مسرح

خصائص المسرح الثوري الفلسطيني: بين الفاعلية السياسية والتاريخ الفني

إن النص الذي سيعتبر مفتاحياً في مرحلة الأدب الثوري، هو نص مسرحية “الباب” لغسان كنفاني والذي سيعتبر ظهوره في العام 1964، بمثابة الخارطة التأليفية التي ستلهم العديد من أعمال المسرح الثوري في السنوات التالية، إن موضوع المسرحية هو ثورة الإنسان ضد الإله، فالأحداث تجري في مرحلة تاريخية وثنية، والإله “هبا” صنم صنعه الناس في وجدانهم، ثم شكلوه بأيديهم تمثالاً، وأخذوا يعبدونه ويخشونه، وينكسرون أمامه بذلة شائنة، وهي الحالة التي يثور عليها الأب عاد، ومن بعده ابنه شداد اللذان يسعيان أن يحررا الإنسان من ذل العبودية، بنوع من الثورة التي لا يخشيان عواقبهما عليهما. يكتب عنها علي الراعي: “المسرحية حافلة بالأفكار الجريئة، ووراء هذه الأفكار أنفاس من بروميثيوس سارق النار من الآلهة ومانحها للإنسان. وفي المسرحية صراع فكري وجسدي ضد فكرة السلطة المطلقة، وبها دعوة إلى الثورة على كل سلطان مطلق ونبذ الخوف من الموت أثناء الثورة في سبيل تحقيق رفاهية الإنسان”.(1)

العروض المسرحية: الثورية في الأساليب الفنية

بعد انطلاقة الثورة تشكلت الكثير من الفرق المسرحية الفلسطينية في بعض الأقطار العربية وفي داخل الأراضي المحتلة رغم كل الحواجز والقيود، وفي الشتات خارج فلسطين. فتأسست في دمشق جمعية المسرح العربي الفلسطيني العام 1966، وقدمت أعمالا في عدة عواصم عربية طوال فترة نشاطها خلال سنتين، فقدمت:

“شعب لن يموت”، تأليف سعد المزين، إخراج صبري سندس.

“الطريق”، إخراج وتأليف نصر شمة.

“حفلة سمر من أجل خمسة حزيران”، تأليف سعد الله ونوس، إخراج علاء كوكش.(2)

أما مسرحية “شعب لن يموت” فموضوعها أقلية عربية في مدينة يافا، تعارض السلطات الإسرائيلية في محاولتها إزالة إحدى الجبانات، لتقيم بدلا منها فندقا سياحيا. فتعتقل سلطات الاحتلال الإسرائيلي زعيم هذه الأقلية وتزج به في السجن، وخلال التحقيق يموت المعتقل تحت تأثير التعذيب. فتتولى إحدى تنظيمات الثورة الفلسطينية الانتقام من القاتل، وهو ضابط المخابرات الإسرائيلي بنيامين الخضر الذي تصرعه رصاصات الفدائيين. وقد بنيت المسرحية على بلاغ أصدرته العاصفة أعلنت فيه إعدام الضابط الإسرائيلي لتسببه في وفاة محمود الصباغ المناضل الفلسطيني في أحد السجون الإسرائيلية. أما مسرحية “الطريق” فتثير بعد عشرين عاما من النكبة سؤالاً محدداً: ما العمل الآن؟ هل يبقى الفلسطينيون متفرقين في دول الشتات دون قدرة على الفاعلية والوحدة؟ إن الجواب الذي تقدمه المسرحية هو الثورة منهاجاً وضرورة وممارسة، لتصبح المسرحية حكاية ثوار يصنعون ثورة.(3)

ثم تحول اسم الفرقة فيما بعد إلى فرقة المسرح الوطني الفلسطيني، الذي رفدها مجموعة من الفنانين/ات المتخرجين/ات حديثاَ منهم خليل طافش، حسن عويتي، حسن الأسمر، نائلة الأطرش، وقدمت العروض التالية:

“محاكمة الرجل الذي لم يحارب”، تأليف ممدوح عدوان، إخراج حسن عويتي.

“الكرسي”، تأليف معين بسيسو، إخراج خليل طافش.

“حلم فلسطين”، تأليف رشاد أبو شاور، إخراج حسين الأسمر.

“مؤسسة الجنون الوطنية”، تأليف سميح القاسم، إخراج فواز الساجر.(4)

ستنطلق الحركة المسرحية في السبعينيات مع بتأسيس فرقة “بلالين، 1971” التي تميزت بطروحات مغايرة عن المسرح التقليدي، فاعتمدت على الإبداع الجماعي. فناقشت الفرقة في مسرحية “العتمة” مفهوم العمل المسرحي كمرآة يرى فيها الجمهور نفسه ويظهر من خلاله ردود فعل مختلفة. يدور الحدث المسرحي على عطب جهاز الإضاءة الأساسي على المسرح، مما يدفع إلى الحذف النص الأصلي على الخشبة، وإقامة نص آخر يقوم على التحادث والتفاعل مع الجمهور، ليطرح العرض الوجه الساخر في العلاقة بين الجمهور والمسرح، ويتم تبيان ردود فعل الجمهور عبر شخصيات نمطية المتعصب دينياً، والرومانسي، والمتعلم المفذلك. يبدأ العرض باعتراض عامل الإضاءة في المسرحية، ويتبعه تعليقات من الجمهور معترضين على تأخر العرض ومطالبين باستعادة التذكرة، ثم يكتشف الممثلون عطل جهاز الإضاءة ويطلبون من الجمهور البحث عن مهندس لإصلاحه، وهنا من بين الجمهور يكون هناك مهندسة كهرباء يمانع خطيبها في خروجها إلى خشبة المسرح، ويتشعب عن هذا الموقف عدة نقاشات حول حقوق المرأة ودورها. أما المتعصب دينياً فيرى أن العتمة هي علامة على خراب النفوس وانهيارها وعقاب على الابتعاد عن الإيمان. وتلجأ الفرقة إلى توزيع الشموع على الحاضرين. وفي مشهد آخر تقام حفلة على المسرح تستعمل فيها الأقنعة للكشف الساخر عن المفاهيم المشوهة حول حرية المرأة واختلاط الجنسين. ويحمل الممثلون أسماءهم الحقيقية.(5)

وفي عرضها الآخر “مصارعة حرة” طرحت الفكرة تصوراتها حول اخراج مسرح شعبي سياسي، تأخذ فيه الأسماء والأدوار مرادفاتها في الواقع، تدور المسرحية حول التسوية السياسية التي تحاول الدول الإمبريالية فرضها على الشعب الفلسطيني. الديكور هو حلبة مصارعة تقارب حلبة المصارعة العادية، وتعرض المسرحية في الهواء الطلق في ساحة أو ملعب، ويقترب جوها من جو حفلات المصارعة بحماسها وانفعال الجمهور تحيزه العقلي والعاطفي لطرف من الأطراف، لذلك فإن الجمهور يفرز عند الدخول إلى العرض إلى قسمين.(6)

وفي العام 1973، تأسست فرقة دبابيس التي قدمت مسرحية “الطرشان” حول التشبث في الأرض والبقاء بها، ثم تطرقت لأكثر من موضوع سياسي واجتماعي في مسرحية “الحق عالحق”، ثم مسرحية “خوازيق” التي لم يسمح الاحتلال بعرضها، وعرضت تحت اسم آخر “عمارة من ورق”. وتمكنت الفرقة من عرض مسرحية “الحشرة” التي تلاها اعتقال كامل أعضاء الفرقة. وتشكل مسرحية (الحشرة) الحياة باعتبارها سجن كبير لا جدوى من الفكاك منه، والشخصيات المسرحية هم مجموعة حشرت داخل زجاجة لا مرئية، بحيث تكون الحركة صعبة وتتركز في الرؤوس والأقدام، وأسماء الأشخاص تشير إلى مواقعهم “صابر، صابرين، عبد الصبور، أيوب، فرج”، وتحيل المسرحية إلى الحبس النفسي والذهني، ولكن أيضاً إلى علاقات الاستغلال بين الطبقات، فتنشأ مشاهد تمثل استغلال العامل، الفلاح، الموظف، المرأة من قبل السادة.(7)

في العام 1975 تأسست فرقة جامعة بيرزيت، وعرضت مسرحية “الفرافير، يوسف ادريس”، بعد إجراء تعديلات عليها لتغيير التوجه الوجودي في النظر إلى مسألة الحرية، إلى توجه جماعي يرى فيها حرية الجماعة.  وقدمت نص “المفتاح” للشاعر عبد اللطيف عقل، وفيها يدور النص في مقهى يمثل الحارة العربية وأشخاصه رموز لأنماط هذه الحارة يقضون أوقاتهم في مقهى الانتظار كأنهم كناية عن السلطات والأنظمة. وتقدم الشخصيات بطريقة كاريكاتيرية مضخمة العيوب وبنبرة هزء واضحة، في النهاية يخرج رجل من الجمهور ويفتح الباب في مقهى المسرحية فيدخل النور، بينما تتخبط الشخصيات الأخرى في خوفها من الموت والدمار.(8)

النصوص: خصائص الأدب المسرحي الثوري

أما أبرز النصوص التي ميزت تلك الفترة فيمكن التوقف عند مسرحية “قرقاش” لسميح القاسم، 1970، باعتبارها عملاً يحمل كامل الخصائص المتعلقة بالإنتاج المسرحي الأدبي في تلك الفترة. تقع مسرحية قرقاش في افتتاحية وأربع لوحات مكتوبة بالشعر وهي تحكي قصة حاكم ظالم وديكتاتور اسمه قرقاش يقود قومه المضللين إلى السلب والنهب والقتل. وتعبر المسرحية في مراحل تاريخية مختلفة، من الفراعنة إلى الإغريق وصولاً إلى العصر الحديث في الإحالة إلى هتلر:

في كل زمان عاش

في كل مكان عاش

قرقاش.(9)

ويظهر النص أن ثورة الفقراء عبر التاريخ غالباً ما تدفع النبلاء الأثرياء إلى الخوف وبالتالي يلجأون إلى الطاغية القاسي لحمايتهم، لينقذهم من الثورة، وليتحول السخط الذي يأخذ بتلابيب الفقراء إلى مكان آخر، فالطاغية هو القادر على تحويل الفلاحين إلى حملة السلاح والجنود الملتزمون بأوامر الطاغية.

قرقاش: تعالوا نتقدم

هل من يخون.

الجميع: لا أحد، لواؤنا لك انعقد، عاش عاش قرقاش.(10)

ويركز النص على الآليات التي تعمل وفقها الطبقات الاجتماعية في علاقتها مع الطاغية، وعلى فكرة عسكرة الشعوب تحت أمرة القادة. فالطاغية يمنع الجنود والموتى من العودة من القتال، ويمنع غناء الفلاحين وأي غناء لا يتغنى بالسيف والسلاح، ويحرم على الأمهات حق الحزن. يركز النص على فكرة ابتكار الحروب بدلاً من التنمية الاقتصادية والتطوير. لكن النص يحض على الفاعلية، فتبدأ اللوحة الثالثة بلافتة يحملها رجلان مقنعان ويدخلان بها للمسرح، وقد كتب على اللافتة: “حين تحس الجماهير بالسكين التي تقطع لحمها، لا يبقى لها مفر من التفكير في شيء ما تفعله، إذا شاءت أن تواصل الحياة”. وتندلع الثورة، والناس يطالبون بجثة قرقاش، وتهجم الجموع على قاعة العرش، وحين يشهر قرقاش سيفه يجهز عليه وعلى وزيره الجمهور الغاضب وتجر الجثتان إلى الخارج. ويجلس فلاح على العرش وهو يضحك متأملا نفسه في بهجة، ويشتد الرقص والغناء ويقذف الجنود خوذهم وينضمون إلى حلقة الرقص. ويصيح فلاح: عاش الملك العادل! ويرد الجميع: نحن الملك العادل، نحن الملك العادل”.(11)

وفي الأسلوب نفسه من المقارنة أو الإسقاط بين الحدث التاريخي والثورة المعاصرة، كتب معين بسيسو مسرحية “ثورة الزنج”، 1970، مستخدما فيها تلك الثورة التي قامت في القرن الثالث للهجرة وسيلة لإسقاط الأحكام على الثورة الفلسطينية وكل الحركات الثورية التي توالت منذ ثورة الزنج حتى قرننا العشرين هذا. وتجري الأحداث في المسرحية على مستويين؛ المستوى الأول هو الزمن المعاصر أي تاريخ الثورة الفلسطينية، تشغله الشخصيات المعادية للثورة الفلسطينية وكل الثورات. أما المستوى الثاني فإن أحداثه تجري في القرن الثالث الهجري إبان اندلاع ثورة الزنج.

عبد الله:

انطلقوا الآن

كونوا ما شئتم

زنجا في القرن الثالث للهجرة

أو زنجا في القرن العشرين

إن عليكم أن تنطلقوا الآن

لا يستأذن عبد من قيصره

كي يعلن ثورة.(12)

إن الهدف الرئيسي من استخدام “ثورة الزنج” هو اتخاذ هذه الثورة وسيلة لإضاءة ثورة فلسطين، وإصدار الأحكام عليها. ولا يكتفي المؤلف بأن يقيم علاقة مع ثورة الزنج، بل يربط النكبة الفلسطينية بنكبة الهنود الحمر على أيدي المستعمرين الأمريكان:

عبد الله:

إن الثورة والعرش

لا يلتقيان على مائدة واحدة يا وطفاء

اعلم بعد فوات الوقت

أن الثورة

ليست أبدا تلك الثمرة

تتدلى من فرع الشجرة

تخطفها قبل يد السلطان الجائر

يد ثائر

يحلم أن يصبح سلطانا آخر

اعلم قبل الموت

أن الثائر يهلك لو سقطت من يده الجمرة.(13)

لكن الكاتب بسيسو يميز بين المصير الفلسطيني وبين مصير شعوب أميركا الأصليين، ذلك لأن الفلسطيني لجأ إلى النضال باكراً، ولأن الثورة الفلسطينية انفجرت في الوقت المناسب، لذلك يركز النص على حماية الثورة، مستقبل الثورة مرمزاً إلى ذلك بجنين الثورة الذي يجب حمايته ليولد من رحم إحدى الشخصيات، وطفاء، الذي يرمز رحمها إلى المستقبل، وينتهي النص بالفاعلية الثورية الموجودة في النصوص الأخرى المميزة لهذه الحقبة.

الخوف على فساد الثورة

في النص التالي بعنوان “شمشون ودليلة، 1971” ركز بسيسو على الثورة الفلسطينية وحدها، وهي قصة بسيطة التركيب، قصة أسرة فلسطينية وما فعلت بها نكبة استلاب فلسطين، وما كان من ردود واستجابات أفراد تلك الأسرة، وما تطور من أمرهم بعد الهزيمة، وبعد بدء الكفاح المسلح. تظهر في اللوحة الأولى عربة ركاب تمثل الأرض المحتلة، لها قائد يسمع صوته فقط، ولكنه لا يرى، وركاب العربة لا يستطيعون أن يتجاوزوا بالكلام حدا معيناً، وإن فعلوا رفعهم الخطاف واختفوا إلى حيث لا يدري أحد. والعربة هذه هي سجن، ومصحة للأمراض العقلية، ومستشفى. في الجزء الأول تجري الحوارات بين أفراد الأسرة الواحدة عن كيفية تغيير الوضع المفروض عليهم، يقول الأب إن ترك الأرض للأعداء كان خطئاً عظيماً، ويرد عاصم من الواجب أن يصنع الفلسطيني قدره بيديه.

العربة إذن هي قضية فلسطين، واقفة لا تتحرك منذ سنين، ركابها مسجونون في داخلها، فإن أساءوا التصرف فإن سجن العربة موجود، ومحجرها الصحي ومستشفاها العقلي، وهناك كذلك علامة (×) ترسم بدهان لا يمحى على وجه المشاغب. ترسم مرة أو مرت l أو ثلاث مرات، حسب نوع التحدي. والناس مضطرون إلى الصمت. يعرفون الطريق المؤدي إلى تحرك العربة، ولكن الخوف يشل حركاتهم. في الجزء الثاني تتحرك العربة مترا ويدفعها الركاب كيلومترا. وتسير مترين ويدفعها الركاب كيلو مترين. ثم نتبين أن الثورة قد أصبح لها عنوان وصندوق بريد وتليفون وثمة برقيات تصل إليها. ولكن الأب غير مرتاح. إن الثورة قد صار لها أكثر من عنوان. ومن الواجب أن يكون العنوان واحدا.

في اللوحة التالية نرى علم إسرائيل يرفرف فوق العربة. والأب يندب حظ العربة: ما صنعناه في سنوات طوال سقط في خمسة أيام. ثم يتسلل الابن عاصم من وراء العربة وهو في لباس الفدائي. إنه لم ييأس. وإذا كان علم إسرائيل يرفرف فوق العربة فإن علم فلسطين مغروس في أعناق وصدور فدائبيها. ويقرر عاصم بمساعدة والديه أن يلتحق بقاعدته وفي لحظة الوداع يقدم الوالد نصحه لابنه وللثورة: علينا أن نعرف كيف نقيم جسورا بين الثوار وبين الثوار، بين الخشبة والصالة، ألا نسقط في مصيدة شعار، فحين يزايد الثوار على الثوار تموت الثورة والثوار. يقول عاصم مخاطباَ الجمهور في الصالة:

لو يتسلل أحد منكم يا مئة مليون

لم أنتم في الصالة

يا مئة مليون؟

لم لا تأتون إلى الخشبة؟

ونمثل نحن جميعا فوق الخشبة؟

يكتب عنها علي الراعي: “قصة مسرحية مركزة على موضوع واحد ولهذا استطاع الكاتب أن يخدم موضوعه بطريقة فعالة. تتبع مجريات الأحداث في فلسطين المحتلة قبل وبعد نكبة ١٩٦٧ وتصور عددا من الاتجاهات: الشباب الذي بقي في الأرض المحتلة فسعى إلى الخروج، والشباب الذي بقي في الأرض المحتلة ورفع سلاحه في وجه المغتصب، والجمهور الساكت على الضيم بسبب الخوف بالخوف والذي يدفعه كلام الأب والأم والابنة والابن إلى الانتفاض ضد المحتلين. واختيار علاقة شمشون بدليلة هي للإسقاط على العلاقة المعاصرة بين شمشون والمناضلة ريم. إن شمشون الجديد يفقد قوته إزاء إصرار ريم على الصمود وجدائل شعره المصنوعة من شرائط البارود لم تعد تجدي في وجه الثوار، فقد قصوها بعنادهم ومقاومتهم، كما قصت دليلة شعر شمشون”.(14)

أسئلة النضال السياسي بعد الممارسة الثورية

وإذا كان الحث على النضال وتقرير المصير ميزة أساسية في النصوص الثورية الفلسطينية في السبعينيات، فإن مسرحية “السؤال، هارون هاشم رشيد، 1973” تأتي لتطرح الأسئلة المتعلقة بالمراحل التالية في النضال الفلسطيني. تبدأ المسرحية حين يردد الكورس نشيداً يصب فيه اللعنة على كل من ينسى أرض فلسطين، أرض الأنبياء والأديان، ثم تنطلق الأسئلة في حوار بين جيل الابن رابح، وجيل الأب.

راجح:

“يا أبتي من ضيع يافا؟ هل أنت أضعت الأرض كما قالوا وأضعت الدار؟ وأنت قد هاجرت فلمَ هاجرت؟”

الأب منفعلاً:

أنا ما ألقيت سلاحي

الجيل الماضي حقق أشياء كبرى

أطلق صوت فلسطين عبر الثورات

كان الوطن العربي لا يسمعنا

كنا نطلق ثورتنا، نعلن كلمتنا

ونظل وراء حدود فلسطين

فلا نجتاز مشارف سينا

كانت عند ضفاف الأردن تضيع

ثم تصاعدت الثورة

حققنا في وجه بريطانيا العظمى أشياء وأشياء

راجح: “لكنكم بعدها قهرتم وصمتم”

الأب: “بل وخدعتم”.

ثم يروح الأب يفسر لراجح كيف تمت الخديعة: كانت الانتفاضة ضد الاستعماري البريطاني والوافدين الصهاينة قد انتظمت فلاح وعمالا. تركوا مزارعهم ومصانعهم من أجل أن يثوروا في وجه الظلم. كانت ثورة شعب عرف طريقه. ثم أتى اليوم المشؤوم الذي صدر فيه بيان الحكام في الوطن العربي يطلبون فيه أن يلقي الثوار السلاح. ورغم ذلك، يبدأ التحرك لأجل تغيير الوضع، ويضع الرفاق خطة لبدء التحرير. سوف يدعون اللاجئين إلى أن يخلعوا لباس الذل وينتظموا في صفوف الثورة. المال سوف يبحثون عنه، يسافرون من أجله إلى أرض البترول ليحصلوا عليه وليوزعوا فكرهم والنور الذي إليه اهتدوا. ورغم الحماسة، نعيش في اللوحة الرابعة جو هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧. الأنباء سيئة كلها. كلها تدعو إلى القنوط والاستسلام، ولكن المناضلين يقررون المتابعة وتنفيذ العمليات. وفي اللوحة السابعة يعجب الثوار بعناوين الصحف التي تناولت أحداث الكرامة بالتضخيم الشديد. في اللوحة التاسعة تجري محاكمة الفدائي “ظافر” محاكمة عسكرية وبالطبع يصمد المتهم، ولا يدلي بأي معلومات. ويرفض اتهامه بأنه مخرب ويقول إنه فدائي مشتبك في صراع مشروع مع عدو اغتصب بلاده. وفي اللوحة الحادية عشرة تناقش فصائل المقاومة اﻟﻤﺨتلفة ما يجري على الساحة. ويتوقع الحضور أن تجري مذبحة كبرى تحاول قبر الثورة في مهدها. في اللوحة الأخيرة تتوالى أنباء المذبحة الكبرى. الدبابات العربية تزحف ضد الثورة وبنيها. إن الثورة الآن تضرب في وجهين، وجه عدو غاصب ووجه أجير خائن. وتختم المسرحية على السؤال الذي يطلقه راجح:

سكين في الصدر،

سكين في الظهر،

فماذا نفعل؟

هل نلقي الأسلحة ونرحل؟

ماذا نفعل؟

نسألكم، نسأل كل الأمة، نسأل، نسأل

ماذا نفعل؟”

ويسدل ستار الختام.(15)

يمتاز الإنتاج المسرحي الأدبي الفلسطيني في المرحلة الثورية، بالروح النضالية، فالمسرحيات غالباً ما تقترح وضعاً أولياً قاسياَ سواء تعلق بالحياة، أو بالاستغلال، أو بالديكتاتورية، ولكن النصوص بمجملها تصر على قدرة الشعوب على تغيير مصيرها، لذلك هي تدعو إلى النضال الثوري كوسيلة أساسية. وكذلك، يمكن ملاحظة أتباع المؤلفين المسرحيين لتقنية المقارنة بين الثورة المعاصرة وبين ثورات أو حركات متمردة أخرى جرت في التاريخ. فالمقارنة مع التاريخي السياسي حضرت في معظم النصوص، حتى لتبدو وكأنها حاجة ذهنية عند المؤلفين في تلك الفترة أن يحللوا الحاضر على ضوء تجارب تاريخية مماثلة. وهي ميزة تحضر في العديد من الإنتاجات المسرحية العالمية الثورية عبر كمسرح المقاومة الفرنسية، أو المسرح الثوري الإسباني، وكذلك السوري منذ العام 2011.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى