تقارير

خوارزميّات الموت والاضطهاد: الحزن، التفاعل التشاركيّ، البعثرة الخورازميّة في السوشال ميديا

في العام الأخير تزايد التفاعل حول حوادث القتل والموت في أراضي 48. هذا التفاعل للمستخدمين على وسائل تواصل اجتماعيّ (Social Media) مختلفة، هو انعكاس لواقعهم الأليم، والعنف الّذي ينكشفون له في حياتهم اليوميّة. هذه المشاهدة حفّزتنا على كتابة مادّة حول التفاعل الرقميّ مع الحزن، وفي الوقت ذاته التطرّق إلى الاضطهاد الرقميّ في تصميم الخوارزميّات وبرمجيّتها.

لاحقًا أيضًا، خلال كتابتنا، أصبحنا أمام مشهد واضح لأهمّيّة التطرّق إلى هذا الموضوع، إذ شاهدنا قمعًا ممنهجًا لحرّيّة التعبير وحقّ تقرير المصير الرقميّ على الإنترنت والإعلام الرقميّ (Digital Media) في الأحداث الّتي انطلقت في رمضان 2021 في فلسطين وخارجها.

في هذه المادّة، نتحدّث بداية عن الموت رقميًّا، ثمّ اضطهاد الخوارزميّات، ونختمها بسياق الأحداث الأخيرة، ومن ثَمّ نطرح ما نسمّيه إستراتيجيّات «بعثرة الخوارزميّات».

تُعَرّف الخوارزميّات حسب «قاموس أوكسفورد» على أنّها “إجراء أو مجموعة قواعد تُتَّبع في الحسابات أو عمليّات لحلّ المشاكل، تحديدًا في الحاسبات”. مبتكرها هو العالم العربيّ محمّد بن موسى الخوارزميّ، وتُعْرَف في اللغة الإنجليزيّة «Algorithms»، وبترجمتنا الحرّة «الألغوريثمات».

 

التعامل مع الموت رقميًّا: برمجة تصرّفات الإنسان

تُبَرْمَج وسائل التواصل الاجتماعيّ بما يحاكي تصرّفات الإنسان؛ بهدف زيادة تفاعل الإنسان مع الآلة. على سبيل المثال، من حيث التصميم، تستغلّ التطبيقات المختلفة رغبة الأفراد في مشاركة إنجازاتهم وشغف المستخدم (User) بالردود الإيجابيّة؛ فتخصّص مساحة لأيقونات الإعجاب (Like)، وزرّ الحبّ والاهتمام. ليس عبثًا أيضًا أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ، وعلى رأسها الفيسبوك، تُبَرْمَج وتُصَمَّم بما يحاكي المشاعر أيضًا إلى جانب التصرّفات. من الجدير بالذكر، أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ منحازة بشكل عامّ إلى المشاعر والتصرّفات الإيجابيّة؛ ولذلك ردود الفعل كزرّ اللايك والحبّ منتشرة عن غيرها عبر منصّات مختلفة. نركّز هنا على التصرّفات والمشاعر المتعلّقة بالحزن والغضب وتجارب إنسانيّة، كالموت، وفقدان الأعزّاء، والحروب والكوارث.
إحدى تجاربنا الإنسانيّة هي الموت، وما نتركه بعد الممات من علاقات إنسانيّة، وقصص، والرغبة للإنسان في ترك إرث معيّن. هذا الإرث في حدّ ذاته خاصّيّة موجودة على الفيسبوك، فيها يحدّد المستخدم ما يريد أن يبقى له وعليه من بيانات رقميّة. هذا الأمر هو مثال على أنّ الموت والتفاعل معه على الإنترنت هو مساحة بيانات تغذّي المنظومات الرقميّة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ الرقميّة المختلفة.

هذه المساحة من التفاعل ليست بالضرورة نابعة من باب عطف المنصّات التكنولوجيّة مع المستخدم، إنّما لجرّ المستخدم إلى المزيد من التفاعل على هذه المنصّات، بحيث يشعر بأنّ له قوّة في تحديد خياراته الرقميّة من جهة، وأنّ لديه مساحة تعبير عن مشاعره؛ ممّا يجعل المستخدم مستمرًّا أكثر وأكثر في استخدامه لهذه التطبيقات والمنصّات على اختلافها. وعليه، فإنّ هذا التفاعل المستمرّ لتغذية المنظومات، يوفّر بيئة خصبة للخوارزميّات في عصر الذكاء الصناعيّ لتعلّم تصرّفاتنا ومشاعرنا حول كلّ ما يتعلّق بالموت: متى وكيف نحزن؟ أيّ كلمات نقول وقت الحزن؟ أيّ محتوًى نشارك؟ كيف نشارك عزاءنا؟ مَنْ نعزّي؟ كيف نشارك في عزاء الآخرين أو ذمّ موتهم رقميًّا؟ علامَ نحزن؟ وكيف نعبّر عن حزننا؟

هذه كلّها أمثلة لكمٍّ هائل من المعلومات والبيانات الّتي يشاركها المستخدمون أثناء مثل هذه التجارب الإنسانيّة، وهي عبارة عن تصرّفات ومشاعر يمكن الخوارزميّات اتّباعها وبناء نماذج رقميّة حولها، للتحكّم بتجربة المستخدمين (UXE، User Experience) والمحتوى، الّذي يقوم المستخدم باستهلاكه من خلال هذه المنصّات، وكذلك المحتوى الّذي ينتجه المستخدمون من نصوص وصور وفيديوهات حول موضوع ما.

إذن، فبِشكل أو بآخر تُبَرْمَج وتُصَمَّم المساحات الرقميّة على أن تلبّي احتياجات المستخدم المختلفة من جهة، وعلى برمجة تصرّفاته من جهة أخرى. وفي هذا السياق، ثمّة أسئلة كثيرة تدور حول الموت رقميًّا، منها: إلى أيّ مدًى يكون انكشاف المستخدم لمحتوى حول الموت على أسبابه المتعدّدة خيارًا اختاره المستخدم؟ وهل فعلًا للمستخدم القدرة على التحكّم، بشكل كامل، بنوعيّة المحتوى الّذي يتعرّض له ويستهلكه على هذه المنصّات؟ هل فعلًا يكفي للمستخدم تحديد ما يريد نشره أو مشاركته مع الآخرين؟ ما الأثر النفسيّ للمستخدمين أفرادًا ومجموعات في الانكشاف للموت رقميًّا؟ وهل ثمّة انحياز رقميّ لقصص الموت؟ مثلًا، من حيث تصميم المنصّات لتجربة المستخدم، يتعاطف المستخدمون مع أحداث الموت أو التعبير عنه وردّ الفعل له، فإنّ هذا التفاعل يجري – وبهذه الطريقة تحديدًا – ضمن تصميم محدّد داخل هذه المنظومات. على سبيل المثال، عندما يشارك أحدنا خبرًا حزينًا، أيّ إمكانيّات لدينا للتفاعل مع الحدث الحزين؟ هل نضغط زرّ اللايك؟ كيف سيكون شعورنا تجاه ذلك؟ هذه أسئلة جعلت منصّات مثل فيسبوك أن تضيف خيارات للمستخدم للتعبير عن مشاعره لاحقًا، كزرّ الاهتمام (Care) والغضب. والوجه الضاحك أو الباكي.

 

الإجابة عن الأسئلة الّتي ذُكِرَتْ أعلاه مركّبة، لأسباب عدّة، منها يتعلّق بالبرمجيّات، ومنها ما يتعلّق بتصميم تجربة المستخدم، وأخيرًا تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا تفاعلًا مرتبطًا ومتعلّقًا بالمجتمع، والسياسة، وثقافة المستخدم المحلّيّة، وأخيرًا سياسات اتّفاقيّة المستخدم لدى شركات الميديا والإنترنت. أضف إلى ذلك، في نهاية المطاف، ليست المنصّات مَنْ ينتج هذا المحتوى، إنّما يقع ذلك على المستخدم وطريقة استهلاكه وإنتاجه وتفاعله مع هذا النوع من الموادّ، إلّا أنّ المنصّات الرقميّة بالتأكيد فيها من البرمجيّات ما يعزّز انتشار مثل هذا النوع من الموادّ، لا كبّه (كبّها) أو التحكّم بظهورها أو عدمه عن غيرها من الموادّ. تساؤل آخر: أحقًّا تعزّز الشركات الرقميّة مشاهد الموت لمستخدمين من مجتمعات معيّنة، أم هو خيار أفراد اختاروا مشاركة هذا النوع من المحتوى؟

 

اضطهاد الخوارزميّات

في كتاب «خوارزميّات الاضطهاد»، تتحدّث د. صفيّة نوبل (2018) عن الانحياز الرقميّ في الخوارزميّات لشرائح مجتمعيّة محدّدة من خلال أمثلة عديدة أثبتت فيها أنّ هذا الانحياز مُمَنْهَج، بمعنى أنّ الدخول إلى الإنترنت (Accessibility) لا يوفّر فعليًّا عدالة في الاستخدام؛ إذ تُظْهِر خوارزميّات محرّكات البحث نتائج في طيّاتها آراء مسبقة عن شرائح مجتمعيّة عديدة كالسود في الولايات المتّحدة، أو نتائج مبنيّة على بيانات تعكس العنصريّة (مثلًا: عدم إظهار تدريج متقدّم لمطعم معيّن في محرّك البحث، لاعتباره في حارة مكتظّة بالمواطنين السود)، وحتّى ما يعكسه المحتوى المنشور عن فئات مجتمعيّة عانت وتعاني الاضطهاد تاريخيًّا، سياسيًّا واقتصاديًّا.

في أحد الأمثلة في كتابها، تعرض د. نوبل نتائج من محرّك البحث جوجل للاصطلاح «بنات سود»؛ فتظهر كيف أنّ نتائج البحث تُصَوِّر البنات السود بصورة نمطيّة عنيفة لا تعبّر عن الغنى الثقافيّ والتاريخيّ والإنسانيّ للسود، إنّما تضعهم في قالب المضامين الجنسيّة الإباحيّة والعنيفة. وبذلك تفضّل الخوارزميّات، بسبب بنيتها وبرمجتها، مجموعات لها امتيازات عرقيّة واجتماعيّة واقتصاديّة عن غيرها.

امتدادًا لهذا التوجّه الّذي ينظر إلى الجوانب السياسيّة والاجتماعيّة للتكنولوجيا بشكل نقديّ، درست د. تييرا تانكسلي (2019) تجارب للتعبير الرقميّ في سياق حركة «حياة السود مهمّة – Black Lives Matter». من جهة، لاحظت تَعَرُّض المستخدمين السود لمحتوًى سلبيّ عن غيرهم، يشمل قصصًا حول العنف والموت؛ وهو الأمر الّذي له تداعيات نفسيّة على المستخدمين الشباب، ومن جهة أخرى، لاحظت أنّ للإنترنت أيضًا إمكانيّات عديدة في توفير بيئة مجتمعيّة تعبيريّة للنساء السود.

إلى جانب هذه الأعمال، ثمّة أعمال عديدة في الأكاديميا والحقل حول تفاعل الإنسان مع الحاسوب، وتصبّ في خانة التكنولوجيا النقديّة، وقد أظهرت وجود تحيّز في الأدوات التكنولوجيّة الرقميّة، ترتقي حتّى إلى أن تكون حيّزًا رقميًّا قامعًا، وعاكسًا لفكر استعماريّ يعزّز الاستخدام غير العادل للميديا والتكنولوجيا. على سبيل المثال، هيمنة سرد لدولة لها قوًى سياسيّة في تطبيقات الخرائط وتحديد معالم هذه التطبيقات، كما في تطبيق خرائط جوجل GoogleMaps؛ إذ تظهر فيه مثلًا أسماء جميع المدن والقرى في حدود أراضي 48 باسمها العبريّ فقط، وكأنّها منزوعة التاريخ والجغرافيا. يأتي هذا التحيّز أيضًا على نحو أنماط عديدة تتعلّق بتصميم الواجهات (أي ما نراه)، والبرمجيّات، وكذلك طرق استخدام التكنولوجيا لهندسة تصرّفات الإنسان (أغيليرا وآخرون، 2020).

يأتي السؤال: أينبع الاضطهاد من الخوارزميّات ذاتها أم من مبرمجيها ومصمّميها؟ حتّى نجيب عن هذا السؤال، من المهمّ أن ندرك أنّ مفهوم «الحياديّة العلميّة» لا يمكن تطبيقه فعليًّا في الممارسات العلميّة والهندسيّة التطبيقيّة (كإنتاج دواء، وابتكار تكنولوجيا، وتصميم أدوات وهندستها، وتحليل البيانات)؛ فمَنْ يمارس العلوم والهندسة في النهاية أفراد لديهم آراؤهم، وتوجّهاتهم، وجهات تمويلهم، وطريقة حياتهم وأيديولوجيّاتهم (دوبسون، 2019). للتوضيح؛ فإنّنا لا نضع المشكلة في منهجيّة عمل الخوارزميّات نفسها، إنّما لحقيقة أنّ مَنْ يعمل عليها هم جزء من منظومة اجتماعيّة وسياسيّة، لها أجندتها الاقتصاديّة ومصالحها؛ وعلى ذاك، فإنّ تصميمًا وبرمجة أفضل للتكنولوجيّات نحو استخدام أكثر عدلًا وإنصافًا، ممكن، بتغيير سياسات مَنْ يعمل على برمجتها وتصميمها، وكذلك بإتاحة الوعي الرقميّ النقديّ للمستخدم.

إذن، ثمّة اضطهاد ممنهج في التكنولوجيا الرقميّة، يساهم باستمراريّة القمع والضرب لمجتمعات عانت وتعاني من الاضطهاد والظلم التاريخيّ كالاستعمار، والعبوديّة، والعنصريّة، ورهاب المثليّين/ ات، والتمييز على أساس الجنس والجندر. هذا أمر تثبته دراسات عديدة في سياق الأبحاث التكنولوجيّة المجتمعيّة. وعليه؛ فإنّ ما يحدث في السياق الفلسطينيّ ليس معزولًا عن هذه المنظومة التكنولوجيّة غير العادلة، فعلى سبيل المثال، تستخدم أكثر الأدوات التكنولوجيّة تطوّرًا لرقابة الفلسطينيّين ومحو مضامينها، ومراقبتهم، وملاحقتهم، وتهديدهم وابتزازهم بهذا المحتوى. ثمّ إنّ جمعيّات حقوقيّة مثل «حَمْلة»، أصدرت تقارير تشير إلى تمييز عنصريّ ضدّ الفلسطينيّين من خلال إزالة محتوًى، وإيقاف حسابات على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وحذف فيديوهات من منصّات معيّنة من اليوتيوب أو الفيسبوك.

الواقع الفلسطينيّ يتكرّر بطرق مختلفة في استخدامات التكنولوجيا ومنصّات التواصل الاجتماعيّ؛ ممّا يتيح إعادة تكرار للظلم وعلاقات القوّة في هذه المساحات (قبطي، 2018). هذا الأمر أشارت إليه أيضًا د. عبير قبطي خلال دراستها «جغرافيا النشاط الرقميّ» على تويتر بين نشطاء فلسطينيّين؛ إذ تطرّقت الدراسة إلى تفاعل الناشطين الفلسطينيّين عبر تويتر، وأثبتت أنّ علاقات القوّة الّتي تشكّلت جغرافيا التقسيم للفلسطينيّين بسبب الاستعمار والبنية الاجتماعيّة الناتجة للمجتمع الفلسطينيّ، تنتقل أيضًا من أرض الواقع لوسائل التواصل الاجتماعيّ أثناء تفاعلهم الرقميّ.

إذن، وكي نجيب عن السؤال: من أين تأتينا المضامين العنيفة أو المحزنة؟ ولماذا يرى بعضنا أكثر/ أقلّ منها من الآخر؟ فإنّ المضامين الّتي يراها المستخدم هي عمليًّا نتيجة خياراته، الواقع الّذي يعيش فيه، وأيضًا نتيجة لافتراضات المبرمجين المسبقة خلال برمجتهم للخوارزميّات وتصميمهم المنظومة. وفي الوقت ذاته، ليست هي خيارًا فرديًّا، إنّما أيضًا مجتمعيّ جامع، بحيث يعكس المحتوى الّذي يتفاعل المستخدمون معه؛ وبذلك، فإنّ المستخدم يتفاعل مع المضامين الّتي تحاكي الواقع الّذي يعيش به. على سبيل المثال، المجموعات الّتي تعيش ظروف حياة قاهرة، على الأرجح أن يكون محتواها عاكسًا لهذه الظروف من جهة، وكذلك من شأن الخوارزميّات أن تكون منحازة في عرض نوعيّة محتوًى معيّن للمستخدمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى