلى لهجات العرب، باختلاطهم بالأعاجم، فشاع بينهم وصار من ألفاظهم التي يتفاهمون بها، وذلك من القديم إلى يومنا” (نفس المصدر).

حتى أن بعض اللغويين العرب يعتبر أن الكلمات الأعجمية التي تدخل إلى العربية الفصحى عن طريق اللهجات العامية تلويثاً وتشويهاً للغة العربية، فالباحث المصري عبد الصبور شاهين، على سبيل المثال، يقول: “ولا ينبغي أن تتخذ هذه الانحرافات الطارئة على اللهجات ذريعة إلى تحريف اللغة الفصحى بدعوى تحديثها… (فهذه) قضية تتصل ببنية العربية في أوزانها المختلفة التي يستحيل تغييرها” (شاهين، 1986: 323).

كان نعت كلمة ما بأنها “عاميَّة” يعني أنها ليست فصيحة، وبالتالي فهي غريبة، وهي خاطئة، وهي مُدخَلة أو موضوعة أو مرتَجلة، وهي ملحونة أو منحولة أو مصطنعة.

إن هذا التمييز القيَمي بين العربية الفصحى و”اللهجات العربية”، بين الأصل الأصيل والفروع التي ابتعدت عنه، هو السبب الذي يجعل اللغويين العرب المعاصرين يصرون دائماً على إتباع مصطلح “لهجة” و”لهجات” بكلمة “عامية”، فيتحدثون عن “اللهجات العامية العربية” وعن “اللهجة العامية السورية” و”اللهجة العامية المصرية” إلى آخر القائمة.

فلقد ورثوا هذا المدلول القيَمي لكلمة “عامِّي” من اللغويين العرب عبر عصور التاريخ العربي الإسلامي، حيث كان نعت كلمةٍ ما بأنها “عاميَّة” يعني أنها ليست فصيحة، وبالتالي فهي غريبة، وهي خاطئة، وهي مُدخَلة أو موضوعة أو مرتَجلة، وهي ملحونة أو منحولة أو مصطنعة.

وفي معظم المعاجم العربية القديمة (كـ”الجمهرة” لابن دريد و”الصحاح” للجوهري و”التهذيب” للأزهري و”اللسان” لابن منظور و”المحيط” للفيروزبادي)، تجد مواد بعض المفردات تنتهي بعبارات من قبيل: “وهذا مما تقوله العامَّة”، “وهذا مما دأبت عليه العامة”، “وهذا من كلام العامة”، “وأصلها عامي”.

حتى أن الكسائي (737-805م) وضع كتاباً في “ما تلحَن فيه العامة” وتبعه الزبيدي (928-989م) فوضع كتاباً في “لحن العوام” (2000).

ويفسر النحوي محمد بن أبي الفتح البعلي (645-709م) المدلول الفعلي لمثل هذه العبارات بقوله: “العامِّي منسوب إلى العامّة الذين هم خلاف الخاصة، لأن العامة لا تعرف العلم، وإنما يعرفه الخاصة” (البعلي، 1981: 340).

ويتفوق الجاحظ بصراحته على كل من سبقوه من اللغويين حين يقول في “البيان والتبيين”: “وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً، وساقطاً وسوقياً، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشياً” (1998: ج1، 144).

العامي كان بمثابة الكلام السوقي الساقط المُبتذل الذي حاول اللغويون العرب عبر العصور تخليص العربية الفصحى من آثاره السلبية، فوضعوا المؤلفات كي يضبطوا ما هو “ليس في كلام العرب”. إن في هذا الموقف الطبقي الاستعلائي تجاه العامِّيات العربية انتقاص شديد لثقافات الشعوب التي تتكلم هذه العاميات، وإهمال سافر لعراقتها الحضارية وغناها اللغوي، وشطب كامل لآلاف الأعوام من التاريخ الذي سبق وصول “العروبة” واللغة العربية إليها مع قدوم الجيوش العربية الإسلامية من الحجاز في منتصف القرن السابع للميلاد.

فالعامي هو إذاً الكلام السوقي الساقط المُبتذل الذي حاول اللغويون العرب عبر العصور تخليص العربية الفصحى من آثاره السلبية، فوضعوا المؤلفات كي يضبطوا ما هو “ليس في كلام العرب”.

إن في هذا الموقف الطبقي الاستعلائي تجاه العامِّيات العربية انتقاص شديد لثقافات الشعوب التي تتكلم هذه العاميات، وإهمال سافر لعراقتها الحضارية وغناها اللغوي، وشطب كامل لآلاف الأعوام من التاريخ الذي سبق وصول “العروبة” واللغة العربية إليها مع قدوم الجيوش العربية الإسلامية من الحجاز في منتصف القرن السابع للميلاد.

ونحن إذ نستعمل هنا مصطلح “العامِّيات العربية” ومصطلح “العامية الفلسطينية” فإننا نجرّدهما تماماً من هذا التفريق الطبقي القيمي بين العامة والخاصة أو بين السليم والمشوَّه أو بين الفصيح والملحون، ونقصُر مدلولهما على اللغة المحكية الدارجة المشتركة لمجموعة من البشر تسكن في منطقة جغرافية محددة وتشترك في تاريخها الثقافي واللغوي، وهي متميزة في اللفظ والمبنى والمضمون عما يجاورها من اللغات المحكية الدارجة، وهي في نفس الوقت لا تلتزم التزاماً تاماً بقواعد اللغة العربية الفصحى في النحو والصرف واللفظ والصياغة الإنشائية.

العامية الفلسطينية العربية التي نتكلمها الآن، ليست فرعاً من فروع اللغة العربية، بمعنى أنها لم تتفرع من اللغة العربية الفصحى كما يتفرع الغصن من الجذع. فأهل فلسطين يتكلمون العربية بالعامية ليس لأنهم “عوام” لا يعرفون ما تعرفه الخاصة، وليس لأنهم يجهلون أصول اللغة العربية الفصحى وقواعدها، وليس لأنهم يخطئون بفصيح العرب ويلحنون فيه، وإنما لأنهم يتكلمون العربية مخلوطة بموروثهم الثقافي ما – قبل- العربي ومجيَّرة لعاداتهم اللغوية التي دأبوا عليها لمئات السنين.

إن العامية الفلسطينية المحكية التي نتحدث بها الآن، هي عامية عربية بالتأكيد. فنحن الفلسطينيين عرب نتكلم العربية، واللغة العربية هي اللغة الحية التي نعرفها ونعيش من خلالها ونمارسها في كل ملابسات حياتنا اليومية، وهي التي تشكل وعينا وإدراكنا وعالمنا كله.

إلا أن العامية الفلسطينية العربية التي نتكلمها الآن، ليست فرعاً من فروع اللغة العربية، بمعنى أنها لم تتفرع من اللغة العربية الفصحى كما يتفرع الغصن من الجذع.

وأنا لا أعتبر علاقة العامية الفلسطينية بالعربية الفصحى كعلاقة الفرع بأصله، كما يعتقد معظم الناس وكما يدعي معظم أساتذة اللغة العربية والنحويين العرب. ذلك لأن اللغة العربية جاءت إلى أهل فلسطين في وقت متأخر جداً مقارنةً بعراقة موروثهم اللغوي والحضاري، وكانوا حينئذٍ يتكلمون لغة هي مزيج من الكنعانية والآرامية والسريانية كانت قد تطورت لديهم عبر أكثر من ألفي عام، فدمجوا اللغة العربية القادمة إليهم من جزيرة العرب بلغتهم، وذهبوا بها مذهب كلامهم وطوَّعوها لقواعدهم في النطق واللفظ والنحو والصرف والإنشاء.

فأهل فلسطين يتكلمون العربية بالعامية ليس لأنهم “عوام” لا يعرفون ما تعرفه الخاصة، وليس لأنهم يجهلون أصول اللغة العربية الفصحى وقواعدها، وليس لأنهم يخطئون بفصيح العرب ويلحنون فيه، وإنما لأنهم يتكلمون العربية مخلوطة بموروثهم الثقافي ما-قبل- العربي ومجيَّرة لعاداتهم اللغوية التي دأبوا عليها لمئات السنين.

حتى أنَّ سكان فلسطين ظلوا يتكلمون الآرامية والسريانية (واليونانية في منطقة الساحل) لعدة قرون بعد وصول عرب الجزيرة إليهم وتعريبهم، وذلك على الرغم من فرض اللغة العربية عليهم في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (685-705م) الذي أصدر مرسوماً بفرض اللغة العربية على رعايا الدولة الإسلامية، ومنعهم من استخدام لغاتهم الأصلية في التداولات الشفوية والكتابية [6].

وينطبق هذا على فلسطين بالتأكيد، وحتى منتصف القرن الثالث عشر، كان سكان فلسطين يتكلمون الآرامية أو السريانية في بيوتهم والعربية في الفضاء العام (كما يفعل الأرمن والشركس في فلسطين حتى يومنا هذا)، ولم يتم القضاء نهائياً على الآرامية والسريانية كلغة محكية في فلسطين إلا في نهاية فترة الحروب الصليبية.

علاقة اللغة العربية باللغات الشرقية الأخرى
أتخيل أن عدداً كبيراً من القراء سيتوقفون هنا ويتسائلون: أليست الكنعانية والآرامية والسريانية لغات عربية أو من أصل عربي؟ أليست كلها لغات لأقوام هاجرت من جزيرة العرب وحملت معها أصولها اللغوية العربية؟ أوليست العربية هي أم كل “اللغات السامية”؟

هنا نأتي إلى قضية علاقة اللغة العربية باللغات الشرقية الأخرى، وهذا هو مبحث علمي بالدرجة الأولى. وقبل أن نخوض في هذه القضية، علينا أن نؤكد على حقيقة في غاية الأهمية: إن البحث العلمي الحقيقي في تاريخ اللغات وعلاقاتها ببعضها البعض، وفي تاريخ المفردات وأصولها، يشترط نزع القداسة عن اللغة والنصوص اللغوية كشرط أساسي لا يمكن التنازل عنه.

ذلك لأنك لا يمكن أن تجري بحثاً علمياً حقيقياً إذا كان هذا البحث ينطلق من تقديسك للموضوع الذي تبحث فيه، فأنت في هذه الحالة تفترض نتيجة البحث قبل أن تبدأ بالبحث، ولا تقبل بأي نتيجة أخرى مهما كانت الدلائل والبراهين. فالقداسة شأن من شؤون العقيدة، أما الحقائق العلمية فتأتي من منطقية المنهج وثبوتية البراهين.

فكيف يمكن، مثلاً، للدكتور عبد الكريم اليافي، محاضر الفلسفة في “جامعة دمشق” وعضو “مجمع اللغة العربية” بدمشق، أن يجري بحثاً علمياً عن علاقة اللغة العربية باللغات الأخرى وهو ينطلق من الإيمان بأن اللغة العربية هي “الصوت الأول الذي به بدأ خلق الكون”، والتصريح بأنه “يأمل أن يتاح له سماع الحوريات في الجنة وهن يتحدثن العربية باللهجة الصحيحة البديعة الصافية”؟

وكيف يمكن أن يقوم بذلك الدكتور أحمد علي عثمان، “محاضر العلوم الإنسانية والكونية والأديان” في الجامعة الأميركية في القاهرة، وهو يعتقد جازماً بأن “العربية هي من عند الله تعالى وليست من اختراع البشر”؟ عمّا تبحث إذاً؟ وأين العلمية والموضوعية والحيادية في بحث ينطلق من هذا الإيمان الذي يضع العربة أمام الحصان؟

كيف يمكن للدكتور عبد الكريم اليافي، محاضر الفلسفة في “جامعة دمشق” وعضو “مجمع اللغة العربية” بدمشق، أن يجري بحثاً علمياً عن علاقة اللغة العربية باللغات الأخرى وهو ينطلق من الإيمان بأن اللغة العربية هي “الصوت الأول الذي به بدأ خلق الكون”، والتصريح بأنه “يأمل أن يتاح له سماع الحوريات في الجنة وهن يتحدثن العربية باللهجة الصحيحة البديعة الصافية”؟

صحيح أن المسلمين منذ البداية ربطوا اللغة العربية بالعقيدة الإسلامية فقدسـوا العربية وأخرجوها من مسار الزمن بحُكم كونها اللغة التي “حباها الله بأن تكون لغة الوحي ولغة القرآن” كما يقول ابن منظور المصري في مقدمة “لسان العرب”، فاعتبروها أم اللغات، وأشرف اللغات وأقدسها، فهي لغة أهل الجنة، وهي لغة الملائكة، وهي لغة آدم التي سمَّى بها المخلوقات.

ولكن إذا كان المسلمون الأوائل قد ربطوا اللغة العربية بالعقيدة، فعلينا الآن أن نحررها منها كي نستطيع أن نرى ما لها وما عليها، وأن نتعامل معها بأسلوب علمي موضوعي نزيه، لا أن نربطها هي والعقيدة بعُقدنا القومية فيعمينا ذلك عن رؤية الحقيقة ويدفعنا إلى استغلال العلم كغطاء لنشر الغيبيات.

ونحن لسنا أول من يفعل ذلك، فتحرير الفكر الأوروبي من العقيدة المسيحية التي هيمنت عليه طوال العصور الوسطى، ورفض الأصول الربانية للمعرفة، وإعادة الإنسان والعقل إلى مركز الكون، هو الشرط الأساسي الذي أتاح انطلاق العلوم الوضعية التجريبية التي نعرفها الآن. ورفض أزلية اللغة وانتزاع القداسة المزعومة عن اللغة العبرية بالذات، لغة “العهد القديم” التي كانت تستحوذ على الفكر الأوروبي والدراسات الأوروبية، هي التي أطلقت شرارة علم اللغويات أو علم اللغات المقارن في نهاية القرن الثامن عشر، وإلى ذلك ندين بكل ما نعرفه الآن علمياً عن لغات الشرق والغرب والعلاقات التاريخية بينها.

ويتمثل ذلك في الاكتشافات الأركيولوجية الكبرى للرُّقُم والنقوش، وفك طلاسم اللغات القديمة كالهيروغليفية والأوغاريتية، وعلم النحو المقارن، وعلم تاريخ المفردات، وإعادة تصنيف اللغات في عائلات واضحة المعالم. هذا ما يدعوه ميشيل فوكو (في كتابه “الكلمات والأشياء) “اكتشاف اللغة”، والذي يقول عنه أنه “أزاح التصور الديني عن قيام الرب بتسليم اللغة للإنسان في جنة عدن، وحل محلها”. (ص 289)

إذا كان المسلمون الأوائل قد ربطوا اللغة العربية بالعقيدة، فعلينا الآن أن نحررها منها كي نستطيع أن نرى ما لها وما عليها، وأن نتعامل معها بأسلوب علمي موضوعي نزيه، لا أن نربطها هي والعقيدة بعُقدنا القومية، فيعمينا ذلك عن رؤية الحقيقة ويدفعنا إلى استغلال العلم كغطاء لنشر الغيبيات.

صحيح أن علوم اللغة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت علوماً استشراقية قام بها مستشرقون ينطلقون من الاستعلائية الغربية، من أمثال وليم جونز وفرانتس بوب ولودفيغ فون شلوتزر وأرنست رينان. ولكن هؤلاء هم الذين عرّفونا على لغات الشرق القديم وكشفوا لنا عن أسرارها، وهم الذين وضعوا الأساس المعرفي للعلوم الحديثة التي تسوق لنا، بتقنياتها ومناهجها المتطورة، البراهين الحاسمة على أن اللغة العبرية ليست أقدم لغة بشرية، وأن اللغة العربية ليست أم كل اللغات، وليست اللغة الأم التي تفرعت عنها سائر لغات الشرق القديم والحديث.

العرب والثقافات الهلالية
لن نستطيع أن نحسم مسألة أصل الشعوب واللغات الهلالية (نسبةً إلى الهلال الخصيب) بالرجوع إلى النصوص المقدسة، ولا بالعودة إلى التاريخ الحضاري لهذه الشعوب إنْ لم نذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، إلى بداية البدايات التي سبقت التاريخ الحضاري المكتوب بآلاف السنين. فدعونا إذاً نستخدم مكتشفات العلم الحديث كي نعود بالتاريخ إلى بداية الوجود البشري في منطقة الهلال الخصيب:

قبل حوالي 35,000 سنة من الآن، وبعد حوالي 50,000 سنة من خروج الجنس البشري من أفريقيا وانتشاره في الأرض، كان قد تكون تجمُّعان رئيسيان كبيران للبشر في منطقة الشرق الأدنى القديم؛ واحد في جنوب غرب إيران وجنوب شرق بلاد الرافدين ويدعى في الأوساط العلمية “تجمع زاغروس”، وهو الذي جاءت منه “الثقافة العبيدية” بعد ذلك بحوالي 20,000 عام، والثاني في جنوب غرب بلاد الشام (فلسطين وجنوب سوريا الآن) ويدعى في الأوساط العلمية “تجمع المشرق”، وهو الذي جاءت منه “الثقافة النطوفية” بعد ذلك بحوالي 20,000 عام.

انتقلت التجمعات البشرية في منطقة الهلال الخصيب عبر العصر الحجري القديم والأوسط حتى نهاية العصر الحجري الجديد قبل حوالي 10,000 عام، وأثناء ذلك أحرزت تطوراً هائلاً في صنع أدوات الصيد، والملابس، والطعام، والأدوات الفخارية، وكذلك في فن الرسم والنحت، وطقوس الموت، والمبنى الاجتماعي، وتمكنت من تدجين بعض الحيوانات كالكلب والحمار والحصان والماعز والجاموس.

وكانت نتيجة ذلك أن نشأت الثقافة النطوفية (Natufian culture) في فلسطين وجنوب سوريا، والتي امتدت ما بين 12,500 و 9,500 قبل الميلاد، وهي أول ثقافة زراعية معروفة في التاريخ. (تم اكتشاف الثقافة النطوفية في مغارة شُقبا غربي رام الله، وكهوف عين صخري إلى الجنوب الشرقي من بيت لحم، ومغارة الطابون على سفح جبل الكرمل.)

حتى هذه الحقبة، أي قبل حوالي 10,000 عام من الآن، حين كان عمر الجماعات البشرية في منطقة الهلال الخصيب قد وصل إلى حوالي 40.000 عام وأصبحت هذه الجماعات على أعتاب الخروج من العصر الحجري، كانت منطقة الصحراء في شبه الجزيرة العربية، أي صحراء “الربع الخالي”، أي أقاليم الحجاز ونجد والعروض (الموطن الأصلي للعرب والعربية في ما بعد)، كانت لا تزال خالية من الجنس البشري ومن أي مستوطنات بشرية ثابتة ومستقرة.

لقد استوطنت المجموعات البشرية الخارجة من أفريقيا في الشريط الضيق الممتد على طول الساحل الجنوبي والساحل الشرقي لشبه الجزيرة، في مناطق اليمن وعُمان والإمارات وقطر اليوم، ولكنها لم تتمكن من العيش والاستقرار في أي مكان داخل صحراء الجزيرة العربية.

يقول عالم الآثار الدنماركي ثوماس ثومسون في كتاب “الماضي العصي: دراسات في تاريخ فلسطين”: “كانت اللغة السامية الغربية المبكرة (يقصد اللغة الكنعانية) هي اللغة السائدة في سوريا وفلسطين منذ نهاية العصر الحجري على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، وبالاعتماد على أنماط الاستيطان المعروفة خلال هذه الحقبة، لم تكن هناك هجرة إلى فلسطين في هذه الفترة”.

صحيح أنه عبر ذلك التاريخ كله كانت جماعات صغيرة تتجرأ على مغامرة الدخول إلى هذه الصحراء، ولكنها كانت إما تهلك فيها، وإما تعبرها إلى الطرف الآخر، وإما تعود أدراجها من حيث أتت لتستقر على شريط الساحل. وقد عثر علماء الآثار على العديد من آثار الإنسان القديم في شريط الساحل وفي الطرف الجنوبي للربع الخالي في عمان واليمن، ولكنهم لم يعثروا على أي أثر لأي وجود استيطاني بشري من هذه الحقبة في صحراء الجزيرة[7].

وعليه، فإن مئات الشواهد الأركيولوجية والأنثروبولجية والبيولوجية المكتشفة خلال القرن الأخير، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعوب الهلالية الكبرى المعروفة؛ السومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين والكنعانيين، لم تأتِ من أي مكان، ولم تنشأ من أية هجرة استبدلت السكان الأقدمين للهلال الخصيب بسكان آخرين، وإنما هي موجودة هناك منذ البداية، منحدرة مباشرة من الجماعات البشرية التي استوطنت المنطقة عقب وصولها إليها في بداية هجرة الجنس بشري وانتشاره في الأرض، خصوصاً وأن صحراء الجزيرة العربية لم تشهد أي تجمُّع بشري أو تطور اجتماعي ثقافي يُعتد به إلا في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، في الوقت الذي كانت شعوب الهلال الخصيب قد أورثت البشرية أبجديتها وعلومها وفنون ملاحتها وتجارتها، وعقائدها وآلهتها ومقدساتها.

عالم الآثار الدنماركي من جامعة كوبنهاغن، ثوماس ثومسون، المتخصص في دراسات الشرق الأدنى وتاريخ فلسطين القديم، يقول في كتاب “الماضي العصي: دراسات في تاريخ فلسطين”، الذي صدرت ترجمته العربية في رام الله عام 2019: “كانت اللغة السامية الغربية المبكرة (يقصد اللغة الكنعانية) هي اللغة السائدة في سوريا وفلسطين منذ نهاية العصر الحجري على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، وبالاعتماد على أنماط الاستيطان المعروفة خلال هذه الحقبة، لم تكن هناك هجرة إلى فلسطين في هذه الفترة”.

النزعة العروبية
إن التشابه بين اللغة العربية واللغات الهلالية الأخرى نابع من كون العربية تطورت عن هذه اللغات، وليس العكس [8]. إلا أن اللغة العربية هي اللغة الحية التي نعرفها ونعيش من خلالها ونمارسها في كل ملابسات حياتنا اليومية، وهي التي تشكل وعينا وإدراكنا وعالمنا كله، ولذا فإنه من الطبيعي أن نميل إلى قياس ما لا نعرف على ما نعرف، وإلى فهم ما هو بعيد عن إدراكنا من مُنطلق ما هو قريب منه. هذا أمر طبيعي في حياة الناس العاديين في حياتهم اليومية، ولكن أن نُلبس ذلك عباءة العلم ونجعل منه مبنىً مفاهيمياً نحلل على أساسه علاقات الأقوام والحضارات واللغات عبر آلاف الأعوام، فهذا من وجهة نظري أمر بالغ الخطورة.

حين تم اكتشاف كنوز مدينة إبلا في سوريا عام 1975 وتمكن العلماء من فك رموز لغتها، واتضح أن هناك تماثلٌ مذهل يكاد يصل حد التطابق بين النصوص الإبلاوية ومزامير داوود في التوراة، وأن الرقائم الإبلاوية تحتوي على نفس الأسماء التي ذكرت في التوراة بعد ذلك بحوالي 1500 عام، مثل داود وأبرام وعيسو وشاؤل وبنيامين، حينئذ ثارت زوبعة منقطعة النظير بين يهود العالم مدَّعين وبكل جدية أن النصوص الإبلاوية مستوحاة من التوراة، أي أن السابق مستوحىً من اللاحق، حتى أن أحد الباحثين الأستراليين ادّعى، وبمنتهى الجد، أن إبلا قدَّمت أخيراً البرهان القاطع على أن “الكتاب المقدس” على حق دوماً وأبداً (كريغ، 2016: 143-145).

وهل يختلف هؤلاء في شيء عن العرب المسلمين الذين إذا وجدوا تشابهاً بين نص أوغاريتي ونص قرآني استنتجوا أن النص الأوغاريتي عربي الأصل على الرغم من أن الرقائم الأوغاريتية سبقت النص القرآني بأكثر من 1500 عام، فيستنتجون هوية السابق من هوية اللاحق؟ أليس من المفروض منطقياً أن يستنتج هؤلاء أن التشابه بين لفظ قديم ولفظ جديد هو مؤشر على أن الجديد جاء من القديم وليس العكس؟

ومن الجدير بالذكر أن هذه النزعة العروبية اللاعقلانية في اللغويات العربية هي أقوى وأشد تطرفاً في هذه الأيام منها في أي وقت مضى منذ فجر العروبة والإسلام. كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يفتخر باللغة الكنعانية التي “تضارع العربية” (سليمان، 2005: 66).

وكان ابن قتيبة الدينوري لا يجد ما يمنعه من أن يقول: “لم يَقصُر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمنٍ دون زمن ولا خصَّ به قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر” (في عبد الرحيم، 2012: ج1، 17).

وروى ابن منظور في “لسان العرب” عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: “مَن كان سائلاً عن نسبتنا فإنا نبط من كوثى”، وعن عبد الله بن عباس أنه قال: “نحن معاشر قريش حيٌّ من النبط من أهل كوثى”، وكوثى مدينة بابلية/آرامية في جنوب بلاد الرافدين أصبحت في القرن الأول بعد الميلاد موطناً لنبط العراق.

نحن الفلسطينيين عرب نتكلم العربية، ما في ذلك شك. ولكننا لسنا عرباً فحسب بل أكثر من ذلك وأعرق من ذلك بكثير، فقد ورثنا في وعينا وثقافتنا ولغتنا وطقوسنا وممارسات حياتنا إرث أقوام وحضارات تضرب جذورها في عمق أعماق التاريخ البشري، وتلاقت في جيناتنا وكلماتنا ومعارف حياتنا شعوب الشرق والغرب عبر آلاف السنين.

أما جهابذتنا في القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد، فيزعمون (باسم العلم) أن آدم كان يتكلم العربية، وأن سام بن نوح كان يحمل العرب المسلمين في صُلبه، وأن صفائح إبلا وأوغاريت تشهد على قداسة النص القرآني العربي المبين، وأن نصاً آرامياً من عام 151 ميلادي هو نص عربي وليس آرامياً، لأنه يحتوي على كلمتين مذكورتين في نص عربي جاء بعده بخمسة قرون!

إن هذه النزعة العروبية اللاعقلانية المتطرفة هي وليدة هذا العصر الموبوء بالنَّزعات والنِّزاعات القومية/الدينية التي تستمد عنفها وعنفوانها من التلاعب بالتاريخ من أجل “فبركة” حق تاريخي “موحَى به” بلغة مقدسة من عالم الماورائيات، وهي في نفس الوقت الرفيق الملازم لشعور العرب بأن لغتهم مُخترَقة ومهمَّشة ومهدَّدة في صُلب كيانها، ولإدراك العرب لعجزهم وتخلفهم عن الركب في السياسة والحرب والاقتصاد والمعرفة والإبداع الحضاري، وكلٌّ من هذين الرفيقين المتلازمين يغذي الآخر وينمّيه. وفي كل مبالغة في الرفع من شأن العرب والعربية، مبالغة في الحط من شأن الأقوام الأخرى واللغات الأخرى.

في المحصلة،نحن الفلسطينيين عرب نتكلم العربية، ما في ذلك شك. ولكننا لسنا عرباً فحسب بل أكثر من ذلك وأعرق من ذلك بكثير، فقد ورثنا في وعينا وثقافتنا ولغتنا وطقوسنا وممارسات حياتنا إرث أقوام وحضارات تضرب جذورها في عمق أعماق التاريخ البشري، وتلاقت في جيناتنا وكلماتنا ومعارف حياتنا شعوب الشرق والغرب عبر آلاف السنين. وليس كل ما هو غير عربي في عاميتنا الفلسطينية العربية لحناً أو تشويهاً أو خرقاً لأصول العربية الفصحى، وإنما هو في الحقيقة كنز حضاري معرفي يجب أن نعرفه ونعترف بقيمته ونعطيه حق قدره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى