ثوب فلسطين..قصيدة من رواية “الأمواج البرّية” لابراهيم نصرالله

هذه القصيدة من رواية “الأمواج البرّية” وتدور حول مشهد على الجسر بين إمرأة فلسطينية وجندي صهيوني”
كانت تتنقَّلُ نظرتُها ما بين سكونِ النهرِ وبين اليابسةِ
وكان الجسرُ الخشبيُّ هنالكَ لا يُوصِل أحدًا!
كان الجسرُ يدًا تضمُرُ
والأرضُ على بُعْدِ ذراعٍ تَنأى
والمرأةُ كانتْ تتنقّلُ ما بين الضفّةِ والضفةِ حزنًا
لكن خيوطًا من عُرسٍ سوفَ يجيءُ تُعَرِّشُ في عينيها
وأشار الجنديُّ إليها
كانت تَزهو بالثوبِ
امرأةٌ في الستين وأجملُ من أزهار الدّنيا
يانعةٌ كالعشبِ على سطحِ البيتِ الأولِ
هادئةٌ كالسّاحلِ، كالنّصرْ
– يا امرأةً، أنتِ!
أشار الجندي إليها
والعالمُ يزحفُ كي يتفيّأَ في رِدْنَيْها
صرخ الجنديُ كأنَّ حمامَ الثوب الهادئ باغتَ رشاشًا في يده
فانتفضَ هنالك مذعورًا
– يا امرأةً!
كانت تتأمَّلُ
من أَبْصَرَها بالثّوب القرويِّ هنالكَ واثقةً بالزيتونِ،
وبالشمسِ الجالسةِ على أطراف “أريحا”
من أبصرها في تلكَ اللحظةِ كالحقلِ وكالمهرةِ
أو موجةِ قمحٍ طائرةٍ
رفع الكفِّين إلى اللهْ.. تمنّى أن تُصبحَ أُمَّهْ!
كانتْ خمسةُ آلافِ سنةْ
من سيرةِ أمواج البحرِ هنالكَ فيها مُلتَمَّةْ
وانتفض حمامُ الثوب الهادئ ثانيةً
فارتجفَ الجنديُ القابع في الكاكي المبتلِّ بدمِّ صغيرٍ من بيروتْ
وتقدّمَ يتعثرُ
– يا امرأةً.. هذا الثوب لنا!
وأشار إليها
فانتفضتْ أزهارُ الّلوزِ
وحوَّم في الأفق حمامٌ وانقضَّ على المدفع في يدهِ
وابتسمتْ أمُّ محمد
فارتجف الجنديُّ .. تقدَّمَ أخرُ
فانتفضتْ مثل حمامِ الثوبِ
أحاطوها بالأسلاكِ
فالتفتتْ باسمةً قالتْ:
قبل تَفَجُّر عينِ النهرِ وقبل تكوُّنِ أول غيمٍ
كان الزَّهرُ أليفًا في هذا الأرض
ولم يتسلَّحْ بعدُ بهذي الأشواكِ
خاطتْ أُمي هذا الثوبَ
وخلق الله الغاباتِ الأمواجَ وأطلقَ ضوءَ الأفلاكِ
هذا الثوبُ لنا من قبل هبوبِ الريحِ
وبعد هبوبِ الدباباتِ
يا جندي،
هذا ثوبُ فلسطينَ
وثوبُكَ هذا الدَّمُ النّاشفُ في الكاكي
#الأمواج_البرِّية 1988
#إبراهيم_نصرالله

Exit mobile version