بأقلامكم

“النكبة” مساراً ومآلا.. ودور الصهاينة العرب فيها

*أحمد حسن

يوم 9 آيار/مايو عام 1948، تصدّر الصفحة الرئيسية لصحيفة “المصري” المصرية عنوان: “حكومات العرب تخصّص قواتها ومواردها لدحر الصهيونيين بمجرد إنهاء الإنتداب البريطاني في فلسطين”، وبعد ذلك بستة أيام فقط أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، وأعلنت “إسرائيل” إقامة دولتها، التي اعترفت بها فوراً وخلال دقائق معدودة، كلاً من القوتين العظميين حينها، الإتحاد السوفياتي وأمريكا، وأعلن العرب هزيمتهم وولوجهم نفق نكبتهم الممتدة حتى اليوم.

وبالطبع، نحن نعرف اليوم أنّ هذه “الحكومات” لم تخصّص، حينها، شيئاً ولم تدحر أحدا، بل كانت فقط تقوم “بما عليها” كغطاءٍ مطلوب لدورها في عملية بيع فلسطين، ومنحها لـ”اليهود المساكين” كما قال “كبيرهم”، لكنّنا نعرف اليوم أيضاً أنّ هذه الحكومات ذاتها لم تعد تحفل هذه الأيام حتى بهذا الغطاء، فقد انتقلت من السر إلى العلن إلى المباهاة الفاجرة بعلاقاتها مع الحليف “الإسرائيلي”، وبالطبع سيكون الإعلام، وهو صوت مالكه، خاليا، بمعظمه، حتى ولو على سبيل الدعاية الكاذبة، من عناوين على مثال عنوان صحيفة “المصري” في ذلك اليوم الغابر.

ومنذ تلك اللحظة الواقعة في منتصف أيار/مايو 1948، بل ربما قبلها، بدأ “الصهاينة العرب”، إلتزاماً بأوامر سادتهم، الإنتقال إلى مرحلة جديدة في خدمة الفكرة الصهيونية، أي من مجرد المساهمة في تثبيت نتائج النكبة عبر مشاركتهم المباشَرة والعملية في نفي الفلسطيني من المكان/الجغرافيا، إلى المساهمة في نفيه من التاريخ/الذاكرة بحيث لا يكون له حقّ الوجود الحالي في أرضه، تارةً بإسم “الواقعية السياسية” ومضار مقاومة المشروع الصهيوني “التي لم نحصد من ورائها سوى المآسي” والتي “منعتنا من عيش الحياة التي نحبها”، وتارةً أخرى بخزعبلاتٍ “فكرية” تحاول إثبات أنّ الفلسطيني لم يكن موجوداً من قبل في تاريخ بلاده، كما تنطّح بعض “المفكّرين الجدد” من عرب الرِدّة الوطنية والأخلاقية، الذين يواصلون عملية زرع “إسرائيل” في الوعي الجمعي العربي كحليف ضروري للعرب المعتدلين والحضاريين في مواجهة المتطرفين.

والحقّ أنّهم نجحوا في ذلك لدرجة أنّ أحداً لا يكاد يستهجن المشاركة العربية الفاجرة في احتفالات “قيام دولة إسرائيل” السنوية بعد أن ربط هؤلاء مصيرهم نهائياً بها، مُقدّمين لها الدعم العلني في مواجهة من يعتدي عليها، بل انتقلوا، كما تباهى كاتب عربي، “باتّجاه نقل التفاهمات العامة مع “إسرائيل” إلى واقع تحالفي تفصيلي يسعى إلى بناء هندسة استراتيجية إقليمية يتكامل فيها الأمن الأمني والأمن الغذائي وأمن الإقتصاد والطاقة”، وصولاً إلى الخشوع أمام قبر بن غوريون مؤخرا، وتلك نكبة العرب الكبرى.

إنّ النكبة الفلسطينية لم تبدأ عام 1948، وإنّما قبل ذلك بكثير، ويمكن تتبُّع إرهاصاتها رجوعاً إلى عام 1799 حين نشر نابليون بونابرت، خلال حملته على العالم العربي، بياناً يدعو فيه إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين

وبالتأكيد، فإنّ الأمر لا يقتصر على العرب أو حكوماتهم فقط، بل إنّ بعض الفلسطينيين، وبعض منظماتهم، سواء بإغراء مالي -بترودولار تحديدا- أو خضوعاً لمترتبات “الوعي الشقي” الناجم عن الفكر التكفيري السائد، وجّهوا حقدهم وبنادقهم نحو “العدو القريب” على ما زُيّن لهم، وهو الشريك في الوطن، وقُتلوا على أبواب قضايا زائفة لا تنفعهم بشيء بقدر ما تُبعدهم عن القضية الحقيقية.

أما لمَ ذلك كله، ولمَ يتوحّد الجميع في خدمة هذا الكيان، فذلك لسبب بسيط وواضح لمن يريد أن يقرأ: “إسرائيل” في حقيقتها ليست أكثر من صفحة من التاريخ الإستعماري العالمي، ونسخته الأمريكية الإمبريالية السائدة حاليا، مثلها في ذلك مثل أنظمة الصهاينة العرب، وبالتالي هما معا، أشقاء بالولادة والمسار والمصير.

بعض من “الطريق” إلى النكبة

بيد أنّ النكبة الفلسطينية لم تبدأ عام 1948، وإنّما قبل ذلك بكثير، ويمكن تتبُّع إرهاصاتها رجوعاً إلى عام 1799 حين نشر نابليون بونابرت، خلال حملته على العالم العربي، بياناً يدعو فيه إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين تحت حماية فرنسية بهدف تعزيز الوجود الفرنسي في المنطقة، لكن أيضا، وكما تبيّن من مسار الأحداث اللاحقة، بهدف إيجاد “حلّ” للمسألة اليهودية التي كانت تقضّ مضجع أوروبا المسيحية بكاملها منذ قرون عدة.

“لأنّ فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأنّ فلسطين تّشكّل بالواقع نقطة الإرتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنّها المركز الإستراتيجي للسيطرة على العالم”.

فشلُ “نابليون” حينها لم يعنِ موت الفكرة، فإيجاد “الحلّ” كان أمراً ملحّاً للغاية، لذلك كان قدر “الشعلة” أن تنتقل منذ ذلك التاريخ من يد إلى يد حتى وصلت إلى يد تيودور هرتزل الذي دفعته “قضية دريفوس” في فرنسا، وما رافقها ورآه خلالها من مشكلة يهودية حقيقة في الوعي الشعبي الأوروبي، إلى نقل الفكرة من صفحات كتاب بعنوان “الدولة اليهودية” أصدره عام 1896، وفيه حدّد للمرة الأولى فلسطين كمكان للدولة، إلى مؤتمر جامع لصهاينة العالم إحتضنته مدينة بازل السويسرية عام 1897، و”حضره 204 مندوب يهودي، 117 منهم مثّلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاءوا من روسيا وحدها، كما حضره مندوبون من الأمريكيتين الشمالية والجنوبية والدول الإسكندينافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر، وتفرّع عنه لجنة تنفيذية تكوّنت من 15 عضواً كانت بمثابة مجلس شورى وأخرى صغرى تكونت من خمسة أعضاء بمثابة حكومة، وتمّ تأسيس مكتبة مالية لجمع الإشتراكات الصهيونية الإستعمارية برأسمال بلغ مليوني جنيه إسترليني، ووضع المؤتمر برنامجاً سارت عليه جميع المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك، كما ناقش تقارير مفصَّلة حول أوضاع الجاليات اليهودية في العالم ومحاضر أخرى مفصَّلة عن فلسطين والنشاط الإستيطاني فيها ونصّب المؤتمر تيودور هرتزل رئيساً له ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية” (1).

وكان ذلك نجاح هرتزل الكبير.

دور أوروبا الإستعمارية

وفي ما أعلن هرتزل في افتتاح المؤتمر “أنّ الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلد اليهود”، وحسم “برنامج بازل”، الذي نتج عنه، فلسطين كمكان لموقع دولتهم المزمع إنشاؤها، بعد أن استُبعدت أماكن أخرى مثل الأرجنتين وأوغندا وقبرص وحتى سيناء، كان هدف رعاة المؤتمر الحقيقيين -وهم قادة أوروبا الإستعمارية حينها- من اختيار فلسطين، كما عبّر عنه، لاحقاً ناحوم جولدمان بقوله: “لأنّ فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأنّ فلسطين تّشكّل بالواقع نقطة الإرتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنّها المركز الإستراتيجي للسيطرة على العالم”.

إثر ذلك، وفي ما كان العرب ينامون، مطمئنين، على حرير البلاغة اللفظية لرسائل السير فينسنت آرثر هنري مكماهون للشريف حسين ووعوده بدولة عربية مستقلة تحت حكم “الشريف” وسلالته، كان أفراد لجان مؤتمر بازل يضعون مقررات مؤتمرهم قيد التنفيذ، سواء في تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشراء الأراضي فيها -وكان هناك من هو جاهز للبيع، والوثائق الدولية هنا لا توفّر بيكاوات وباشاوات ورجال دين وأحزاب- أو مع كل من يمكنه مساعدتهم لتحقيق أهدافهم من الدول الكبرى، وبعد أن جرّب هرتزل حظه مع السلطنة العثمانية وفشل، بدأ خلفاؤه بجسّ نبض فرنسا وألمانيا وصولاً إلى بريطانيا التي سعى هرتزل منذ البداية للحصول على موافقتها في لقاءاته مع وزير المستعمرات جوزيف تشمبرلين، الأمر الذي واصله خلفاؤه من بعده وخاصة حاييم وايزمان، ونجم عنه -دون أن نغفل دور الدافع الإستعماري البريطاني- سيطرة بريطانيا على فلسطين وفق إتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916 والتي كرّسها رسمياً مؤتمر “سان ريمو” عام 1920.

وكان “وعد بلفور” هو التتويج “العقدي” لذلك كله والنتيجة الطبيعية له أيضا، والوعد هو، كما يعرف الجميع: “رسالة من وزير الخارجية البريطاني أرثر بلفور في 2 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1917، إلى المصرفي البريطاني، وأحد زعماء اليهود في بريطانيا، البارون “روتشيلد” منحت اليهود وطناً في فلسطين”، مع إضافة “التأكيد على عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للشعوب غير اليهودية الموجودة في فلسطين”، ولكنّ تلك الإضافة كانت مجرد ذرٍّ للرماد في العيون.

وبدأت عجلة الأحداث بالدوران، فلم تترك الدولة المنتدِبة درباً إلا سلكته لتهيئة الأرض لذلك عبر تسهيل الهجرة اليهودية وتسليح العصابات الصهيونية والقضاء على كل صوت فلسطيني رافض لذلك، وكانت النتيجة إندلاع ثورة فلسطينية عارمة “بين عامي 1936 و1939 بدأت بإضراب عام في يافا مطالِبة بإنهاء الإنتداب البريطاني ورفضاً لتوافد اليهود على فلسطين”، لكنّ سلطة الإنتداب البريطاني واجهتها بالعنف والأحكام العرفية و”قتلت أكثر من 5 آلاف فلسطيني”، ثم أصدرت عام 1939 ما يُعرف “بالورقة البيضاء” التي “تتعهّد بإنشاء وطن قومي لليهود داخل دولة فلسطينية مستقلة خلال 10 سنوات تكون محكومة بالإشتراك بين الفلسطينيين واليهود”.

إنّ حكومات العرب التي “خصّصت قواتها ومواردها لدحر الصهيونيين بمجرد إنهاء الإنتداب البريطاني في فلسطين” كانت هي تحديداً من خذل فلسطين

ونقل يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947 المأساة خطوة أخرى حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يوصي بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى فلسطينية، الأمر الذي رفضه العرب فورا، لكنه وُضع موضع التنفيذ في 15 آيار/مايو عام 1948.

وما حدث بعد ذلك يعرفه الجميع، حكومات العرب التي “خصّصت قواتها ومواردها لدحر الصهيونيين بمجرد إنهاء الإنتداب البريطاني في فلسطين” كانت هي تحديداً من خذل فلسطين، سواء بالأسلحة الفاسدة، أم بجيوش الـ”ماكو أوامر”، أم بالجيوش التي يقودها البريطاني “غلوب باشا” بتوجّهاته المعروفة، والتي وقفت عند حد معين من أراضي فلسطين ليتضح أنّ ذلك حصل وفق إتفاقات سابقة مع الصهاينة لتقسيم البلد، أم بالأنظمة التي لم تشارك إلا شكلياً في ما هي لا تمانع بمنح فلسطين لـ”اليهود المساكين”، تاركين الشرفاء وحدهم، من الفلسطينيين وبقية الدول العربية يدفعون ثمن خيانتهم وتخاذلهم.

أسباب نجاح المشروع الصهيوني

وبالطبع يمكن الحديث عن أسباب عدة لنجاح المشروع لكنّ أهمها كان: “الوضوح والدقة في الهدف والإصرار وواقعية الآليات المستخدمة لتنفيذه”، ودعم كل ذلك بالتحالف “مع القوة المتحكمة في صناعة القرار الدولي”، سواء كانت بريطانيا العظمى حينها، أو الولايات المتحدة الأمريكية في ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى الآن لمساعدتهم في البناء على عوامل قوتهم والعمل على زيادتها، والرهان على عوامل ضعف العرب والعمل على تعميقها، وفتح جبهات جانبية وبينية لهم -معارك حروب داحس والغبراء المعاصرة- واستخدام القوة ضدهم بأبشع صورها -المجازر المتنقلة- والسيطرة الكاملة على الإعلام المهيمن لزرع “الوعي الشقي” في عقولهم كي يتحقّق لهم النصر النفسي قبل الميداني، وهذا ما حدث.

إنّ الأجيال الجديدة التي وُلدت بعد “النكبة” بكثير، لم تفقد بوصلتها الحقيقية، وهي رغم كل شيء تعرف أنّه صراع وجود لا حدود..

بيد أنّ ذلك كله يتغير الآن، فـ”الهندي الأحمر” الفلسطيني يرفض، يوميا، مصيره المرسوم، وهو يجترح، مع مطلع كل شمس، بلحمه الحيّ معجزة من معجزات الصمود، وربما أهم ما نلاحظه هذه الأيام أنّ الأجيال الجديدة التي وُلدت بعد “النكبة” بكثير، لم تفقد بوصلتها الحقيقية، وهي رغم كل شيء تعرف أنّه صراع وجود لا حدود، وذلك، وإن كان غير كاف لوحده، إلا أنّ التمسّك به هو من مقدمات النصر وإرهاصاته المُبشِّرة.

خلاصة القول

“النكبة” ليست يوماً للذكرى، فحتى هذا الترف سرقه القاتل، وشركاؤه الصهاينة العرب.. منا، بعد أن جعلوه يوماً للإحتفال بـ”قيام الدولة”، لكنّ “الذئاب المنفردة” وجيل فلسطين الجديد لهم قول آخر، وهم يعلنونه بدمائهم الزكية كل يوم.

*كاتب سوري

(1) هذا الهامش وسواه من المعلومات التاريخية مستقاة من وثائق مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومواقع على الشبكة العنكبوتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى