بأقلامكم

حق العودة.. حق عربي وإسلامي وقومي

فضيل حلمي عبد الله
تعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين واحدة من أهم القضايا ذات الصلة المباشرة بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي، بل إنها تشكل جوهر القضية الفلسطينية لارتباطها الوثيق بموضوع حق العودة والأرض والتوازن الديمغرافي. ومازالت تعتبر القضية الأكثر حساسية وتعقيداً في عملية السلام التي لم تتمّ حتى الآن، إضافة إلى قضايا القدس- والمياه- المستوطنات- والسيادة وذلك بسبب التعنت الصهيوني على لسان قيادته الإرهابية والتي لا تعترف بمسؤولياتها اتجاه الشعب الفلسطيني ورفضها كل الاتفاقيات المذلة التي وقعتها الحكومات الصهيونية السابقة، كما رفضها للقرارات الدولية التي تخص اللاجئين في المقدمة منها القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 كانون الأول من عام 1948. حيث شهد هذا العام أبشع الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المدعومة من القوى الاستعمارية والتي تتحمل المسؤولية التاريخية عن قيام دولة الكيان الصهيوني المصطنع واقتلاع الشعب الفلسطيني من أكثر من (531) مدينة وقرية توارثها جيلاً بعد جيل، حيث بعد هذه النكبة تحولوا إلى لاجئين يتجرعون مرارة الغربة، والحرمان من حقوقهم التاريخية والطبيعية والإنسانية، وما زالوا ينتظرون العودة، وما زال الكيان الصهيوني يحول دون عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها قسراً، ضارباً بعرض الحائط كل القرارات والقوانين الدولية وشرائع حقوق الإنسان التي تنصّ على حق كل مواطن فلسطيني بالعودة إلى مدينته وقريته وبيته وممتلكاته، واستمرت حالة اللجوء حتى وصل عدد اللاجئين إلى ستة ملايين يشكلون أكبر كتلة لاجئين في العالم. وقد رفض اللاجئون نتائج النكبة التي فرضت عليهم وأصروا على التمسك بحقوقهم والدفاع عنها وعلى حقهم في العودة إلى فلسطين. وفي المقابل فإن الممارسات العدوانية العنصرية الاستيطانية، والعمل العدواني الإرهابي الذي قام به الكيان الصهيوني من احتلال وارتكاب المجازر والقتل والترهيب والتنكيل والاعتقال وسياسة الإبعاد ضد الأرض والإنسان الفلسطيني, والعربي السوري في الجولان الحبيب المحتل، منذ قيامه حتى عدوانه الغاشم على قطاع غزة وممارساته العدوانية المستمرة على الضفة والقطاع حتى هذه اللحظة.
وهذا إن أكد فهو يؤكد على أن الصراع مع هذا الكيان هو صراع لا ينتهي إلا بالمقاومة، وأن هزيمة المشروع الصهيوني العنصري المحتل تقتضي حشد كل طاقات الشعب الفلسطيني والعودة إلى الحوار من أجل إنجاز الوحدة على أساس برنامج وطني واحد موحد مقاوم.
إن تراجع العمل الوطني المقاوم عن هدفه، قد شكل خطأ استراتيجياً كبيراً في فهم طبيعة المشروع الصهيوني، والقفز فوق حقائق الواقع والتاريخ، الأمر الذي انعكس سلباً على مجمل النضال والقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، فكانت الإنجازات المحققة غير متناسبة مع التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني، ولذلك أصبح من الضروري التفكير في استراتيجية وآليات عمل وخطوات تحويل من برنامج تفاوضي غير مجدٍ إلى برنامج عمل ملموس داخل وخارج فلسطين وتحشيد كافة الإمكانيات والجهود العربية والدولية من أجل توحيد كل الطاقات السياسية في نضالها لنيل حقوق الشعب الفلسطيني وإحقاق الحقوق العربية وعلى رأسها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم التي طردوا منها قسراً بقوة السلاح على يد قوات الاحتلال الصهيوني, وإرجاع الجولان إلى الأم سورية.
إن هزيمة المشروع الصهيوني العنصري الاحتلالي تقتضي العودة إلى برنامج المقاومة، حيث ازداد الكيان الصهيوني شراسة في ظل هيمنة سياسة القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ونشوء ظاهرة العولمة التي نشهد تزايد توحشها يوماً بعد يوم من خلال الحروب والتدخل الأجنبي السافر في حياة الشعوب ونهب خيارات وطنها، كما حصل في العراق, وأفغانستان, والصومال والسودان, وسورية, واليمن, وليبيا, ودول أخرى. وفي مواجهة هذا المشروع تشكلت حركات التحرر الوطني العربية والعالمية والمنظمات والهيئات الدولية والقانونية في كل أنحاء العالم تحت عناوين عديدة أهمها: العدوان والاحتلال والحروب والعنصرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وخلاصها من هذه القوة المحتلة لأراضيها، ومواجهة العولمة المتوحشة والسياسات الليبرالية الجديدة، وقد نالت القضية الفلسطينية تأييداً كبيراً من هذه الحركات والمنظمات والهيئات، وتحول الشعب الفلسطيني إلى رمز للتحرر من كل أشكال الظلم والاستبداد والهيمنة والتبعية والاستغلال، إضافة إلى كونه رمزاً للتخلص من الاحتلال والعنصرية الصهيونية. وقد بادر اللاجئون الفلسطينيون إلى تشكيل العديد من الهيئات واللجان للدفاع عن حق العودة، وسرعان ما أنشئت هذه الهيئات واللجان وتحولت إلى بادرة إيجابية كونها من حركة اللاجئين، غطت كافة أماكن تواجدهم وتمكنت هذه الحركة من تحويل خطابها إلى خطاب شعبي استطاع استقطاب الشارع الفلسطيني، وأن يعيد الحراك والنشاط للحياة السياسية ويضغط من أجل تفعيل المؤسسات الفلسطينية المعطلة والمشلولة في الشتات الفلسطيني لتساهم بشكل كبير في تعزيز وتطوير العلاقة بين ساحة النضال الفلسطيني داخل وخارج فلسطين.
وبالنظر إلى ما سبق وإلى الأوضاع الفلسطينية والعربية والدولية الراهنة، فعلى الجانبين في حركة حماس أو في حركة فتح الدعوة اليوم إلى إعادة اللحمة من خلال الحوار وتفويت الفرصة على العدو الصهيوني وإعادة التفكير بصياغة أسس ومبادئ وأهداف المشروع الوطني الفلسطيني والمدعوم دولياً وعربياً، وعلى رأسهم الجمهورية الإسلامية في إيران، وسورية قلعة الصمود العربي وقلب الأمة النابض بالعطاء، الداعم الأول لحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق اللاجئين في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس.. بحيث تبني إستراتيجية المشروع الوطني الفلسطيني المقاوم على أساس مشاركة كافة تجمعات ومكونات وطاقات الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من وحدة الهوية والانتماء الوطني وتعزيز العمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية ديمقراطية ائتلافية كإطار جامع لكل القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية، ونسج أوسع التحالفات مع جميع القوى الحية المؤيدة للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها سورية وإيران وفنزويلا وقوى الممانعة.
إن شعار حق العودة بمفهومه القومي يضرب المشروع الصهيوني في أهم مكوناته الاحتلالية التوسعية العدوانية في منطقتنا العربية، ولذلك فإن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم ليس فقط المسمار الأخير الذي سيدق في نعش المشروع الصهيوني بل هو أساس من الأسس التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية.. كما أن الصراع العربي الصهيوني إنما هو صراع وجود وليس صراع حدود وهو مستمر لا توقفه اتفاقات أو معاهدات مثل اتفاقية أوسلو, أو طابا, ووادي عربة التي جزأت القضية الفلسطينية وكان الالتفاف على حق العودة، وإن الدعوة لإقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين لا يلغي حق العودة ولا ينتهي هذا الصراع إلا بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهذا يعني تفكيك المشروع الصهيوني المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والامبريالية العالمية والرجعية العربية.
إن نجاح المشروع الصهيوني والذي يستهدف المنطقة العربية برمتها إنما يمرّ عبر شطب حق العودة أو الالتفاف عليه، وهذا ما يعطي حق العودة عمقه العربي والقومي والإسلامي ويجعله لا يتقاطع مع طموحات الشعوب العربية والقوى الحية والمناضلة والمؤيدة لنصرة قضية فلسطين وفي مقدمتها حق العودة. ومن المعروف والواضح بأن طبيعة الكيان الصهيوني العنصرية تعطي لقضية اللاجئين بعدها السياسي والإنساني والقانوني وتجعله يلتقي مع هذا الحق الشرعي بكل أبعاده ويلقى الدعم والتأييد والتضامن من كل الدول والمنظمات والهيئات الدولية وحقوقه القانونية والإنسانية في العالم، وبالتالي ينبغي القول إن موقف القوى الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني وخاصة قوى الممانعة ومعها كل القوى والمؤسسات والأحزاب العربية, والأممية هو مقياس لنزاهة وعدالة هذه القضية وديمقراطية وإنسانية هذه القوى والمنظمات والأحزاب، كما أن فكرة حل الصراع العربي الصهيوني كما يتم الحديث الآن عنه من قبل الجانب الصهيوني وعلى أساس دولتين لشعبين (واحدة يهودية وأخرى فلسطينية) تتناقض مع حق العودة أي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها قسراً على يد قوات الاحتلال الصهيوني في عام 1948، بل هي خطوة نحو شطب هذا الحق وتكريس بقاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، أي مزروعاً في قلب المنطقة العربية ومنسجماً معها مما يعطيه الحق في إعادة رسم الخارطة السياسية الجغرافية وتجزئة المجزأ على أسس عرقية واثنية وبما يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة العربية بكاملها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى