تقاريرعناوين ريسية

بربرة… كرم العنب البرّاق وأرض المقاومة

يأخذنا هذا المقال إلى قرية جميلة من قرى قضاء غزة. عُرِفت القرية بعنبها الممتاز جودة، وأيضًا بعدد من الأشغال الحرفية، أبرزها حياكة النسيج متأثرين بجارتها بلدة مجدل عسقلان.

الاسم والمعنى

“بربرة” كلمة آرامية تعني “بدوي”. فمن المحتمل أنْ تكون قبائل بدوية مغاربية المنبت قد استوطنت المنطقة في عصور سابقة، والتصق اسمها بها.(١) عِلمًا أنّ هناك قرية تحمل الاسم ذاته على الساحل الصومالي.

الموقع وأهميته

تقع هذه القرية الى الجنوب من المجدل (مجدل عسقلان)، وعلى الطريق بينها وبين غزة التي تبعد عنها حوالي 17 كلم. أي أنّها تقع إلى الشمال الشرقي لمدينة غزة. وهي على الجانب الغربي لطريق وخط سكة حديد رفح – حيفا، بين غزة والمجدل.(٢) وترتفع بربرة حوالي 50 مترًا عن سطح البحر المتوسط. وتحيط بها أراضي القرى التالية: بربر وسمسم وبيت جرجا وهربيا والخصاص ونعليا والجيّة وبيت طيما وحليقات.

الأراضي والزراعة فيها

تبلغ مساحة أراضيها 13978 دونما. خصص الأهالي منها 132 دونمًا لزراعة الحمضيات وخاصّة البرتقال. تنتشر فيها بعض الآبار ذات عمق يتراوح بين 35 -40 مترًا. والقرية مشهورة بجودة العنب الذي كان يورّد إلى اسواق المدن الفلسطينية، وخاصة يافا وغزة. وآهتم الأهالي بزراعة أنواع أخرى من الفاكهة مثل اللوز والمشمش والتين، وأيضًا الزيتون. كما أنّهم زرعوا الحبوب والبقول والبطيخ والخضار.

ما بين الحِرَف والتقاليد الاجتماعية

وكانت نساء القرية ينتجن البسط التي عرفت عندهم باسم “مزاوِد” ومفردها “مِزوّده”.(٣) وقد نقل أهالي بربرة صناعة الغزل والنسيج عن أهالي المجدل، ما قوّى أواصر الصداقة والنسب بين عائلات القريتين وبخاصة بين عائلتي حبرون وصالحة. كما تشتهر نساء القرية بصناعة الكوانين من الطين وتزويقها بالألوان المختلفة ، وتستعمل هذه الكوانين بعد ملئها بأوراق الشجر والزهور فى زفة العريس، وتحمل هذه الكوانين على رؤوس النساء ويرقصن بها أمام العريس فى أثناء زفته فى شوارع القرية وميدانها كان ينادى فى الأسواق الفلسطينية ( بربراوي يا عنب).

القرية في أرقام

كانت القرية بموجب الاحصاء العثماني من العام 1596م تابعة لناحية غزة ويسكنها 402 نسمة.(٤)

بلغ عدد سكانها بموجب احصاء العام 1922م حوالي 1369 نسمة. وارتفع في العام 1931 إلى 1546 نسمة. موزعين على 318 منزل. ليصبح في العام 1945 قرابة 2410 نسمة. وارتفع العدد في العام 1948 ليصل إلى  2796 نسمة. موزّعين على 575 منزل. وتعود بعض العائلات بأصولها إلى المصريين، وأخرى إلى الصليبيين.(٥)

التعليم

أنشئت في القرية مدرسة ابتدائية في العام 1921م. وصارت مدرسة ابتدائية كاملة في العام الدراسي 1947/1948 حيث بلغ عدد طلابها 252 طالبًا يعلمهم خمسة معلمين. كانت القرية تدفع رواتب ثلاثة منهم، أمّا الاثنان الآخران فمن وزارة المعارف الانتدابية.(٦)  بدأت المدرسة بغرفة في جامع القرية، إلاّ أنّها اصبحت تحوي ثلاثة غرف في العام 1945 ثمّ أُضيفت إليها غرفتان في العام الأخير قبل النكبة.(٧)

الأوقاف

أمّا بالنسبة لأوقاف القرية فهذا وصف لها:” جميع الأراضي الخاصّة بالقرية، نصفها وقفٌ على الحرمين الشريفين بمكة المكرّمة والمدينة المنورة، والنصف الآخر وقف على زاوية “الشيخ يوسف” وهى جامع القرية، ثم ألحق بها مقدارها من الأراضي الأميرية.

وقد جاء في وثيقة شرعية قديمة محفوظة بمستودع دفاتر وأوراق الأوقاف بالقدس الشريف مؤرخة في أواخر جمادى الأول سنة 984هـ، ذكر فيها أنّ الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ زين العابدين المتولي على وقف زاوية الشيخ ” يوسف البربراوى ” بموجب البراءة الشريفة ” الخداونكارية” المخلدة بيده من مدة تزيد على عشر سنوات سابقة على تاريخه، وّأن الموقوف على الزاوية المذكورة نصف قرية بربرة، والنصف الثاني جارى في وقف الحرمين الشريفين “بمكة المكرّمة والمدينة المنورة” ومقطوع على القرية المذكورة لجهة الوقفين المذكورين في كل سنة خمسة عشر ألف درهم عثماني بموجب الدفتر الخاقانى، وأنّ القرية المذكورة خرّبت سابقاً من قلّـة الأمطار والغلال ومن الجراد مدّة سنة بعد سنة، ورحل أهل القرية المذكورة، وأخلوا مساكنهم وجلوا عن أوطانهم وتفرقوا في البلاد، وسكنوا بنواحي مصر والشام وساحل عكا ونابلس وغيرها، وتعذّر أخذ المال المقطوع عليهم لجهة الوقفين المذكورين، واستمر ذلك أياماً كثيرة وأنّ المتولي جدّ واجتهد في عمارة القرية المذكورة، أعاد أهلها إليها. وتحصـيل المال المقطوع عليها وزيادة، ويشهـد بذلك الوثيقة الشرعية المبـرزة من يده المؤرخة في 18 مـن شهر ربيع الأول سنة 980هـ، وأنّه متصـرف في وظيفـة التوليـة المذكورة بموجب البراءة المرقومة، وبعد التفتيش الشافي والتمحيص الكافي، أبقيت التولية بيد الشيخ شهاب الدين أحمد المذكور إبقائه شرعياً بموجب البراءة الشريفة ومنع من يعارضه تحريراً في 16 صفر سنة 985هـ. ثم تولى على هذا الوقف غير واحد من أهل القدس، ثم ضبط مع الأوقاف العمومية، واستبدل ذلك المقطوع بالعشر مع دفع الضريبة الأميرية بعد أن كان يؤخذ منها ربع النواتج، وصارت الحكومة تضمن جميع أراضى القرية الموقوف منها وهو نحو النصف على حدة، والأميرية على حدة بحضور مأمور الأوقاف، وهى تحصل مال العشر وبدل الالتزام وتحاسب الأوقاف على ما يخص هذا الوقف، وقد تقدمت القرية المذكورة وتحسنت وارداتها وصار بها دور وكروم كثيرة، واشتهر عنبها بالجودة وصار يسوق منها لبلاد أخرى”..
عائلات القرية

ومن عائلات القرية: عدوان “نشوان”، عايش، صالحة، ابو نحل “الأشقر”، نصّار، سعد الدين، أبو سليمة، ابو ضباع، ابو عبادي، أحمد، علي، قاسم، الصادي، صالح، حمّاد….(٨)

احتلال القرية وسقوطها وترحيل سكانها

وحول المعارك التي جرت بين العرب واليهود في بربرة وضواحيها، ومن ثمّ سقوطها بيد الاحتلال الاسرائيلي يكتب الخالدي واصفًا ذلك بما يلي:” كانت بربرة شهدت اشتباكات منذ الأسابيع الأولى من الحرب. ففي النصف الأول من كانون الثاني 1948 أطلق أشخاص من باص يهودي كان يمر بالقرية النار على سكانها من دون أن تقع أيّة ضحايا وعند الساعة السابعة من صباح 12 كانون الثاني، بحسب ما جاء في تقرير أوردته صحيفة(فلسطين) أطلقت النار على القرية وكسر الزجاج في المدرسة (الخالية). وحدث هجوم آخر في نيسان 1948 ورد ذكره في أحد تقارير القائد السوداني للقوات العربية غير النظامية في منطقة غزة طارق الإفريقي، فعندما كان سكان القرية يعملون في حقولهم في 10 نيسان تعرضوا لنيران أطلقها عليهم سكان مستعمرة يهودية مجاورة فجرح أحدهم وقد رد المدافعون عن القرية على النار فدارت معركة استمرت ساعتين. ولم تذكر التقارير سقوط ضحايا بين سكان القرية الذين قالوا إنّهم شاهدوا أفراد القوات اليهودية يحملون قتلاهم وجرحاهم خلال انسحابهم.

خلال الهدنة الثانية في الحرب وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة تهدف إلى ربط القوات الإسرائيلية في النقب بالقوات المتمركزة إلى الشمال منها، في المنطقة الواقعة جنوبي الرملة. وكانت هذه العملية تدعى في البدء عملية الضربات العشر، لكن سُميت لاحقًا بعملية “يوآف” وقد سقطت بربرة خلال هذه العملية.

ومن أجل الشروع في عملية يوآف حشد الجيش الإسرائيلي ألوية غفعاتي وههنيغف (النقب) ويفتاح في المنطقة الداخلية التي كانت سقطت في يده إلى الشرق من الشاطئ القطاع الساحلي حتى إسدود شمالاً. وما أنْ انتهت الهدنة الثانية في 15 تشرين الأول، حتى تحرّشت القوات الإسرائيلية بالقوات المصرية لتجعلها تُطلق النار على قافلة تموين إسرائيلية، ومن ثمّ قامت بقصف مدفعي عنيف وبغارات جوية. وكتب المؤرخ الإسرائيلي بني موريس يقول إنّ الجيش الإسرائيلي استخدم، بغية (تليين) القرى قبل احتلالها، المدفعية على نطاق أوسع كثيرًا من أيّ هجوم سابق بالإضافة إلى غارات جوية بالقاذفات والقاذفات المقاتلة.

في 15 تشرين الأول، أوردت وكالة “يونايتد برس إنترناشول” خبرًا، بالإضافة إلى غزة والمجدل وقد أطلقت الطائرات النار على بربرة وقصفتها في اليوم ذاته. ومع نهاية العملية، تمكّنت القوات الإسرائيلية من الانتصار على القوات المصرية على الجبهة الجنوبية واحتلت معظم قرى قضاء غزة. في ذلك الوقت كان النشاط العسكري الإسرائيلي قد (أدخل اليأس إلى نفوس السكان) بحسب ما قال ضابط استخبارات إسرائيلية آنئذ. وقد ترك القصف المدفعي والقصف الجوي أثراهما في نفوس السكان في منطقة لم تكن مستعدة نفسياً ولم تكن فيها أيّ ملاجئ ضد الغارات الجوية.

وسقطت بربرة عند نهاية هذه العملية في 4-5 تشرين الثاني 1948 بعد سقوط المجدل بقليل. أما السكان فقد طردوا منها، أو فروا تحت وطأة نيران الحرب”(٩). وتشتت أهالي بربرة كغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني، لكن معظمهم في قطاع غزة. وأقيمت على أراضي بربرة المستعمرات التالية: مفكيعيم، تلمي يافي وغيئا. واستعملت مساحات من أراضيها مكبات للنفايات.

بالرغم من التهجير

وأسس مهجرو القرية في غزة جمعية لهم بعنوان:”جمعية بربرة الخيرية”، وتمّ تسجيلها رسميًّا في 5 تشرين الثاني من العام 1998. وهي جمعية ثقافية اجتماعية تراثية ثقافية تنموية، يلتفّ من حولها أهالي القرية كبارًا وصغارًا. وتهدف إلى إرساء وتعزيز العلاقة بين المهجرين اللاجئين من أهالي القرية وقريتهم.(١٠)

من مشاهيرها

وعُرف من أبناء هذه القرية الشهيد المناضل كمال عدوان أحد مؤسسي حركة فتح الفلسطينية، والذي اغتالته اسرائيل في عملية “الفردان” ببيروت في 1973 مع رفيقيه الشهيدين محمد يوسف النجار وكمال ناصر.

المعالم الدينية

  1. مسجد القرية: وهو قديم. ويقع في الجزء الغربي من القرية. كتب على جداره:”بسم الله الرحمن الرحيم إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. جدد هذا المسجد الشريف في أيام سلطنة مولانا السلطان الأعظم والخاقان الأكرم المنصف بين العباد مولانا السلطان مراد خان(١١)، أدام الله سلطانه، العبد الفقير المعترف بالعجز واليه شهاب الدين أحمد بن المرحوم الشيخ زين العابدين متولي وقف المسجد تقبل الله منه عمله سنة 985″(هجرية) (١٢). أمّا أرض الجامع فلم تكن مبلطة وهي ممدودة بالاسمنت، إلاّ أنّه متآكل وآثار الدلف ظاهرة في أركانه بسبب تشقق سطحه، وفقًا لتقرير مأمور الأوقاف من العام 1945.(١٣)
  2. مقام الشيخ يوسف البربراوي:(١٤) وهو عبارة عن ضريح في صحن الجامع في غرفة بباب له. وصاحبه ملقب بـ “أبي المحاسن”. وهو من تلاميذ العالم السيد أحمد بن داود أحد المتصوفة في منطقة القدس، المتوفى سنة 1323م (١٥).
  3. مقبرة أولى: (١٦) كائنة في أرض اسمها عجوج القبلي، قطعة رقم 1275 قسيمة رقم 63. مساحتها 7458 م²، وهي وقف اسلامي.
  4. مقبرة ثانية: كائنة في أرض اسمها الجندبات، قطعة رقم 1276 قسيمة رقم 33. مساحتها 50م.

الهوامش

١-  الدباغ. بلادنا فلسطين.ج1 ق2، ص 254. عراف. القرية العربية الفلسطينية. ص 240.
٢-  شراب. معجم بلدان فلسطين. ص 148.
٣-  الدباغ. المصدر السابق. ص 254. شراب. معجم بلدان فلسطين. ص 148.
٤-  لبيب طه. المدن والقرى الفلسطينية المدمرة. ص 165.
٥-  الدباغ. المصدر السابق. ص 255.
٦-  الدباغ. المصدر السابق. ص 256.
٧-  عن موقع فلسطين في الذاكرة على النحو التالي: http://www.palestineremembered.com/Gaza/Barbara/Story2598.html
٨-  عن موقع فلسطين في الذاكرة على النحو التالي: http://www.palestineremembered.com/Gaza/Barbara/Story20320.html وعن موقع هوية على النحو التالي: http://www.howiyya.com/Portal/CityFamilies.aspx?Id=122
٩-  الخالدي. كي لا ننسى. ص 510 وص 511.
١٠-   يمكن تصفح صفحة الفيسبوك الخاصة بالجمعية: https://www.facebook.com/pages/%D8%AC%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D8%A8%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9/394181557298071
١١-  هو السلطان مراد الثالث بن السلطان سليم الثاني، وهو السلطان الواحد والعشرون من سلاطين آل عثمان. تولى السلطنة بين 981 – 1003 هـ الموافق 1574 – 1596 م.
١٢-  الدباغ. المصدر السابق. ص 255.
١٣-  أرشيف مؤسسة إحياء التراث والبحوث الاسلامية في القدس، ملف رقم 20/44،4/45/12.
١٤-  أرشيف مؤسسة إحياء التراث والبحوث الاسلامبة في القدس، الملف أعلاه.
١٥-  الدباغ. المصدر السابق. ص 255. لبيب طه. المدن والقرى الفلسطينية المدمرة. ص 165. عراف. طبقات الأنبياء والأولياء… الجزء الأول، ص 23.
١٦-  أرشيف مؤسسة إحياء التراث والبحوث الاسلامية في القدس، ملف رقم 10/59،1/47/12.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى