بأقلامكم

برامج المواهب بين الترفيه والتطبيع.. الاحتلال يصادر الفرح الفلسطينيي

*وسام عبد الله

تتنافس الشاشات العربية على تقديم برامج مخصّصة للمواهب، بهدفٍ معلن هو دعمهم وتعريف العالم العربي بقدراتهم، فتصل مختلف الجنسيات للمشاركة، وهي برامج نسخة طبق الأصل عن أساسها الأجنبي، فماذا لو قرّرت إحدى القنوات الإعلامية تنفيذ برنامج مخصّص للمواهب الفلسطينية، بنفس الجودة والإمكانيات، وليس مجرد “رفع عتب”؟.

 الهدف.. ليس الموهبة

المنبت الأساسي لبرامج المواهب هي المجتمعات الغربية، أي التي تتانسب مع قيمها وسلوكها وثقافتها، وهي جزء من العملية الديمقراطية في حياتهم السياسية، فأن تضع مجموعة من المرشحين، وتطلب من الجمهور أن يعطيَ “صوته” لاختيار موهبته المفضلة، هو استمرار لتلك العملية. حين اتجهت وسائل إعلام في دول عربية وغير عربية، إلى تقديم هذا النوع من البرامج، عمل بعض المتابعين في مراكز الدراسات الدولية على قراءة كيف انعكس إعطاء حقّ الإختيار في بلاد معظمها أبعد ما يكون عن العملية الديمقراطية، بحسب مفهومهم. وهنا ندرك أنّ كل برنامج، وإن كان ضمن تصنيف الترفيه، فهو يمتلك في أحد أهدافه بعداً سياسياً وإجتماعيا.

عملت وسائل الإعلام على إعطاء البرامج الترفيهية المساحة الأكبر في جدول برامجها، على حساب الأخرى، التي أصبح حضورها بسيطاً وشكليا، وضمن ترداد مقولة “هذه رغبة الجمهور”. فشكّلت جزءاً من سياسية الدول وليس رغبة شخصية لمالكي المحطات، واتخذت للترويج وإعطاء صورة نمطية معينة، يُراد منها في الغالب، تغطية إرتكابات في مكان آخر، أي ضمن سياسة الإلهاء وتوجيه الشعوب نحو الإهتمام بمواضيع شكلية، وحتى ليست ترفيهية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وتصل الأمور للربط بين فلسطين و”الفرح”، فإن كنتَ مؤيداً للقضية الفلسطينية، أنظر كيف يعاني هذا الشعب من أوضاع إقتصادية صعبة وكيف يعيش الفلسطينيون في بيوت مهترئة، أما الخيار الثاني، فهو الفرح والسعادة بعيداً عن الحروب، هم لا يقولون ذلك صراحة، إنّما يكفي متابعة تعليقات من الشارع العربي حين يكون الحديث عن فلسطين، تصبح ردة الفعل تحت عنوان “الملل” من الشعارات!.

الظلم بتصنيف الفلسطيني تحت هذه الحالة، يكفي متابعة صفحات الجمعيات والمدارس والناشطين في فلسطين والمخيّمات، المليئة بالموسيقى والرقصات التراثية والأغاني التي تبدأ من الشعبي وتصل إلى أسلوب “الراب”، حتى تدرك أن تنميط الفلسطيني ليس صدفة.

برنامج فلسطيني للهواة

إنطلاقاً وتأسيساً من فكرة أنّ البرامج الترفيهية لها بعدها السياسي، هل يحقّ للشعب الفلسطيني ببعض الترفيه، على خلفية الصراع والأزمات المتراكمة؟!.

على مستوى الشعوب العربية، يتمّ العمل على خلق فجوة بينهم وبين القضية الفلسطينية، وحصرها ضمن جزئية واحدة، تتمثّل أن لا دور لكم ولا صوت، والأمر هو محض صراع فلسطيني – “إسرائيلي”، ليتّسعَ الشرخ مع عملية التطبيع الثقافية، من خلال الإعلام والفن.

يمكن بناء جدار الفصل العنصري ومحاصرة اللاجئ داخل المخيّمات، لكنّ من الصعب سجن نوتة موسيقية ولوحة فنية وقصيدة شعر، هي فنون تَعبُر فوق الجراح

إنّ إعطاء الحقّ للعربي بالمشاركة مع الفلسطيني في اختيار موهبة، لن يحرّر القدس، حكما، لكنّه سيعيد التواصل مع الإنسان الفلسطيني مباشرة وليس فقط عن طريق السلطة والفصائل أو المحاضرات والندوات. تقريب الشعوب أكثر من المجتمع الفلسطيني، إن كان بالداخل أو في الشتات، يؤمّن مساحة للتذكير مجدداً بقدرة الفلسطيني على الصمود والتي أحد ركائزها البنيوية، حب الحياة والإبداع، فهو الشعب المقاتل وفي ذات الوقت الفنان.

للفنّ دوره في بناء الجسور والتقارب بين الشعوب، فيمكن بناء جدار الفصل العنصري ومحاصرة اللاجئ داخل المخيّمات، لكنّ من الصعب سجن نوتة موسيقية ولوحة فنية وقصيدة شعر، هي فنون تَعبُر فوق الجراح، على الرغم من أنّ الحالة الإقتصادية وسوء الأحوال قد تُبطئ من انتشارها ولكن لا تعدمها. خروج المواهب، من اللاجئين والداخل الفلسطيني، هي عملية مقاومة فعلية يدرك الاحتلال أهميتها ويعمل على محاربتها وكبتها، لو وضعنا أمامنا مشهد متسابقين فلسطينيين من مخيّم اليرموك السوري ومخيّم شاتيلا اللبناني وبيت لحم في الضفة الغربية، هل سيتغاضى العدو عن الأمر ويعتبرها مجرد مسابقة فنية؟.

هل سنشهد برنامجاً للهواة يجمع بين الفلسطينيين في الداخل المحتل وفي الشتات، وهل ستكون بهدف دعم الشعب الفلسطيني أم سيتمّ من خلاله تمرير رسائل التطبيع وتلميع الصورة؟!

لن يفعل. يكفي مراقبة إعلام الاحتلال كيف يحاول سرقة الفوز في بعض المنافسات التي يحقّقها فلسطيني ليتمّ تجييرها لصالحه من مبدأ أنّه “الدولة” التي خرجت منها تلك المواهب، وليس على قاعدة الإستيلاء على إنجازات الفلسطيني وهذه المرة من باب الفنون والثقافة، وهذه للعدو عادة وتاريخ طويل ليس أوّله سرقة التراث الفلسطيني والمطبخ الفلسطيني.. إلا فنّ الحياة عند الشعب الفلسطيني لا يُسلب ولا يُقلّد ولا يخضع للاحتلال!.

هل سنشهد برنامجاً للهواة يجمع بين الفلسطينيين في الداخل المحتل وفي الشتات، وهل سيكون بهدف دعم الشعب الفلسطيني أم سيتمّ من خلاله تمرير رسائل التطبيع وتلميع الصورة؟. كل الإحتمالات واردة، يبقى أنّ الفلسطيني، مع البرامج الترفيهية أو بدونها، يُظهر مع كل إشراقة شمس، امتلاكه إمكانيات، مثل أي إنسان، لكنّها تأخذ بعداً مقاوماً لشعب يتنفّس الظلم كما الهواء.

*كاتب لبناني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى