رواية فرنسية وثلاث روايات فلسطينية «بين ريتا وعيوني بندقية»

عادل الأسطا :
مؤخراً منعت “إسرائيل” تدريس رواية في مدارسها، لأن الرواية تأتي على علاقة حبّ بين فتاة يهودية وشاب فلسطيني.
إسرائيل لا تريد لهذه العلاقة أن تتم، ولا تريد تعزيز قيم التعايش مع الفلسطينيين تحديداً، فالآداب الأوروبية التي ظهرت فيها نماذج يهودية نسوية كانت تصور اليهودية عاشقة يسيرها هوى قلبها، لا تعصبها لدينها، وإسرائيل لا تريد لهذا النموذج أن يظهر.
كتب محمود درويش قصيدة “ريتا والبندقية” التي انتشرت أكثر منذ غناها مارسيل خليفة. هل كان الشاعر سينفصل عن ريتا لو لم تلتحق بالجيش؟ لقد فصلت البندقية بينه وبين عيون ريتا، وظلّ السبب يلحّ على الشاعر، حتى إذا ما أعاد كتابة القصيدة في 1990، وهو في باريس، أعاد ذكر سبب الانفصال: الحلمان يتقاطعان، فواحد يستلّ سكّيناً/ بندقية، وآخر يودع الناي الوصايا.
لازمة/ فكرة الحب في ظل الحرب فكرة حاضرة في الأدب، وغالباً ما نذكر نحن هنا القصة الفرنسية “صمت البحر” التي نشرت تحت اسم مؤلف مستعار “فيركور” قد عرفها العالم العربي منذ 1946 حين كتبت عنها مراجعة في مصر، وعرفت أكثر وأكثر حين أعادت دار الهلال في مصر نشرها في 1968 وصدرت مع مجموعة أميل حبيبي “سداسية الأيام الستة”.
وقد أعاد أسعد الأسعد نشر القصة في 1979، وقرأناها وأعجبنا بها، وعدّها قسم منا، مثل محمود شقير، نموذجاً لأدب المقاومة. هل خلت هذه القصة من حضور داخل أدبياتنا؟
تفرض ألمانيا النازية، في 1941، على كل بيت في الريف الفرنسي، جندياً ألمانياً حتى تحدّ من تنقّل رجال المقاومة، ولا يرى بعض الفرنسيين، إن لم يكن أكثرهم، في هذا الجندي شخصاً مرغوباً فيه. إنه ممثل للاحتلال البغيض، ويكون أن بعض الجنود الألمان غير مقتنعين بالاحتلال أصلاً، وأن الخدمة فرضت عليهم، وهم ضد إذلال فرنسا التي أراد لها النازيون أن تذهب إلى القيادة الألمانية ككلبة زاحفة.
أحد الجنود الألمان يحاول إيصال رأيه للفرنسي وابنة أخيه، ولكن…
تقتنع الشابة الفرنسية بأن هذا الجندي ليس جندياً نازياً حقاً، وتكاد تقع في حبّه، بل إنها وقعت، ولكنها تظل تنظر إليه على أنه جندي يرتدي ملابس الجيش النازي، وتظل ترفض الحديث معه، وحين يغادر يقول لها: وداعاً، فترد عليه بصوت خفيض: وداعاً. ولا يتم اللقاء، فبين ريتا وعيوني بندقية.
وأنا أدرس تأثير الرواية الغربية على الرواية الفلسطينية درست تأثير رواية “صمت البحر” على رواية أسعد الأسعد “غياب” (2005)، وذهبت إلى أننا إذا عقدنا موازنة بين القصتين/ الروايتين تجاوزاً، فإننا واجدون، لا شك، تأثر اللاحق بالسابق.
وليم الإنجليزي يساعد هيفاء، في أثناء حصار مخيم جنين، فتقع في حبّه، وغدت علاقتها به تضغط عليها، ولكنها تظل علاقة محكومة بما في الانتداب البريطاني في فلسطين وما نجم عنه، وهو مثل الجندي الألماني، لا دخل له بالأمر، ويتمنّى لو تنجح العلاقة ولكن:
“توقفت غير بعيد عن البيت، حدقت به وانفجرت بالبكاء.
آه لو تدري .. أعترف الآن بأنني أحبّك..
لكن ثمة ما يمنعني..”.
لعزام توفيق أبو السعود، ابن مدينة القدس، ثلاث روايات هي: “صبري” (2008) و”سوق العطارين” و”حمام العين” (2009) وفي الأولى يأتي على علاقات أسرية بين إنجليز ومقدسيين، وهذه العلاقات مختلفة كلياً عن العلاقات التي قرأنا عنها في أكثر أدبياتنا التي أبرزت عموماً صورة سلبية للإنجليز تمثلت في الجندي الإنجليزي المحتل. وقد أنجزت دراسة مفصلة عن الإنجليز في الأدب الفلسطيني ولاحظت أن الصورة المختلفة تبرز في سيرة فدوى وسيرة جبرا، فالكاتبان عاشا في لندن فترة ورأى من الإنجليز مدنيين أيضاً.
يعجب هنري البريطاني بجيهان المقدسية، ويقدم على طلبها، لكنها ترفض. لماذا؟
“أنا لن أتزوجك يا هنري.. أنتم تساعدون اليهود على قتلنا..
ـ ولكنني لم أقتل أحداً..
ـ ولا يدريني أنك لن تقتل عربياً فيما بعد..
ـ نتزوج ونسافر إلى إنجلترا.. وبذلك تضمنين أنني لن أقتل أحداً.. أنا أحب فقط.. وأحبك أنت يا جيهان..
وأنا أحب القدس وهذه البلاد وهذه الأرض ولا أريد أن أتركها إلى أي مكان في الدنيا”.
هل تنتهي علاقة الضابط الإنجليزي (جون) بإيفانا أردكيان في رواية ربعي المدهون “مصائر” كما انتهت العلاقات السابقة؟
تعشق إيفانا الضابط ومنذ عشقته لم يعد جون في نظرها بريطانياً مستعمراً كريهاً، ولا طبيباً ضابطاً، بل الشاب الوحيد الذي أوقعها من أوّل ابتسامة”، وتتزوج منه على الرغم من عدم موافقة والديها اللذين تبرآ منها، وأصبحا لاجئين في لبنان، ولم ترهما طيلة أكثرة من 50 عاماً، وظلا يرفضان لقاءها وماتا غريبين. هل عدت إيفانا الاستثناء الذي يثبت القاعدة؟
قصة تقود إلى قصيدة، وقصيدة تذكر برواية، و.. و.. هل أخطأ الشاعر حين قال: ما أرانا نقول إلاّ معاداً مكروراً؟
عن الايام
Exit mobile version