إصدارات

رواية «المعصرة» للفلسطيني نهاد خنفر.. حكاية الثورة الفلسطينية

«في الحبْو الأول للزمن الزاحف قريبا من أعتاب العشرينيات من القرن الماضي، ولد إسماعيل لزوجين مفْعمين بالحب، عبد الفتاح وخديجة، وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى حمْل أوزارها، بدأ يشق أشهره الأولى شاقا عصا الحياة حتى خفت عويل المدافع، وانقشع دخان البارود، وأعاد المنتصرون تقسيم العالم؛ فرسموا من الخرائط الجديدة ما رسموا، ومزقوا من قديمها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. أعمل جراحو الجغرافيا السياسية مشارطهم في الأجساد المثخنة، يفتحون جرحا هنا، ويخيطون جرحا هناك، كيفما كان، غير آبهين بتعفن الجروح او تقرّحها ولا استمرار نزيفها او تشويهها للأجساد….».
تلك الكلمات فاتحة رواية «المعصرة» لمؤلفها الأكاديمي الفلسطيني نهاد خنفر، الصادرة مؤخراً عن دار الشامل للنشر والتوزيع، نابلس/فلسطين 2021، لم تكن تمهيدا لزمن الأحداث فقط، وإنما أيضا أشارتْ إلى أسلوب الكاتب ونهجه في تتبّع التاريخ وصيرورته بوصفٍ مزخرفٍ بالصور البلاغية، حيث يتجلى الكاتب روائيا ومؤرخا معا، ثم ما يلبث أن ينضم إلى هذا الثنائي – بقوة – بطل الرواية (إسماعيل البرقاوي) فإذا بك ترى الثلاثة واحدا؛ ترى في نهاد إسماعيل الراوي والمؤرخ، أو ربما ترى ذلك في إسماعيل نفسه. فالكاتب انحاز لإسماعيل أكثر من غيره من شخصيات الرواية؛ يرسم تفاصيل التفاصيل لنفسيته بحركاته وسكناته وكلماته وأفكاره، حتى ظننته هو. وجعله بطلا يشدّك بسيرته الدّرامية، وجعله ساردا يحكي أحداث التاريخ بتسلسلها بما فيها من إرهاصاتٍ ووقائع حيّةٍ ونتائج، وكأنك ترى حقبة من زمن الثورة تتجلى أمام ناظريك وكأنها تحدث الآن.
الرواية والتاريخ
ولا أدري هنا هل ننضم إلى رأي من يرى بضرورة الفصل بين دور المؤرخ ودور الروائي، وبالتحديد كما رأى الشاعر المتوكل طه في تقديمه للرواية إذ قال: «إن تأصيل التاريخ ليس مهمة الروائي وكذلك التوثيق» أم نذهب إلى المتعة المعرفية في هذا المزيج المزخرف بالبيان وبلاغة التصوير ودقة المعلومة! فقد عملتْ الرواية طوال الأحداث المثيرة، على التأريخ لأحداثٍ حقيقيةٍ لم تخضع لأيّ فعلٍ درامي، والضرورة الدرامية عادةً تبيح وتتيح للكتّاب أن يختلقوا الأحداث اختلاقا في سبيل تسلسل السياق، أو لتحقيق الانسياب السردي للأحداث، لكن خنفر لم يتركْ حدثا يراجع به إنْ كان صحيحا أو إنْ كان من لوازم حبك الأحداث بخط درامي ينسج الرواية معا، لقد كان دوْر الخطّ الدرامي الروائي هو رصف الحقيقة بتسلسل انسيابي، وتركيبها بشكل مثيرٍ دون اضطرار.
الجغرافيا المنسيّة
ولم يكن خنفر روائيا مؤرخا فحسب، وإنما كان أيضا جغرافيّاً، يصف مسارح الأحداث بدقة عجيبة، كدليل جغرافيّ لمن لا يعرف هذه الأماكن، ونبض حنينٍ ولهفةٍ لمن يعرفها وغاب عنها، وإمتاع لذاكرة من يعايشها ويعيش فيها بصورتها الحديثة.. وكم مشى (إسماعيل/خنفر) خارج الطرق المعبّدة، ليعبّد وعورتها بين الجبال وفي الكهوف والوديان، وكذلك يرسم الطرقات رسما بين الأزقّة والحواري والشوارع، ثم يستعيد الرسم المعماريّ والتراثيّ للبيوت والمساجد والكنائس التي أدْخلنا إليها، وذلك من خلال الخرائط البلاغية لهذه الرسومات. ولهذه البلاغة السردية دورٌ في أنْ يسكن القارئ قلب إسماعيل البطل المطلق للأحداث جميعا، فأتاح لنا أن نتبادل معه أنفاسه، ونقاسمه مشاعره، وأنْ نجلس من خلاله مع العرميط و(أبو جلدة) وعبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان وغيرهم.
البلاغة السردية
يسرد الكاتب تفاصيل العمل في لغة أدبية تعجّ بالصور الحية والحميمة، تستحضر في الذائقة والذاكرة أساليب الكتّاب القدامى في أسلوبهم البيانيّ والبلاغيّ كالعقاد والمازني وطه حسين، ثم من حين إلى آخر تلمس روحا حداثيّة في الخط الدرامي، كهذه اللوحة الفنية الممزوجةٍ بالصوت والصورة والرائحة، يصف بها حدثا في صبّانة طوقان، فيقول: «طقطقةٌ هنا وصريرٌ هناك، براميل وأكياس… وصوت دفْقاتٍ متناسقة في الطابق العلوي لمطارق تهوي برتابة ، تمتصّها بعض السطوح الطرية، فيشيع بعضٌ من صداها في مساحات الصبانة المفتوحة، وتحتضن الأرضية ما تبقى من رجع الصدى… تتسلق رائحة الصابون هواء المكان فتتلوّى حتى تأخذ في الأنوف مكانتها».
اللحظة الراهنة
ولا يبدو الأمر وكأنه استعادة أحداث مضت من خلال الذاكرة، لكنه رؤية تكاد تتطابق واللحظة الراهنة، وكأنه يلقي ظلاله الثقيلة على وقتنا الحالي.. فيقول: «هنا تدخل عبد الرحيم بالقول (موجها كلامه إلى إبراهيم طوقان):
– أردت أن أعرف رأيك بالأحزاب السياسية التي يتم تشكيلها والإعلان عنها هذه الأيام!
بانت ابتسامةٌ خفيفة صنعها إبراهيم على وجهه، وأخذ نفساً عميقا ثم نفثه، وكأن هموم الدنيا قد كبتتْ أنفاسه! وقال ببعض الحرقة:
– كم هو عدد الأحزاب الآن، ثلاثة أربعة؟ وربما يتم الإعلان عن المزيد، لكن صدقني كلما زادت الأحزاب ازداد انقسامنا، وضعفنا، وتشتّت الهدف، وسنخسر المعركة. الحركة الصهيونية تشجع اليهود وتغريهم للهجرة إلى فلسطين وسرقة أرضها وقتل سكانها واحتلالها إلى ما لا نهاية، يقولون لهم إنها الأرض الموعودة! يهاجرون أو يدفعون للهجرة إليها من كل جهات الأرض، لا يربطهم لا ثقافة ولا عرق ولا لغة مشتركة، إلا هدف سرقة الأرض وإقامة دولتهم التي وعدهم بها الإنكليز، توحدوا كلهم وراء هذا الهدف، رغم أنه لا إنساني ولا أخلاقي ولا قانوني، تخيل أن اللصوص يا عبد الرحيم يتوحدون على سرقتهم، ونحن أصحاب الأرض مشغولون بالتشتت والتشرذم وإقامة أحزاب سياسية!».
ونكتفي هنا بنقل هذه الحدود من مشهدٍ مترامي الأطراف، ضمن المشهد الكلي لرواية «المعصرة» التي اتسعتْ أطرافها أيضا، باتساع الزمان الذي أشرقتْ عليه إضاءات الكاتب في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت «المعصرة» اسماً لمكانٍ، ووصفاً لأحداثٍ عصرتْ الشخوص الحقيقية بالرواية عصراً في سبيل تحرير وطنهم منْ كلّ استعمارٍ غاصبٍ خانق ظالم. فهي رواية بحثتْ عن الحرية، وطرحتْ كلّ أشكال التحرّر المشروعة، وفتحتْ بوابةً كبيرةً لتحقيق الحرية من خلال العمل تحت ضغط البطش والتنكيل وظلام السجن والشنق والعصر.
إنها «المعصرة» التي قال راويها: «الحرية خيار.. وليست انتظارا».
كاتب فلسطيني
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى