موسيقى

“شرق الراعي” أغنية من أجمل الأغاني الخليلية التي حملت ملامح وقصص حول المدينة وثقافتها

“شرق الراعي” أغنية من أجمل الأغاني الخليلية التي حملت ملامح وقصص حول المدينة وثقافتها
شرق الراعي: الإلتفاف حول الموت من أجل النجاة
وردت هذه الأغنية على لسان السيدة صفية الدويك وهي من مواليد عام 1926م وهي أغنية منقولة عن والدة زوجها المرحومة “دهبة السيد” التي توفيت عام 1949م وتوفيت وهي في عقدها السابع، ويرجح أنها ولدت ما بين عام 1870-1879م، والسيدة صفية كانت قابلة في حارة المشارقة وتعلمت القبالة على يد الممرضة لويزا منصور(انجليزية من أصل عراقي) وعملت كمساعدة لها في مستشفى الارسالية الانكليزية في الخليل (مستشفى مارلوقا) تحت إدارة السير “اليات فورستر” في نهاية الأربعينات من القرن المنصرم.
لم أعثر على أي رواية أخرى للأغنية خلال طوال فترة البحث في ذاكرة المدينة المحتضرة، ربما يعود ذلك إلى قدمها، فبعد المقاربة التأريخية لها اتضح بأنها تعود لما قبل عام 1850م، وبعد عملية تأويل البنية الخاصة بدلالات الأغنية ثبت صحة ارتباطها بتلك الفترة، لأنها ضمن بنيتها تحمل ملامح التغيرات التي نتجت عن حملة ابراهيم باشا على الشام، ومن أهمها تحول طريقة التجارة إلى الشرق، كما دعمت شواهد الذاكرة المحلية ما أشارت إليه بما يتعلق بدود القز، فالنساء أكدن بأنهن سمعن من جداتهن عن ظاهرة تفقيس بيوض القز في صدور النساء قديمًا، وتوقفت تلك الظاهرة الاقتصادية بسبب برد المدينة القارص وثلوجها المستمرة، التي كانت سببًا في قتل بيوض القز في ليالي الشتاء الطويلة، كما أن كلمات الأغنية جزء أصيل من اللهجة المدنية المحلية للخليل.
تقول كلمات الأغنية:
شَرّق الراعي يا صبية
طّوْلي جرار القمح
غيمة المسا غربية
غُزّيها يّشُقْ الصُّبح
/
يا حامل بذرة معروف هدية
تالي هالصيف رعدية
ما تخلي فتيلتك مضوية
قرب يشق الصبح
/
غرب الراعي يا صبية
بِعِبّكْ بيض القز
بعد الخير يا بنية
دلب التوت بينعز
تحمل بنية الأغنية ما يدعم ارتباطها بمجتمع زراعي بالدرجة الأولى، وهذه سمة غير مدينية ولا تحمل السمة الاجتماعية لمدينة الخليل، ولكنها تعكس صورة بعض الطبقات التي تركت المركز والتحقت للعيش في البيوت المبنية داخل كروم العنب، فمن المتعارف عليه أن أبناء المدينة كانوا ينتقلون في بدايات الصيف إلى البساتين في الكروم والجبال المحيطة، من أجل البدء بزراعة المحاصيل الصيفية والإعتناء بكرومات العنب، لأن هذا الموسم من أهم المواسم الزراعية في المدينة والذي يشكل الداعم الرئيسي لإقتصادها، وهناك أقلية ممن كانت تمتلك بيوت حجرية أو مُغر دافئة لم تبرح بساتينها في فصل الشتاء، بدلالة (غيمة المسا غربية)، ( تالي الصيف رعدية) وهي إشارات لقرب فصل الشتاء، وما يرافقه من تحضيرات لتجهيز الأرض وزراعتها وغرس البذور( غزيها يشق الصبح).
ارتباط الأغنية بالفترة المتعلقة بالنصف الثاني من التاسع عشر تدعمه ما تحيل إليه كلمات الأغنية، فتلك الفترة عرفت أحداثًا مهمة تعلقت باضطرابات كبيرة بين سكان الشام وجيش ابراهيم باشا المصري بما يتعلق بجبي الضرائب، أسفرت عن قتل أهالي الخليل لمئتين جندي من الحامية المصرية بالمدينة، مما دفع بابراهيم باشا بشن حملة تأديبية على المدينة عام 1834م وقُتل على إثرها أكثر من 600 شخص من سكان المدينة، وهذا أدى إلى تحول كبير فيما يتعلق بالتجارة، حيث أصبح التجار يسلكون درب الشرق (هو طريق تاريخي للتجارة لكنه ليس مركزي) في التجارة خوفًا من مضايقات المعسكرات التابعة لجيش ابراهيم باشا على طول الطريق الغربي، الذي كان يعتبر الطريق الرسمي للتجارة من مدينة الخليل نحو مصر مرورًا بالقدس ويافا.
وسلوك الراعي للطريق الشرقي ( شرق الراعي يا صبية) دلالة على ارتباط الأغنية بتلك الفترة، حيث ذكرت المصادر بأن عهد الاضطرابات ذلك، حول طرق التجارة إلى الكرك والعقبة والغور الشرقي بداية ثم تطور إلى الشمال الشرقي لاحقًا، وكان الإتجار بالأغنام وصوفها والجلود ودهنها يعتبر جزءً أصيلًا من تلك العملية التجارية.
واستمرت التجارة المتعلقة بالأغنام ترتبط بطريق الشرق نحو الشمال حتى نهايات العهد العثماني، ولم يسلك التجار طريق الغرب أو الجنوبي نحو صحراء النقب فمصر، بسبب وجود حامية عسكرية عثمانية على الطريق، وفي الجنوب كان يوجد مخزن رئيسي للعثمانيين متعلق بجبي الضرائب و المواد المصادرة يقع في مدينة بئر السبع ، وعلى إثر ذلك نشأت علاقات قوية بين تجار الخليل وأهل الشمال وهو (بدو بيسان و دروز جبل العرب وسهل حوران وجنوب لبنان)، ونشأ عن تلك العلاقة منفعة متبادلة تعلقت بتصدير أهل الخليل لبضاعتهم واستيراد القمح، وهو واضح بدلالة الأغنية (شرق الراعي يا صبية، طولي جرار القمح) وهي بشارة للفتاة بانتهاج الراعي لطريق الشرق، فعليها تحضير جرار القمح الفارغة من أجل استقبال الحبوب التي تم إحضارها من سهل حوران من أجل الزراعة الشتوية، كما أنها بشارة كي تستعد الفتاة أيضًا لإحتضان بيض القز.
وبذرة معروف التي وردت في الأغنية يقصد بها مصدر القمح (بني معروف) وهم الدروز من سكان سهل حوران، وتعرف قيمة قمح سهل حوران وجودته منذ القدم، واستمرت طريق التجارة الشرقية في الازدهار لقربها من البرية الشرقية الشبه صحراوية في الغور بجانب نهر الأردن، حيث تمتاز بدفئ الطقس وسهولة التضاريس وقربها من مصادر المياه الجارية من العيون ومصاب نهر الاردن الذي تغذيه السفوح الشرقية لسلسلة جبال القدس والخليل، وهذا مهم جدًا لسقاية الدواب على طول المسافة المقطوعة، كما أن طريق الغور بعيدة عن مراكز البوليس العثماني، لأن عدد الأغنام سيضاعف من الضريبة المفروضة على التجار أو الملاك، لذلك كنت تتم عملية الإتجار والنقل بشيء من السرية والتهريب.
من أهم ما برز في سياق الأغنية هو ذكر دور القز، ومن المعروف أنها المصدر الأساسي للحرير، دخل الحرير وإنتاجه منطقة الشرق الأدنى بسبب وقوعه ضمن منطقة “طريق الحرير” التي كانت تصل الصين بساحل البحر المتوسط، وانتشرت ظاهرة حضانة بيض القز في منطقة لبنان وسوريا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر- الفترة التي حملت تبادل تجاري بين الخليل ومناطق الشمال- ويبدو أن التجار من أهل الخليل حملوا معهم البيض وتلك التقنية إلى المدينة، لكنها انتهت بانتهاء طرق التجارة بين تلك المناطق إبان الحرب العالمية الأولى وتقسيم الحدود بين سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي بين البلدين.
كان يتم لف بيض القز بقماش أبيض يشبه الشاش الطبي، ويربط بالرقبة ليفقس بعد فترة في دفء النهود، وحملت الأغنية نفس التوصيف بطريقة مقتضبة (بعبك دود القز)، ويفقس البيض في نهاية شهر نيسان، حيث تورق أوراق التوت التي تعد الغذاء الأهم لتلك الحشرات، لتصبح ذي قيمة عالية ( دلب التوت بينعز)، ما يدعم انتشار تلك الظاهرة في جبل الخليل وجود مثل شعبي لا يزال رائجًا حتى يومنا هذا، وهو يحمل في سياقه ما يدعم هذه الرواية (الاسكافي حافي، والحايك عريان) وهذا يشير إلى أن من يعملن في تربية دود القز لا يلبسنه، لأنه كان يباع للأغنياء بالرغم من أن الفقراء من يحكنه (ينتجنه).
الصورة الأولى لبيع “شرانق دودة القز” نهاية القرن التاسع عشر في بلاد الشام
والصورة الثانية
الاشارة باللون الاخضر للسيدة لويزا منصور
واللون البرتقالي للسيدة صفية دويك
الشكر للسيدة (ام صالح السيد أحمد) ابنة المرحومة صفية الدويك التي حددت هوية لويزا ووالدتها في الصورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى