قصة

“حليب الضحى” لمحمود شقير والثّقة بالغَد الآتي

العمل الإبداعي الجديد لمحمود شقير “حليب الضحى” (مكتبة كل شيء حيفا 2021) يتشكّل من “متواليات حكائيّة” تأخذ قارئها في رحلة تَجَلٍّ على مَدار عشرات السنين، يتنقّلُ من البريّة إلى القدس وشوارعها وزقاقاتها وإلى أريحا ويافا وبحرها مُرافقا الشخصيّات التي يُتابع سيرتها، يفرحُ إذا فرحتْ ويحزنُ إذا حزنتْ.

هذه المتواليات تُنبّه القارئ وتُعيده إلى ثلاثيّة محمود شقير المَلحميّة “فرس العائلة 2013 ومديح لنساء العائلة 2015 وظلال العائلة 2017” التي تروي سيرة أبناء قبيلته “العبد اللات” التي كانت تعيش حياة البداوة في البرية أيام حكم الدولة العثمانيّة وبداية حكم الإنكليز ثم انتقلت لتسكن منطقة رأس النّبع قرب مدينة القدس لتشهد وتُعاني من حكم وظلم المحتلّ الإنكليزي ثم الحكم الأردني بعد عام النكبة 1948 ومن ثم المحتَلّ الأقسى والأشرس الإسرائيلي في حزيران 1967.

 

تَعدُّد الرّواة

كما في العديد من إبداعاته القصصيّة أو الروائيّة، أيضا في “حليب الضحى” يستحضر العديد من الشخصيّات لتروي بنفسها حكايتها، وتستحضر ماضيها وحاضرها، وتستعيد ذكرى مَن عَبروا وكانوا. وكل شخصيّة تُعرّف نفسها قبل أن تبدأ كلامها “اسمي قيس منان من حيّ رأس النّبْع …(ص10)”و “اسمي ليلى محمد حسن القانع ولدت في القدس والأصل من يافا (ص21) و “أنا محمد الكبير والدي منّان شيخ عشيرة العبد اللات وأمي فاطمة”. (ص30) و “أنا محمد الأصغر بن منّان العبد اللات المقيم في حي راس النبع المقدسي، سناء هي زوجتي” (ص69) و “اسمي سناء. محمد الأصغر هو زوجي الثاني.” (ص75) وأحيانا يستحضر الشخصيّة الواحدة أكثر من مرّة، أو يقطع الحوار بين شخصيّتين لينتقل لاستحضار حوار آخر، ثم يعود للسابق.

لكنّ اللافت لانتباه القارئ أنّه لا يجد أيّ تَغيّر أو تفاوت في لغة الواحد عن الثاني فالانسيابيّة والشاعريّة والموسيقيّة والنّعومة واحدة حتى ليظنّ أنّه يستمع أو يقرأ للشخصيّة نفسها تحت أسماء مختلفة وكأنّها في غيبوبة سَرمديّة تستحضر شخصيّات تُحاورها تُهدهدُها ثم تُطلق يدَها لتأتي بغيرها لا تختلف عنها.

 

جماليّة النصّ

يحرص الكاتب على الحَدَث القصصي في كلّ متوالية، وتوفير التّكثيف في اللغة، وإدهاش القارئ بالنّهاية التي لم يتوقّعها. ولا يغفل الكاتب محمود شقير عن دور الكلمة وقيمتها وأثرها في المُتلقّي، فتكون بعض متوالياته شُعلةَ لهيب تفضح عملَ المُحتل وتدفع لتَحدّيه ومقاومته وتراجعه وقَهْره “جاءتني رصاصة في الخاصرة، ورصاصتان في الصدر، قريبا من القلب. تجندلتُ فوق أرض بلادي، ثم في لحظة خاطفة، شاهدتُ دمي وهو يتدفّق نحوهم، وقبل أنْ يغرقوا بدَمي أغمضتُ عينيّ”(ص187)

وتكون أخرى صورا شعريّة تأخذ قارئها إلى عوالم سحرية وتُدخله في مشاهد سَرمديّة جميلة “حبال الغسيل، تُصغي لهمس الفساتين وهي تتذمّر من الضّجر والرّياح تلوب في المكان بهدوء حذر، ثم فجأة تطلق النّداء العاصف، والفساتين لا تقوى على مغادرة المكان لألف سبب وسبب”(ص45)

وتكاد حوارات ليلى وقيس تكون همسات شعرية مُوَقّعة بهدوء مُنساب ولغة هامسة “قالت في لحظة نزق: تُرْبتي عطشى والمطر لا يجيء، والثّديان بلا حليب وقلبي حزين. طوّقتُ خصرَها وبدت مثل نخلة وقلتُ: من ماء قلبي تشربين”ص197) و “قلت: أذهب من أجلك إلى آخر الدنيا. قالت: اذهب، وستجدني في انتظارك هناك.”(ص208)

 

متواليات تختصر ثلاثيّة عائلة

متواليات “حليب الضحى” قصص حبّ وعشق متواصلة ومتوارثة تختصر ثلاثيّة محمود شقير “فرس العائلة ومديح لنساء العائلة وظلال العائلة” منذ الجَدّ البعيد حتى الوالد القريب “مَنّان” الذي أحبّ المرأة وشغلته فتزوّج العديدات، وظلّ إذا أثارته إحداهن، حتى وهو مع زوجته، يبدو عليه ذلك، كما حدث له مع فرحة في أريحا “أمّي كانت تبتهج حين أكون في حضن فرحة. وكانت تتوجّس من عيني أبي وهو يتأمّل المشهد الحميم كما لو أنّه يغار منّي أو كما لو أنّه يُضمر في قلبه رغبة ما.”(ص107).

وقصص محمد الكبير بن منّان عديدة، فقد تمرّد على قيود القبيلة ورحل إلى يافا وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث عمل هناك وتعرّف على العديد من الفتيات اليهوديّات والعربيّات.

ولم يختلف محمد الأصغر بن منّان عن والده وأخيه فقد أحبّ الكثيرات ولكنّه عشق سناء التي تركت زوجَها الأوّل بعد ثلاث سنوات لأنّها لا تُنجب، وتزوّجت من محمد رغم معارضة أهله، وظل يحبّها ويخلص لها رغم بعض النّزوات العابرة.

وكان عليوان الذي ترك القبيلة لأنّه رفض أن يكون رقما لا قيمة له في القبيلة ورحل إلى القدس حيث تعرّف على زهيّة بائعة ورق الدوالي أحبّها وتزوّجها.

وقصّة زواج نفيسة من قيس عبد اللات ابن العائلة، وطلاقها منه لأنّه لا يُنجب وهي تحبّ أن تكون أمّا. فتزوّجت من رشيد الشاب الوطني الذي عمل في بناء البيوت لأهل بلده فقط حتى قتله جندُ الاحتلال على الحاجز.

وكانت قصّة العشق الكبير بين قيس عبد اللات سائق تاكسي الأجرة  وليلى مُدَرّسة اللغة العربية وابنة الحسَب والنّسَب والغِنى بعد مدّة من طلاقه من نفيسة حيث التقى بها صدفة عندما أقلّها في سيارته لبيتها.

قصص الحبّ المكثّفة هذه تُثير خيال المتلقي وتُعَيّشه في حالة عشق سَرمديّة، وتدفعه رغما عنه ليعود إلى البحث عن التفاصيل والجزئيّات مدفوعا بالرّغبة الملتهبة إلى قصص عشق محمد الكبير في “فرس العائلة” وقصص محمد الأصغر  ومنان في “مديح لنساء العائلة” وقصص قيس وليلى في “ظلال العائلة”. حتى نجد بعض القصص والتعابير تتكرر مثل في قصّة “شَعر” ص 163 “قلت لها: ناوليني مقص القماش يا ليلى لأنّني ألمح شعرة بيني وبينك. قالت: اطمئنْ يا قيس ولا تخفْ، شَعْر الدنيا كلّه لا يمكنه أن يفصل بيننا.” كقصة “شَعرة” في مجموعة “سقوف الرغبة” ص 8 “قلت لها: لو كان بيني وبينك شعرة لقطعتها في الحال. لأنني لا أحتمل أيّة مسافة بيننا. قالت: لو كان بيني وبينك شعرة لطرحتُ السّؤال تلو السّؤال عن تدخّل الشّعرة في حبّنا. وقالت: كنتُ أعلنتُ عليها حربا شعواء، وليقُلْ عنّي الناس: مجنونة، وليقولوا: حمقاء.” وتتكرّر الفكرة نفسها في ص 98 في قصّة مقص: قلت لها: ناوليني مقصّ القماش. سألتني وهي تُحكِمُ قبضتَها على الفستان الخفيف: لماذا أناوله لك؟ قلتُ: كي أقصّ الضّباب الكثيف بيننا. قالت: ما تراه هو بياض الفستان. ثمّ، لكي تُريحني، خلعت الفستان.” ومثل “نظرت ليلى إليّ بعينيها الباقية. ابتسمت وقالت: نتبنى طفلة”. ص 7 وفي ظلال العائلة ص 328.

كما أن بعض الغموض الذي يعتري القارئ ورغبة المعرفة تدفعه ليعرف تفاصيل الحَدَث مثل موقف تعرّض ليلى لاعتداء مَهووس عليها وضَرْبَها على عينها بآلة مَعدنيّة كادت تُفقدها بصرها (ص15) حيث تترك القارئ يعتقد أنّ المُعتدي مُستوطن قذر من قطعان الاحتلال. ولكن بالعودة إلى التّفصيل في رواية “ظلال العائلة” نجد أنّ المعتدي مهووس عربيّ مُتديّن يُلاحق ليلى ويريدها أنْ تحتشم في لباسها وتعتمر الحجاب. “مشت ليلى -كما أخبرتني في ما بعد – في السّوق التي تأخذها إلى المدرسة. رأته مُقبِلا نحوها مثل سحابة من غبار، شَعْر ذقنه مشعّث طويل، وعيناه تبرقان. كان شعرُها الحرير ينسدل على كتفيها باسترخاء وهي تمشي باعتداد في فستانها الفضفاض المرشوق بشتّى الألوان، النازل إلى ما تحت الركبتين بقليل. تذكّرَتْه جيّدا، لأنّه اعترضها من قبل مرّتين. كان يهمس في أذنها كلّ مرّة: احتشمي. أقول لك احتشمي. ثم يغيب في مثل لمح البَصر. ولم تكن تُعيره أيّ اهتمام. حين واجهني هذه المرّة لم يقل شيئا، لكنّني شككت في أنّ أمرا خطيرا سيقع. ضربني على وجهي بآلة معدنيّة لها أسنان حادّة، وطار.” (ظلال العائلة ص324-325) . ومثل قصّة ملاحقة منان والد محمد الأصغر للجارة فرحة في أريحا وغضب زوجته وضحا (ص 106-115) و (ص 29 في مديح لنساء العائلة) وغير ذلك كثير.

 

الثورة على القيود الاجتماعيّة والمحتَلّ ودور المرأة البارز

تشدّنا خلال مُتابعتنا للمُتواليات القصصيّة جذوةُ التّمرّد على نمط الحياة البدوية والتّقيّد بقيود القبيلة والخضوع لحكم شيخها الواحد الأحد التي بدأت تظهرُ وتقوى في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي (القرن العشرين) التي أعلنها محمد الكبير، فترك العشيرة والبريّة، وسافر إلى مدينة يافا ليعيش حياة مختلفة. (ص30-36)

أيضا ثورة محمد الأصغر ورفضه ضغوط أمّه عليه لطلاق زوجته سناء العاقر.(ص77) وتمرّد عليوان على القبيلة وقوانينها ورفضه أن يكون مجرّد رقم لا قيمة له، فقرّر الرّحيل إلى مدينة القدس ومن ثم الرحيل إلى خارج البلاد.(ص158-162) ورفض رشيد لمعارضة والديه رغبته في الزواج من نفيسة بحجّة أنّها مطلّقة. (ص173)

ولا يقل تمرّد المرأة أيضا حيث تحدّت سناء كلّ التّقاليد وطلبت الطلاق من زوجها بعد ثلاث سنوات من الزواج.(ص75) وهكذا فعلت نفيسة بطلاقها من قيس لأنّه عاقر وهي تريد أن تنجب.(ص12) وكما فعلت ليلى حيث تحدّت  المضايقات من الرّجل المتديّن ورفضت طلبه بتغيير لباسها واعتمار الحجاب (ص15) ورفضها موقف أهلها المعارض لزواجها من قيس سائق سيارة الأجرة البدوي الأقل منهم نسَبا وحَسَبا وتزوّجته رغما عنهم. “كان لي خطيب أوّل ثم لفظته لأنّ دمه ثقيل. وجاءني خاطب ثان لم أوافق عليه. لأنني كنتُ غارقة في حبّ قيس، سائق سيارة الأجرة: البدوي، كاتب الرواية التي لم تكتمل حتى الآن.. قيس كان مصدر غيظ لأبي محمد القانع ولشقيقي مصطفى ولغيرهما من أبناء العائلة، إذ كيف ترتبط ابنة الحسب والنسب بسائق سيّارة أجرة منحدر من أصول بدويّة!”. (ص27)

وكان التحدّي للمحتل وجنده وقوانينه الظالمة أقوى وأشدّ، فمحمد الكبير بتعرّفه على مريم حمل الأفكار الثورية الشيوعية وواجه السجن أيام الحكم الأردني وتحت الاحتلال الإسرائيلي. (ص38-39) ومثله واجه عليوان عسف المحتل ومن ثم ترك البلاد.(ص162) وكان رشيد: يبني بيوتا من حجر للشباب الذاهبين إلى الزواج من بنات المدينة. يبني لهم البيوت بترخيص ومن دون ترخيص. فالحاجة تضطرهم إلى عدم الانصياع لأوامر مَنْ لا يُريدون خيرا لهم. وحين يأتي هؤلاء في الصباحات المبكّرة ومعهم الجرّافات لهدم البيوت، آنذاك، يتسامح عن طيب خاطر، ولا يطالب بما تبقّى من أجوره، ثمّ يتطوّع مع حشد من الشبّان لبناء البيت المهدوم بالمَجان” (ص176)

وكانت المرأة في متواليات “حليب الضحى” هي  المخلصة الدّاعمة الهادية للرجل “مريم المسيحية المقدسية هي حبي الأبديّ الذي لا ينطفئ، هي التي دلّتني على الطريق، والطريق أخذني إلى ظلام السجون. ولم أندم على شيئ. لولا مريم لكانت لي حياة بائسة لا تُساوي شيئا، حين كنت في سجن الجفر الصحراوي محكوما تسع عشرة سنة جرّاء أفكاري التي وُصفت بأنّها هدّامة، صارحتُ مريم في إحدى زياراتها لي: هل تستطيعين الانتظار كلّ هذه السنوات؟ سألتني: ماذا تقصد بسؤالك يا محمد؟! قلت: أعطيك الحقّ في الانفصال. كان ذلك عام 1962، وقد مضت خمس سنوات من محكوميّتي في السجن. بانت تقطيبة على جبينها، وادلهمّت عيناها وقالت: محمّد، أرجوك، لا تُكرّر هذا الكلام. حلّت لحظات صمت. تأمّلتُ وجهها الصّبوح وعينيها الجميلتين، وقبضتُ على يدها بحنان. ثمّ انهمرت من عينيّ وعينيها دموع.” و”حين حظينا أنا ورفاقي السّجناء بالعفو العامّ عام 1965 وجدتُ مريم باقية على العهد بكل شموخ. احتضنتها، وكم كانت فرحتي وفرحتها باللقاء.” “مريم صنعت منّي إنسانا صاحب مبدأ وعقيدة. مريم هي معبودتي الأولى والأخيرة.”(ص36-39)

والمرأة كانت الواقفة القويّة الصّلبة إلى جانب الرّجل في تَحدّيهما للمحتل” تظلّ واقفة بباب البيت تنتظر، وزوجها الأسير خلف باب الزنزانة ينتظر، وبينهما خيط حبّ لا ينقطع، ومشاعر حرّى تخترق المسافات. امتدّ هذا الخيط المتين منذ سنوات طوال برغم أنْف السّجن والسّجّان.”(ص191)

وتقاوم المحتل بإنجابها للأطفال وتربيتهم والاعتناء بهم ليكبروا ويتعلّموا، ولا تضعف أمام قَتْل جند المحتل لبعضهم، فتواجه ظلمَه بالبسمة والنشيد والإصرار على انتظار الغد المأمول لثقتها أنّ مصير كلّ احتلال ومُحتَلّ إلى الزّوال.(ص150)

“نساؤنا يحبلن في المساء ويلدن في الصباح أطفالا عفاريت، يكبرون في يوم وليلة مثل أطفال الحكايات، ويملأون البيوت والشوارع والسّهول والجبال والقرى والمدن والمخيّمات بحضورهم الكثيف العَصيّ على الإلغاء.” (ص177) و ” امرأة في حيّنا المقدسيّ، أولادها الأربعة ذهبوا إلى المدرسة وهي ترمقهم بحنان. الجنود الغرباء كانوا هناك بالمرصاد. والأولاد عادوا إليها وقد نقصوا واحدا”.(ص130)

 

المكان وخاصة القدس ثيمة محمود شقير الرئيسيّة 

تتعدّد شخصيّات وأبطال محمود شقير في رواياته وقصصه، ولكن البطل الدائم هو “المكان” الذي يختصر الوطن، فيتنقّل بشخصيّاته وقصصه عبر الأزمان البعيدة والماضية والضائعة والمُأمَّلة، ولكنّ الأساس يظل إبراز ثبات الأمكنة المتعدّدة على طول وعَرض فلسطين، وتظلّ القدس المعشوقة الأبديّة بناسها وكنائسها ومساجدها وشوارعها وتلالها وتاريخها وحتى بأعراس فرحها وأتراحها ونكباتها. ونحلّق مع حوار  العشق المتبادل بين ليلى وقيس حول القدس:

“قلتُ القدس هي ثبات البيوت فوق الهضاب العامرة، وهي نوم النساء والرجال في الغرف القديمة، وذهاب البنات والأولاد إلى المدرسة في الصباحات الماطرة. قالت: وهي أنا وأنتَ وابنتنا قدس ونفيسة وابنها قيس وكل البنات والأولاد والشجر. قلتُ: القدس احتمالات الأمّهات اللواتي فقدن أبناءهن الشهداء. قالت: وهي انتظار زوجات الأسرى على أبواب السّجون، والنظرة المتعطّشة إلى الغد المأمول في عيون الأولاد والبنات. قلتُ: القدس هي أمّنا وهي أختنا وعمّتنا والخالة والخال. قالت: وهي الجدّة الطيّبة والجدّ والجارات والجيران وكلّ الناس الطيّبين ونسلنا الحيّ الباقي إلى أبد الآبدين. قالت: القدس هي يقظة الصباح بلا أمّ وأب. قلتُ: وهي غفوتي في المساء وفي حضني امرأة يعتريها التّعب. قلتُ: القدس هي جديلتك التي ألثمها في الصباح وفي المساء. وهي الشغف الذي يتركه خطوك الرّشيق في الأسماع. قالت: وهي أنتَ كلّكَ يا قيسي في السّرّاء والضّرّاء. “(ص 132-154)

 

 

والقدس هي الصّامدة الباقية وكلّ ما عداها زائل

القدس هي الأسيرة الحُرّة المُكبّلة بالقيود المُتحطّمة أبدا ، تشقى في النّهار وفي الليل. وليس في الأفق حتى الآن من بديل. فالمُتمَسّحون بها كثيرون والحبّ قليل. وهي تصحو من نومها على ضجيج الجرّافات وعلى الفجر الحزين. تُحمّم أطفالها ثم تُطلقهم فرادى وجماعات إلى المدراس والسّاحات. ولا تفقد توازنها الرّصين حين ينقصون ثلاثة أو سبعة أو عشرين. (ص143)

ولحجارة القدس حكايات وحكايات. فالقدس تستقبل النهار والغزاة متغلغلون مثل داء خبيث في كلّ الأمكنة. يهدمون البيت في الطّقس البارد، في غبش الفجر، ويحتجزون جثمان الشهيد الشاب. والطائرة المعادية تلوب في السماء، وعلى الأرض جنود يحرسون الخراب، لهم وجوه شائهة لن يروها في المرايا إلّا حين يحلُّ المساء” (ص66)

ولكن هؤلاء المحتلين لا يشعرون بالأمان فهم في قلق وخوف وفزع فعندما “يخترق القطار الخفيف أحياء القدس كلّ صباح وكلّ مساء. ثمّة ظلال كثيفة تلفّ المشهد الملتبس المَقيت. والمستوطنون البيض خائفون من ولد يُلقي حجرا على زجاج القطار، ويجعل أمْنَهم على كفّ عفريت.”(ص147)

وجند الاحتلال يكرهون الفرح ويغتالونه “قلت: القدس هي أنشودة البنات والأولاد في الصباح، وهي ضحكات الأطفال في أحضان الأمّهات، قالت: وهي شغف الفتيات المراهقات بالمغنّي المحبوب ذي الشعر الطويل الشبيه بشَعر النساء. هذا المساء، أطلق الجنود النار على المغنّي وأصابوه بجراح.”(ص151) والقدسُ تستقبل الليل والغزاة لا يتزحزحون قيد أنملة، وتحصي كل شيء من حولها بثبات ودأب ومن دون ارتباك، لأنها تعي دروس التاريخ.(153) والقدس هي كلام الذين لا كلام لهم. وهي أنين امرأة ثكلى في الظلام. وهي نزيف قلب عذّبه الحب والسهاد والغرام.(ص154)

ودم الشّهيد في القدس يُفزع جندَ الاحتلال “كنت أجتاز الحاجز العسكريّ ذات مساء. سمعتُ الجنود يأمرونني بالتّوقّف لسبب ما. استدرتُ، وقبل أن اخطو في اتّجاههم، أطلقوا عليّ نيران بنادقهم بدم بارد. جاءتني رصاصة في الخاصرة، ورصاصتان في الصّدر، قريبا من القلب. تجندلتُ فوق أرض بلادي، ثمّ في لحظة خاطفة، شاهدتُ دمي وهو يتدفّق نحوهم”  وهنا تتجلّى انسانيّة الفلسطيني، حتى وهو يُقتَل على أيدي جُند الاحتلال لا يستطيع أن يرى حتى عدوّه قاتله وهو يغرق بالدم  ” وقبل أن يغرقوا بدمي أغمضتُ عينيّ” (ص187)

 

 ويظلّ الأمل بطرد المحتل والعيش بأمن وسلام

يختتم محمود شقير متواليات “حليب الضحى” بدفقات أمل تشدّ من عزيمة الناس وتؤكّد لهم أنّ الغد آت والمستقبل لهم. “قلتُ: حجارة القدس نساءٌ مُتخفّيات لسبب ما متكتّمات على أسرار وأسرار، ربّما خوفا من أعداء متربّصين أو من متطرّفين متزمّتين. قالت: لهؤلاء النساء ثبات الحبّ في قلوب المحبّين، وعطر الأمسيات الدّافئة. أصغينا: أنا وليلى، في هدأة الليل، وجاءنا من بعيد غناء النساء.”(ص150)  ” وهناك “ثمّة أمل، ثمّة رجاء” (ص50) “نريدُ صباحا هادئا خاليا من الطائرات، خاليا من الجنود الغزاة، لكي تمضي البنات والأولادُ في طمأنينة إلى المدرسة”(ص51) “قالت نفيسة: حينما ولدت ، كان عمر حرب 1967 خمسا وعشرين سنة. كنت طفلة لا تعرف الحرب ولا حتى السلام. وأنا الآن  في السادسة والعشرين، أنا ابنة القدس، لي بيت وزوج وولد. والحرب التي لم تمت بعد، بلا بيت ولا زوج ولا ولد. وأنا لا أحبّها لأنها قتلت جدّي وجدّتي، وهي ليست محبوبة من أحد.”(ص170)

وتظلّ القدسُ كما غيرها الثابتة والصابرة التي تنتظر ذلك الفتى الذي جاء من مكان بعيد على قدميه  وكان له سحرُه الخاص ليخبر فتاته في القدس بأنه سيأتي قريبا. وهي في الانتظار. (ص149)

ورغم كلّ الظلم والعُسف يبقى الهدف الوحيد نسف الاحتلال وتحقيق الاستقلال ونيل الحريّة  والعيش بكرامة وأمان ككل شعوب المعمورة.

 

وكما نعرف محمود شقير

يظلّ على يقين أنّ “التاريخ، ابن عمّ أجدادنا، يجلس هناك على ناصية الزمان، يُمارس مَكْرَه العَنيد بمَهابة وكبرياء، يرقب ما يجري على أرضنا، يرانا ونحن هنا باقون، والغزاة إلى زوال.”(ص177)

وتتواصل المتواليات، والحكاية تطول وتطول، وكاتبنا يُتابع تَمركز النّقطة عند آخر السّطر، يتأمّل الهوّة التي تفصلها عن السّطر الأخير ولسان حاله يُردّد بثقة: كم هو فسيح هذا العالم.(ص214)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى