عناوين ريسيةمسرح

“المهاجران”.. عرضٌ مسرحي في غزّة يفتح جرح الغُربةِ وجدواها

مسرحية “المهاجران”، هي مسرحية مأخوذة عن نص للكاتب البولندي سلافومير ميروجيك سنة 1974، وهي من إخراج الفنان الفلسطيني الكبير نعيم نصر الذي عمل على مسرحتها وأعدّ النصّ بشكلٍ متينٍ للغاية وقدّمه كوجبةٍ دسمة بالآلام والخوف من تجربة الاغتراب أو التغريب، من لعنة الاشتياق في الغربة لمن؟ للزوجة، والابن، والأم، والأب، ولربما للجار الذي كان رأس ماله في الحياة أن يُلقي علينا (صباحُ الخير) دون مقابل كل صباح، نحن الجمهور الذين جلسنا لقرابة السّاعة أمام خشبة مسرح الهلال بمدينة غزّة، شاهدنا وشاركنا “المهاجران” مرارة التيه في بلادٍ غريبةٍ ليست بلادنا، ولعلّنا نبحث الآن عن أجوبةٍ لأسئلةٍ أصبحت مصيريّة بعد هذا العرض، وقد نُدرك أو لا نُدرك ماذا فعلت بنا أنظمةُ القهر في بلادنا العربيّة.

القمع ليس مصدره النظام السياسي بالضرورة، أو الحاكم بأمره في البلاد فقط، فهذا من طبائع الأمور في جغرافيتنا العربيّة على ما يبدو، أو في أي مكانٍ آخر من هذه الدنيا، لكنّ أيضًا هناك قمعَ المثقّف للامثقّف من وجهة نظر الأوّل، وقمع القوي للضعيف، والغني للفقير، أشكالٌ متعدّدة والنتيجة واحدة: قهرُ الإنسان.

مسرحية “المهاجران” كانت من إنتاج فرقة “مسرح للجميع” بدعمٍ من مسرح “آز” في بريطانيا ومن صديق الفرقة الداعم ل فلسطين طوال الوقت الفنان والكاتب المسرحي جوناثان تشاذويك، وكانت من تمثيل الفنان حسام المدهون والفنان جمال الرزي، وكان الفنان رامي السالمي مسؤولاً عن الإضاءة والجانب التقني، وتصميم الرقصات لوحيد أبو شحمة، والديكور لإسماعيل دحلان.

في المسرحية نرى شخصيتين متباينتين من حيث الثقافة والعمل، لكنّهما فقط يلتقيان في الضياع ويعيشان في غرفة واحدة أشبه بـ”القبو”، مكانٍ غير واضح المعالم سوى “مواسير المجاري” التي تمثّل سقف هذه الغرفة، وبعض الكراسي الخشبيّة وأدوات المطبخ البسيطة ومكتب خشبي يتوسّط خشبة المسرح، وكل عناصر الفقر وتقشّف الحياة بانت جليًا طوال العرض الذي لم يخلُ من بعض الضحِكات والرقصات خفيفة الإيقاع، حيث يبدأ الرجلان بالحديث عن ليلة رأس السنة في هذا البلد الأوروبي وتخيّل مشهد من يعيشون بالأعلى في هذه الليلة من رقصٍ وشُربٍ للنبيذ والكثير من الراحة والسعادة، ومن ثم يبدآن التفتيش في دواخلهما برفقة كأسين من النبيذ ويتأملان كمّ الخراب الذي يعيشان فيه.

يقول المخرج نعيم نصر لـ”بوابة الهدف الإخباريّة” التي حضرت العرض، إنّ “المسرحية من المفترض أن تكون أحداثها في بولندا، والكاتب هو من الذين عاصروا فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فرسم الكاتب مسرحيته بناءً على واقع بلاده وقام العديد من الكتاب بترجمتها وتحويلها إلى أفلام ومسرحيات وأسقطوا هذه الأحداث على بلادهم، ونحن قررنا ألّا نسقطها على الوضع في بلادنا لأنّ هذا الوضع موجود في كل العالم اليوم”.

يُتابع نصر: “المسرحية تختصر بشكلٍ بسيط ما تفعله الغُربة في المُهاجر، ولدينا الشخصيّة الأولى لمثقفٍ هاجر من بلاده قسرًا وهرب لأنّه مُلاحق من النظام، أمّا الشخصيّة الثانية فهي لرجل أمّي بسيط وفقير ذهب للغُربة ليعمل ويبني بيته الذي يحلم به حينما يعود إلى وطنه”.

وحول الصراع الموجود في النص، لفت نصر إلى أنّ “هذا الاختلاف الكبير بين الشريحتين أو اختلاف التكوين لدى الشخصيتين (المثقّف، البسيط)، بالرغم من ذلك نرى في النص أنّ المثقّف يسقط فشله وفشل الطبقات المثقّفة على الآخرين محاولاً التبرير لنفسه، بل يصل إلى حد الوقاحة حينما يُسقط فشله على الطبقة المسكينة ويحمّلها نتيجة ما آلت إليه الأمور وأنّهم السبب في هذا الحال لأنّهم لم يثوروا على الحاكم ويغيّروا الوضع القائم!”.

الفنان حسام المدهون الذي كان يمثّل طبقة الفقراء قدّم أداءً استثنائيًا خلال العرض، بل خلال محاولته فهم طلاسم وادّعاءات رفيقه في الغربة الذي يعتبر نفسه أحد أبناء طبقة “الهاي كلاس”، يُشير لـ”بوابة الهدف”، إلى أنّ “نص المسرحية نابع من ظروفٍ كانت فيها مساحة الحريّات محدودة للغاية، والكاتب البولندي عاش بنفسه تجربة الهجرة وتغرّب إلى المكسيك ومن ثم استقر في فرنسا، وكان قلقه وهمّه الأكبر هو تحكّم الأنظمة بجميع أنواعها في الإنسان العادي البسيط الذي يُتاجَر بقضيته ومعاناته وآلامه، وحاول الكاتب التأكيد على أنّ الهجرة ليست الحل الأمثل، بل يجب البحث عن حلول أخرى من خلال الثورات والتحدي وخلق واقع اقتصادي مختلف لتغيير الوضع القائم وليس البحث عن الحلول البسيطة والهروب للهجرة في الجولة الأولى من التحدّي”.

وشدّد المدهون على أنّ “الهجرة شيء قاتل، أنت في الغربة إنسانٌ غريب ليس لديك أي فرصة ويتم التعامل معك على أنّك مواطن درجة ثانية أو ثالثة إلخ…، وللأسف اليوم هناك حوالي 30 ألف شاب فقط من غزّة هاجروا إلى بلجيكا وهم الآن في الشوارع والملاجئ وغالبيتهم لا يعلمون ما هو مصيرهم إلى الآن، ولكنّ الواضح والأكيد أن أعمارهم تذهب منهم يومًا بعد يوم”.

وأكَّد المدهون على أنّ “مسرحية المهاجران كانت بمثابة صرخة ونداء للشباب بأنّ يفكّروا مرتين قبل الهجرة، لأنّنا قادرون على خلق واقع جديد في غزّة التي تحتوينا وتحتضننا، لكن الغُربة والهجرة لن تجلب لنا الحلول السحريّة”، متمنيًا ألّا يكون هذا العرض يتيمًا وأن تشعر المؤسّسات بالمسؤوليّة الاجتماعية وتقدّم دعمها لتنفيذ جولة عروض لهذه المسرحيّة الهامّة.

سيلٌ من الدموع، كانت هذه خاتمة العرض المسرحي، فقد نسي المُهاجر الفقير كل شيء ولعله ما تذكّر سوى أطفاله وتفاصيل بيته البسيط في وطنه، أخذ يبكي ويبكي على وقع كلماتٍ سردها رفيقه عن الحرية والعدالة والعيش الكريم، وأُسدل الستار وفصولٌ أخرى من المعاناة لم تروى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى