تقارير

المربي والأديب الشاعر خليل السكاكيني.. فلسطين أولاً

في قصة واقعية معبّرة، حكى لي الكاتب الموسوعي حسين لوباني (صاحب موسوعة حضارة فلسطين)، كيف كان إبان أحداث النكبة يحمل كيس الكتان الذي يضم كتب الصف الرابع، وكتب ذلك في كتابه (رحلة العذاب)، وكيف بقي معه الكيس أثناء المسير الكبير واقتلاعهم من قريتهم “الدامون”، وكيف أنه في لحظة رعب مفاجئة وهروب من البطش الصهيوني تركه معلقاً على غصن شجرة في أحراش سخنين.

غير أنه حكى للبروفيسور الفلسطيني الأمريكي جون حلقة، الذي تحدث في محاضرة له في القدس (موجودة على صفحته في الفيسبوك) أن الغصة بقيت في نفس اللوباني بسبب فقدانه كيس كتب الصف الرابع، التي كتبها خليل السكاكيني.

في هذه المحاضرة، تأثر الحضور لهذه القصة، وكان الصديق فادي عاصلة موجوداً (مدير مشروع خزائن)، فتبرع أن يرسل للوباني مع البروفسور قمحة مجموعة كتب السكاكيني للصف الرابع التي اقتناها في أرشيفه. وتبرعت إحدى الفنانات الموجودات أن تطرز له كيساً من الكتان يشبه أكياس الطلاب في تلك الفترة.

يندر أن تجد أحداً من جيل النكبة ممن درسوا في فلسطين لم يسمع بالسكاكيني، وقد سمعت أبي أكثر من مرة يقول أبياتاً من الشعر القديم، ويذكر لي أن كتب التعليم التي درسوا فيها كانت تركز على هذا الشعر، ولا سيما شعر المتنبي. فكيف إذا عرفنا أن السكاكيني (كما ذكرنا في مقالة إسعاف النشاشيبي الأسبوع الماضي) كان مولعاً بالمتنبي، حتى أنه ذيّل كتاباته بكنية المتنبي: “أبو الطيب”.

ولعل أكثر من وثق يوميات فلسطين كان السكاكيني (السابق زمناً) وأكرم زعيتر (الأوسع والأدق مضموناً). وكتابة اليوميات كانت عادة دارجة في تلك الفترة لدى مئات وربما آلاف المتعلمين قبل النكبة. غير أن يوميات السكاكيني تم طبع ثمانية أجزاء منها حتى الآن (مؤسسة الدراسات الفلسطينية).

فمن هو هذا العملاق؟

قبل بدء الحديث عن السكاكيني، أنصح بقراءة مقالتي السابقة (إسعاف النشاشيبي)، نظراً لتقاطُع قسم مهم من الملاحظات التي لا يتسع المجال لتكرارها.

 

                                        خليل السكاكيني

ولد خليل قسطندي السكاكيني عام 1878، وتوفي عام 1953، ونشأ بينهما أطيباً وكاتباً ومربياً وشاعراً فلسطينياً كبيراً. وهو يعدُّ أحد أكبر الروَّاد في التربية الحديثة في فلسطين والعالم العربي في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، برعَ في اللغة العربية وأبدى اهتماماً كبيراً بها، حتى أصبح عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة.

تلقَّى تعليمه الابتدائي في مدرسة الروم الأرثوذكسية في القدس، ثمَّ في مدرسة الجمعية الإنجليزية التبشيرية، وبعد سنوات قضاها في مدرسة صهيون البروتستانتية أو مدرسة غوبات الإنجليزية أيضًا، انتقل إلى كلية الشباب أو الكلية الإنجليزية، ودرس فيها على يد نخلة زريق (راجع مقالنا عنه).

مارس التعليم في القدس، وانتسب إلى عدة جمعيات وشارك في تأسيس بعضها، ونشط على المستوى الوطني، وواجه الكنيسة اليونانية الأورثوذكسية رافضاً سيطرتها على المسيحيين العرب، مطالباً بالشفافية في عملها العقاري. حتى أصدرت الكنيسة قراراً بطرده من الكنيسة.

ووصل به الأمر، إلى دعوة مسيحيي الشرق لاعتناق الإسلام حفاظاً على قوميتهم ومنعاً لتحقيق أهداف الإكليروس الأجنبي بعملية تغريبهم عن عروبتهم وسلخهم عن مجتمعهم.

تولى إدارة التعليم في عدة مدارس، حتى أصبح في إدارة المعارف في القدس، وكان له أثر واضح في التطوير التربوي لكنه قدم استقالته عند تعيين الصهيوني هربرت صمويل مفوضاً سامياً. استقال السكاكيني من عمله في دار المعلمين وسافر مرة أخرى إلى القاهرة عام 1920م وعمل في المدرسة العبيدية التابعة للجمعية الأرثوذكسية السورية مديراً للقسم العربي فيها.

لم يقتصر عمله الأدبي على الكتابة أو الإدارة التعليمية، فهو شارك بتأسيس أكثر من رابطة أدبية في فلسطين. ابتنى له منزلاً في القدس أسماه الجزيرة، وسمى غرفه بأسماء عواصم عربية كبغداد والقاهرة ودمشق. وأصبح منزله ملتقى المفكرين والأدباء والشعراء.

في عام 1936 عمل في دار الإذاعة الفلسطينية التي كانت تابعة لسلطات الانتداب وافتتحت في السنة نفسها في القدس، ولكنَّه لم يستمر طويلاً فقد سمع مذيعاً يهودياً يقول خلال حديثه باللغة العربية: هنا أرض إسرائيل.

في عام 1938 أحيلَ إلى التقاعد وكان عمره آنذاك 60 سنة، فأنشأ كلية النهضة في القدس، وفي عام 1939 توفيت زوجته، وبقي مشرف الكلية حتى عام 1948م ووقوع النكبة الفلسطينية.

بقي في القدس حتى النكبة وسقوط منزله في القطمون، فلجأ مرةً أخرى إلى القاهرة، وفي شهر أيار (مايو) عام 1953 توفي ابنه ووحيده سري إثر إصابته بمرض عضال، وبعد ثلاثة أشهر فقط فارق السكاكيني الحياة عن عمر يناهز 75 عاماً ودفن في القاهرة في مقبرة مار جرجس الأرثوذكسية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى