إصدارات

“المتن المجهول” يكشف تفاصيل خفيّة عن حياة درويش في مصر

“ماذا يقول النيل،

لو نطَقَتْ مياهُ النيل؟..

قد زيَّفوا، يا مصر، حنجرتي..”.

 

منذ عدة شهور، وأثناء تصفُّحي موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، صادَفَتْني صورةٌ نادرةٌ للشاعر محمود درويش مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي والكاتبة صافيناز كاظم، يتمشّون معاً في القاهرة القديمة، تحديداً في حيّ الغورية، كما يتَّضِح من شكل المحلات في الخلفية، وأمامها الملابس الشعبية المعلقة.

 

بدا لي محمود درويش شابّاً وسيماً وأنيقاً يسير بثقة وابتسامة خافتة تتلاعب على شفتيه، وخلفه بخطوات يسير الأبنودي الذي كان منشغلاً بمحادثة مع صافيناز التي ظهرت في جانب الصورة تنظر إليه بنصف وجهها.

 

 

 

وفي صورة أخرى يتقدم الأبنودي بخطوة عن درويش الممسك بجريدة مطوية، بينما ينظر إلى يمينه قليلاً مبتسماً لصافيناز التي تضحك من القلب مادّةً كف يدها إلى الأبنودي، ربما لتلفت انتباهه إلى ما يُضْحكها. وفي أقصي يسار الصورة نرى سيدة مصرية تضع “العباية اللفّ” على كتفيها، وتنظر هي الأخرى لعدسة الكاميرا.

 

ربما لم تعرف هذه السيدة شيئاً عن الثلاثة الضاحكين بجوارها، لكن العدسة التي لاحقتهم هي ما لفتتها. خُلِّدَت السيدة المجهولة في صورةٍ تصف جزءاً من حياة درويش في القاهرة من شباط (فبراير) 1971 وحتى 1973، الفترة المجهولة التي منحنا الكاتب والصحافي سيد محمود صورةً واضحةً عنها في كتابه الاستقصائي “المتن المجهول” الصادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا.

 

شغلت هذه الفترة سيد محمود كثيراً؛ رغم اقترابه لفترةٍ من درويش الذي منحه طيلة سبع سنوات مجموعةً من الحوارات الحصرية التي تحولت لصورة أرشيفية. ومع ذكراه العاشرة، أراد سيد محمود توثيق هذه الفترة بشكلٍ أكثر اكتمالاً، في كتابٍ مهم يضم القصة منذ بدايتها. منذ الخروج من فلسطين، ثم الانطلاق من موسكو إلى القاهرة، وانتهاءً بمغادرتها إلى لبنان، بالإضافة إلى ملحق وثائق نادرة ومقالات تُجْمَع لأول مرة في كتابٍ وحوارات وصور.

 

 

 

الخروج

في هذا الجزء ندخل مع درويش الحكاية من بدايتها، ما الذي دفَعَهُ للخروج من الأرض المحتلة تزامناً مع صعود نجمِهِ كشاعرها ومناضلها؟ فاسم درويش سطع بالذات مع نكسة 67 وكان قد نشر وقتها خمسة دوواين شعرية هي (أوراق الزيتون 1964 – عاشق من فلسطين 1966 – آخر الليل 1969 – العصافير تموت في الجليل 1969 – حبيبتي تنهض من نومها 1970) واشتهرت قصائده مثل “سجِّل أنا عربي” و”أحِنُّ إلى خبز أمي”.

 

لكن هذا لم يشفع لدرويش في مشاركته في مهرجان الشبيبة في صوفيا عاصمة بلغاريا في العام 1968، لأنه وطبقاً لصحيفة الدستور الأردنية شارك بصفته عضواً في وفد “إسرائيل” الشعبي وكذلك وصَفَتْهُ بأنه عضوٌ في الحزب الشيوعي “الإسرائيلي”، ما قد يدفعنا للتفكير في مأزق الهوية الذي يُعاني منه المبدعون إلى اليوم في الأرض المحتلة عام 1948، ما بين الاشتراك بصفتهم ممثلين لإسرائيل التي يرفضون وجودها أصلاً، وبين حرمانهم من نشْرِ فنِّهم وإبداعهم إلى العالم.

 

ولعل هذا هو نفس المأزق الذي كان مثار الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي الأسابيع الماضية، عن ضرورة ترجمة الأعمال العربية إلى العبرية لإيصال الفن العربي إلى العدو وتقريب أو فهم وجهات النظر الحقيقية، أو مقاطعة ذلك بوصفه تطبيعاً.

 

إنه الوضع الحرج الذي يرتبك من يُوضَع فيه ويعجز، ويبدو أن هذا ما شعر به درويش أيضاً في العام 1968، لأنه قرَّرَ الرحيل بعد التنديد به على يد صحافيين مثل جان داية العضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي لدرجة وصفه بالخيانة وأنه الشاعر الذي تم “غسْلُ مُخِّه”.

 

 

 

وبعد هذه الواقعة بسنوات برَّرَ درويش موقفه وصرَّحَ بأن من يعتبر اشتراكه في المهرجان تهمةً فلا بد أن يعتبر وجودَهُ في “إسرائيل” تهمةً أيضاً. وأضاف بأنه ليس مذنباً كونه يحمل الجنسية “الإسرائيلية” إذا لا يمكن له أن يعيش في إسرائيل وهو يمزِّق العلم الإسرائيلي.

 

ولأن هذا العلم هو ما يرفرف على كل فلسطين، لم يجد درويش حلاً سوى الفرار من هذا العَلَم الذي أكَّدَ بأنه لم يحمله في المؤتمر، ولم يَسِرْ تحت ظلِّه، على العكس كان الوفد كله مكوَّناً من اليساريين.

 

من هنا تشبَّثَ درويش بفرصةٍ أتَتْهُ للسفر إلى موسكو مرشحاً لمدرسة إعداد الكادر الحزبي في معهد الماركسية اللينينية المعروفة علناً باسم “معهد العلوم الاجتماعية”. لكنه عاد إلى فلسطين حيث خضع لمراقبة الشرطة “الإسرائيلية” وبات محكوماً عليه بعدم مغادرة غرفته بعد غروب الشمس، ثم اعتُقِل في السادس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 1969، وبعدها سمحت له السلطات بالعودة إلى موسكو في 1970.

 

وفي نفس وقت الهجوم على درويش في الأراضي المحتلة، بدأ مثقَّفو مصر في تسليط الضوء على درويش وشعره، وكتب عنه العديدون مثل صلاح عبد الصبور الذي وصَفَهُ بالقدّيس المقاتل، ورجاء النقاش، وأحمد بهاء الدين الذي وصَفَهُ بفلذة كبِدِهِ. بعدها قدَّمَتْهُ مجلة الكواكب بالتعبير الذي رافقه للأبد “شاعر المقاومة في الأرض المحتلة”.

 

وكتب رجاء النقّاش: “إنه الشاعر الذي يعيش وراء أسوار إسرائيل، يستطيع بقلبه وإيمانه أن يخترق هذه الأسوار، ويخترق أيضاً، حدود الزمن، ليرى أن المستقبل للعرب، فهم أصحاب الأرض، هم أهل هذا البيت البرتقالي المسروق: فلسطين”.

 

 

 

التقى درويش في موسكو بسفير مصر هناك الدكتور مراد غالب، الذي اعتزم أن ينتقل درويش إلى مصر بعد حماس مثقَّفيها له، ويبدو أنه هو من رتَّبَ مع السلطات المصرية بخصوص الموافقة، بما في ذلك الاتصال مباشرةً بالرئيس جمال عبد الناصر.

 

 

هنا القاهرة

رحل عبد الناصر قبل أن يستقر درويش في القاهرة، لكن تلقَّفَهُ منذ وصوله الرجل الذي سيتحوَّل إلى أبيه الروحي (الأستاذ أحمد بهاء الدين) الذي وصف درويش عند لقائه به في موسكو بأنه فلذة كبده. وبدا للجميع بأن هناك خطةً واضحةً لوضْعِ درويش على مسرح الأحداث وتحويله إلى نجم مناضل تُثير قصائده الحماسة مع اشتعال الصراع المصري الإسرائيلي قبل “حرب أكتوبر”.

 

لكن هذا الانتقال إلى القاهرة لم يكن بسيطاً، فهاجَمَهُ المثقفون الفلسطينيون، ووضِعَتْ صورتُهُ على مجلة الحوادث اللبنانية مع مانشيت “ليتَهُ يعود إلى إسرائيل”. لكن درويش لم يكتَفِ بالصمت هذه المرة، فأجرى حواراً مع صافيناز كاظم تحدَّثَ فيه عن أسباب الهجرة من الأرض المحتلة، كما كتب مقالاً في مجلة الهلال بعنوان “لماذا خرجتُ من إسرائيل”.

 

 

 

وبعيداً عن الصراعات، تأتي فترة الحياة في القاهرة كفترةٍ زاهيةٍ لدرويش، الذي انْدَهَشَ من كونِهِ يعيش أخيراً في مدينةٍ بأكملها تتحدَّث العربية، ووصف نفسه بالطفل الجائع الذي وجَدَ أمامه فجأةً طبقاً مليئاً بالحلوى واللحوم. لم يصدِّق درويش أنه يعيش في مدينة تصدُرُ جرائدها بالعربية، يعرف الشوارع والوجوه والأصوات، يرغب في ضمّ الأشياء حتى لا يفقدها بعد كل ما مرَّ به من فَقْد.

 

لكن يبدو أن درويش موعودٌ بالصراعات والهجوم، هذه المرة من شعراء مصر النابغين المُفلِسين كما يصفهم سيد محمود، الجالسين على مقهى ريش مثل نجيب سرور الذي تساءل: “اشمعنى درويش يعيش مدللاً في فندق شيبرد” لينتقل بعدها للعيش في شقة في جاردن سيتي. لكن درويش لم يَبْدُ أنه اهتم بما يُقال عنه، وظل مستمراً في عمَلِهِ في إذاعة صوت العرب ثم الأهرام حيث عمِلَ تحت رئاسة محمد حسنين هيكل. ثم انتقل للعمل في مجلة الطليعة بالأهرام لإصدار ملحق الأدب والفن.

 

 

درويش والرموز

خلال إقامته في القاهرة التقى درويش بالكثير من رموز مصر، حيث عمِلَ في طابق واحد مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبنت الشاطيء، وعقد صداقة عميقة مع محفوظ وإدريس. كذلك مع الشعراء الذين كان يُحِبُّهم مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي والأبنودي وصلاح جاهين وأمل دنقل الذين وصفهم بالقريبين جداً.

 

 

 

كانت القاهرة من أهم المحطات في حياة درويش، لكن في صيف 1972، حضر درويش لأول مرة اجتماعاً استثنائياً للمجلس الوطني الفلسطيني في مبنى جامعة الدول العربية في القاهرة، وكان هو نجم المؤتمر حيث تدافع الكل لالتقاط الصور معه والحديث إليه.

 

ويبدو أنه في هذه الاجتماعات تلقّى عرضاً بالانتقال إلى بيروت التي كانت تبدأ عهد المدينة المثقفة. فتلقّى عرضاً من أنيس صايغ للعمل معه في مركز الأبحاث الفلسطينية، وقبِلَ درويش فوراً، بالذات بعد إبعاد هيكل عن جريدة الأهرام بأمرٍ من السادات.

 

وفهِمَ درويش أنه صار بلا ظهرٍ في مصر، وأن مرحلةً جديدةً تبدأ ربما لا تناسبه، وأنه لم يَعُدْ في المكان الصحيح، فكتب قصيدة “رحلة المتنبي إلى مصر” ويبدو أنه كان يُعاتِب بها محبوبته عتاباً رقيقاً قبل أن يُغادرها.

 

 

 

في جزء الوثائق والمقالات، سنقرأ بين السطور أفكار درويش وهواجسه، من قضيَّتِه الأزلية، قضية فلسطين، إلى الصراع النفسي الذي عاشه ومحاولاته توضيح أن الفنان والمثقف صاحب الموقف لا يجب عليه أن يعيش بين الحطام مرتدياً الأسمال، درويش تم تخوينُهُ مراتٍ عديدةً، مرةً بسبب الخروج إلى مدينة بعيدة علَّهُ يستعيد بعض التوازن، وربما لأنه بدا أنيقاً ونظيفاً، يعيش في فندق شيبرد ثم في جاردن سيتي، رغم إن قصائده إلى اليوم تثير حماسة العرب وتذكِّرُهم بالمقاومة، ورغم إخلاصه الشديد للشعر والوطن والأرض.

 

يقول درويش: “مدينٌ في تطوّري وتحولاتي الشعرية لخروجي، فخرجتُ إلى أفق أوسع، وإلى تجربة أغنى، فهي تجربة الواقع المعقد الغني بالتناقضات والمفارقات والروح العشبية التي لم تُعبر عن نفسها”.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى