تراث

بلاطة بلعمة

عثر على هذه البلاطة الصغيرة في نفق بلعمة، الواقع في خربة بلعمة على أبواب مدينة جنين، في منتصف التسعينات، ضمن مواد تعود إلى الألف الأولى قبل الميلاد. ويبلغ طول نفق بلعمه 400 م تقريبا. وقد بني ليربط عين الماء بمدينة بلعمة القديمة في أوقات الحصار.
البلاطة شديدة الأهمية. فهي تصوغ في الواقع أسطورة المنطقة بكاملها ببساطة ووضوح وتفصيل لا مثيل له. ويمكن بالتالي استخدامها كمفتاح لحل ألغاز أساطير المنطقة.
فإلى يميننا في الحفر ثمة نجمتان. ونحن نفترض أنه كانت هناك نجمة ثالثة، لكنها اختفت مع الكسر الواضح أسفلهما. النجوم الثلاثة تمثل، في اعتقادنا، نجوم حزام الجوزاء (الجبار): النطاق، النيلام، المنطقة.
وقد نظر إلى هذا الحزام في الديانات القديمة على أنه ميزان كوني. وما زال الناس في فلسطين يسمونه (الميزان) حتى الآن. نجمة النطاق يمثل الكون في شببه الفيضي الصيفي. في حين تمثل المنطقة الكون في شيخوخته وفي قراراه الشتوي وير الفيضي. أما النيلام فنجمة الإلهة الأنثى، التي تمثل الاعتدالين الربيعي والخريفي. وهذا الثالوث يعادل الثالوث المكي: اللات، العزى، مناة.
أما الرجل في الحفر فيبدو أنه يمثل برج الجوزاء، الذي تسميه العرب (الجبار) ويسمى في التقليد اليوناني- الروماني أوريون. وتتدلى من يده ثلاثة أشياء هي: عنقود عنب، دائرة، وسنبلة. وهذه الأشياء رموز لفعاليات نجوم حزاء الجوزاء الثلاثة في وسط برج الجوزاء. فنجمة النطاق التي تمثل الصيف الفيضي الخمري الدفاق تتمثل هنا بعنقود عنب. أما السنبلة، أي القمح، فتمثل نجمة المنطقة، أي الشتاء البارد الجاف كحبة القمح. في حين أن الدائرة تمثل نقطة الاعتدال بين الطرفين. إنها الدائرة التي يلتقيان فيها. وهي تمثل الإلهة الأنثى.
إلى يميننا، أسفل النجمتين، بقايا رأس طائر. وإلى اليسار حمار. الطائر أيضا يمثل الصيف العالي النغمة الفياض. وهو مثل طائر المُكّاء الخمري العربي. والحمار يمثل الشتاء البطيء غير المتدفق، حمار العزير، وحمار بلعام، وحمار أوزيريس غير الفيضي. بالتالي، فالطائر والحمار يمثلان الكون- الإله في صيفه وشتائه. وتدور رواية (الحمار الذهبي) للوكيوس أبوليوس حول الحمار والطائر. ذلك أن كل الرواية بنيت على حادثة واحدة جرى فيها تحويل بطل الرواية إلى حمار بدل طائر: “كنت غاضبا جدا على فوتيس التي أرادت أن تجعلني طائرا، فحولتني إلى حمار”. والرواية تعرض ديانة إيزيس وأوزيريس على أكمل وجه.
وهناك في الأعلى ثلاثة أشكال هندسية تشير إلى الثالوث ذاته. بالتالي، فلدينا ثلاثة ثواليث في النقش: ثالوث العني والدائرة والقمح في يد الرجل، ثالوث النجوم الثلاثة، وثالوث الأشكال الهندسية. وكلها تصور نجوما ثلاثة هي ميزان الكون. وحين نزيح النصر الأوسط من الثالوث يتبقى لدينا الطائر والحمار، وهما يمثلان الإله الذكر بوجهيه الفيضي واللافيضي، الصيفي والشتوي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى