قصة

شمالًا جنوبًا وأبعد | قصص قصيرة

قصصًا من مجموعة الكاتب الفلسطينيّ بسّام جميل القصصيّة «شمالًا جنوبًا وأبعد» (2021)، الصادرة عن منشورات «وزارة الثقافة الفلسطينيّة»، بإذن من الكاتب.

بنطال

لا فرق. حسنًا، مضيت مع أبي إلى السوق لجلب بعض الحاجيّات للمنزل، وهديّة خاصّة بمناسبة شفاء أحد أشقّاء والدي. ليس عمّي بالضرورة، فهو شقيق بالرضاعة. أخدت حصّتي من الكعك المحلّى، و سبقت والدي بخطوات، كنت أتلفّت نحوه لأضمن عدم دخوله في أحد المحالّ التجاريّة دون أن أنتبه لذلك. أخشى أن يتوه منّي، فلست بعمر يسمح له بالقلق المعاكس.

سمعنا صوت بائع عصير الرمّان، فوجدت أبي يسابقني إليه كالطفل، كأنّه في تلك اللحظات استعاد ذاكرة قديمة. شربنا العصير و حملنا الهديّة، عبارة عن بنطال وقميص. لا أدري لماذا يهتمّ بجلب ملابس هديّة، رغم أنّ العادة أن نقدّم طبقًا من الحلويّات أو السكّر.. أيّ شيء يؤكل، أو زجاجيّات رخيصة.

دخلت أمّي علينا و نحن نرتّب الهديّة في غلاف لائق، لا يمكن تقديمها في كيس المحلّ التجاريّ. يبدو لي ذلك غير مناسب، كأن تقدّم هديّة و ترفقها بفاتورتها.

سنزور عمّك بعد صلاة العصر. قال أبي، ثمّ قام ليتوضّأ. مسكت يد أمّي الجالسة قربي و سألتها عن أوّل شيء غريب خطر في بالي. قلت: هل تذكّرين أنّ والدك قد عنّفكِ لأيّ سبب في الماضي؟

صمتتْ لبرهة ثمّ نظرت لصورة جدّي المعلّقة على جدار الصالون. “يمكنني أن أخبرك عن إحدى تلك المرّات الّتي لم أكن أعرف سبب هذا الضرب المبرّح”، قالت ثمّ تابعت: “كنت في الرابعة عشر وقد وصلتنا من بيروت قطع قماش جديدة، أصرّت أمّي أن تقوم جارتنا بتفصيلها، و من بين تلك القطع كان هناك بنطال نسائيّ جاهز، تمّ وضعه بالخطأ ضمن الرزمة. كان والدي يوصي على أقمشة كلّ ثلاث شهور لي ولعمّتك و لأمّي. كان البنطال نوعًا ما، موضة جديدة في بيروت، أقصد للنساء المحافظات، كان واسعًا فضفاضًا لدرجة أنّ بالامكان وضعي مع أختي فيه و يبقى على اتّساع واضح. اعتادت النساء في القرى أن تلبس شيئًا مشابهًا، لكنّه يعتبر لباسًا داخليًّا، و علينا أن نلبس عدّة أثواب فوق هذا البنطال، أمّا هذه القطعة فكانت غريبة علينا، لا تحتاج لثوب يغطّيها كلّيًّا. أحببت أن أجرّب لبسه، و فعلت ذلك في معرض جلسة الحديث عن الأقمشة و ما سنفصّل منها. لم يطل الأمر حتّى استأذن أبي للدخول، لوجود جارتنا بيننا، فلم أجد فرصة لتغيير ملابسي و جلست خلف أمّي على أمل أن لا يتنبه لأمر البنطال.

دخل و سأل عن قطعة جاهزة بين الأقمشة، وجدها في الرزمة و تركها فيها. أراد أن يعيدها للتجّار. ارتبكنا و لم نجد ما نجيبه به، عندها وقفت أمامه، وقلت:” هذا هو يا أبي، قماشه جيّد”. لم تنهال عليّ عصاه بشكل مفاجئ فحسب، بل حتّى أمّي نالها من الضرب نصيب.

لم تعنيني شتائم أبي في ذلك الحين، لكنّني كم تمنّيت لو أنّه عاش عمرًا أطول، ورأى نساء هذا الزمان، لكان سبب موته هو البنطال حتمًا.

لم أعلّق على قصّة أمّي. تركتها ومضيت مع أبي لنقدّم التهاني لعمّي المعافى حديثًا. دخلنا على منزله بابتسامة عريضة. كان الجميع يعرف أنّ لوالدي ذاكرة قصيرة جدًّا، لكنّه لا ينسى إخوته. ألقينا التحيّة، ثمّ قدّم أبي الملابس لعمّي وطلب رؤية العروس.

ضحك جميع الحضور، فنادى عمّي على زوجته لتدخل و تسلّم على أخيه و تتقبّل المباركة بعرسها. نظر أبي إلى السيّدة الّتي تحمل أكواب العصير، ثمّ انفجر صارخًا بوجهنا جميعًا: “بنطال ضيّق يا بيروت!”.

أصابتنا المفاجأة، لا بصراخ أبي على البنطال، بل على بيروت الّتي حاولت ارتداء بنطال يتّسع لعدّة مدن قبل الآن، وها هي تضيق عليها فساتين الحياة مرّة أخرى.

***

نورس

في كلّ فجر من أيّام الأسبوع، أقضي بعض الوقت أمام الشاطئ، أتأمّل صحو الطيور و نشاطها فوق المطار وقربه حيث تجد ملجأ الطعام الضخم الّذي يقدّمه مطمر القمامة القريب. أرمي سنّارة الصيد، وأشعل سيجارتي مع فنجان القهوة المنعشة.

موسم جديد لعبور مئات الطيور في رحلتها السنوية، ومنها من يشاركنا طعامنا البحريّ لمدّة ليست بقصيرة. كان حفيدي يحبّ مشاركتي في هذا الطقس اليوميّ، لكنّه الآن يدرس في فرنسا، و يحلم في فرنسا، و يشتاق لبيروت كفرنسيّ.

لا أملك إلّا أن أبقي على طقوسي اليوميّة، بقضاء معظم فترة الصباح بانتظار ما سيمنحني إيّاه هذا الأزرق المرتبك أمامي. ثمّ إلى البيت حيث تنتظر زوجتي أن أمسح الغبار عن صورتها.

لا شيء يشبه هذه المدينة أكثر من التفاف أبنائي و أحفادي حولي في الأسبوع اليتيم الّذي يجتمعون فيه كلّ عام، لتضارب مواعيد اعمالهم و أشغالهم في المنافي.

يطرق عبدو الباب كعادته، بعجالة وهدوء، فلا أميّز الطرق إذا كان على بابي أم أنّه طير عابر يحاول إزعاجي بالنقر على زجاج نافذتي السميكة. أفتح له، فيسرع نحو حوض الأسماك الصغيرة الملوّنة، فيطعمها وينقر على زجاج الحوض، لظنّه أنّها تألفه وتعرف لغة النقر خاصّته، لا يعلم أنّه يشاركهم بمقدار كبير في الذاكرة الضعيفة. أصنع القهوة و أضع له بعض السكّر في فنجانه. يبدأ بسرد أخبار حرب التحرير، ثمّ يضفي على الحديث بعض الفكاهة بحركاته البلهاء مقلّدًا حفيدته الّتي تتّصل به بشكل يوميّ على «سكايب». صغيرته ذات السبع سنوات، لا تجيد العربيّة، لكنّها تجيد لغة النقر الخاصّة بجدّها.

أشاركه الاستماع لبعض الأسطوانات القديمة، واستعمل أحيانًا هاتفي الّذي خزّن فيه ابني مجموعة نادرة من تسجيلات أغاني فريد الأطرش و أسمهان، إذ يرفض أن يسمع سواهما، دون أن يهتمّ لذائقتي.

بشارة على الطريق وسيُحضر معه مشروب معتّق من زحلة. يقول عبدو. يجيبه ناجي ببرود ودون اهتمام: “الطقس مش مناسب ابدًا … بعدين كتير عليك تشرب ببسي يا عبدو.. مافي مين يشيلك”.

بِعُرْفِ الصيّادين، هناك من لا يمكن له النجاح إلّا في فترة الصباح، وهناك المسائيّون، الّذين يفضّلون نهاية النهار حيث تكون الأسماك قد أُرْهِقَتْ من السباحة طوال النهار، فتتعلّق بأيّ فتات تجده سهلًا في المياه المنخفضة على الشاطئ. “المنافسة صعبة”، يعلّق عبدو على إسهاب ناجي الّذي يشرح فنون الصيد لابنة جارته مريم، الشابّة الجامعيّة الّتي اعتادت أن تبادله أطراف الحديث أثناء صعودها أو هبوطها لدرجات البناء.

يمتعض من تعليق صديقه الّذي يشي بنوع من السخرية، والهدف منه تذكيره بمجيء بشارة، صديقه اللدود. يبتسمان للشابّة الصاعدة لشقّتها، فيجمع ناجي أغراض الصيد في سلّته، يحمل سنّارته و يخرج من الشقة، دون أن ينطق بشيء. يتبعه صديقه بصمت.

النوارس تحلّق قرب المطار، وعلى مسافة قريبة من المرفأ، يختار ناجي بقعة قرب الصخور ويضع كرسيّه الصغير، ثم يفرد السنّارة بعد أن علَّقَ الطعم. سمعوا صوت بشارة الّذي اعتاد لقاءهم في نفس المكان، رافعًا حقيبة ظهر يمكن سماع صوت زجاجات المشروب تتصادم فيها. بحركة ثقيلة يحاول التلويح لهم باليد الّتي تحمل الحقيبة، تاركًا اليد الأخرى لرعشتها المصاحبة لحصار السيجارة بين إصبعيه.

“لا.. البقعة منيحة.. ولا نسيت غداء الأسبوع الماضي”، يقول ناجي لعبدو، لكنّ الأخير يصرّ على تغيير المكان، ليحصل على زجاجة من بشارة الّذي آثر الصمت حتّى لا يحسب عليه تدخّله لصالح عبدو كتسخيف لمهارات ناجي.

يجلس عبدو على الأرض، أمام ناجي و تحت قصبة السنّارة تمامًا، يضع الحقيبة أمامه، وبشارة بجانبه إل الخلف قليلًا. يرفع الزجاجة بعد أن فتحها و يضع قمّتها على شفتيه، يعبر طائر نورس كلمح البصر من أمامه، ثمّ يرتفع في السماء، يتابعه عبدو بنظراته، حتى يكاد أن يغيب، قبل لحظة دوي هائلة، تحصد الطعم من السماء.

***

شرفة

لم أكن متوجّسًا هكذا منذ أعوام، فدائمًا ما كنّا ننتظر الخراب ليتّسع، لكنّه يناور ثمّ يفاجئ، فلا يرغب بأن يكون ضيفًا تقليديًّا بقدر ما تحتمل المفاجآت متعة ولذّة لأسياد الموت.

كلّ شيء في المدينة محايد كما اعتدت عليه، رغم أنّ بيروت متشظّية بألوان الخصوم فيها؛ لم يكن يعنيني واقعها السياسيّ، لكنّ ظلال تلك الرايات والألوان لم تكن يومًا محايدة تجاهي، فمنذ وصولي قبل ستّ سنوات، بعد الحرب مع «داعش» في بلادي؛ كانت الظلال أكثر جرأة وحدّة وتحيّزًا.

تركت أخي ينهي عمل اليوم وخرجت قبل نهاية الدوام، لأنهي توثيق ولادة طفلي في السفارة. أمضيت معظم الوقت في الطابور الطويل، ثمّ عدت دون أن أنجز شيئًا؛ هذا يعني أنّني سأخسر المزيد من ساعات العمل لأطارد أشباح الأوراق الرسميّة في طوابير لا تنتهي.

سيكون عليّ تعويض الوقت الضائع من مناوبة الفترة الصباحيّة، لأجل أيّام لاحقة في السفارة.

سأمضي إلى المنزل لأتناول الطعام مع أخي وعائلتي، وألتحق بنوبة المساء لتعويض خسارة الصباح. كنت قد اتّفقت مع أخي الّذي يعمل معي في المرفأ، على أن نحاول العمل لعدّة ساعات إضافيّة في المساء، رغم أنّ العائد المادّيّ ضعيف، فمقابل كلّ ساعة عمل نحصل على أقل من دولار، وهذا يعني أنّنا بالكاد نحصل على ثمن الخبز وأجرة الطريق في أفضل الأحوال.

وجدت صديقي الّذي يعمل إطفائيًّا، يشارك أخي شرب الشاي، وكانا في انتظاري للبدء بتناول وجبتنا المتواضعة، إضافة لنوايا واضحة بهزيمة يرسمانها لي بلعبة «النرد».

انتهى امتلاء المعدة، وبدأت رقصات الحظّ على الطاولة. احتاج مجلسنا لنسيم منعش فنقلنا الطاولة إلى الشرفة الّتي تطلّ على شارع متواضع الأبنية. هزيمة تلو أخرى، بدا كلّ شيء ممكنًا في لحظات الحظّ الّتي سحقت رغبتهم بالسخرية من لعبي، لأنّني أفَضّل «الشطرنج» عادة، وهم يتمرّسون في رمي «النرد» وصوت النقرات المتقطّعة على الطاولة.

يشاركنا صديقي في تمضية الوقت حتّى يحين موعد عمله في المناوبة المسائيّة الّتي تبدأ في الثامنة، أمّا إذا كان لدينا عمل فنؤجّل اللقاءات القصيرة لموعد آخر.

شاهد أخي الدخان المتصاعد جهة المرفأ وفي ذات اللحظة رنّ هاتف صديقي، ليتمّ طلب حضوره في مركز الإطفاء الموكَل بمنطقة المرفأ. هذا جعلني في تحدّ أمام رغبة أخي بالانتقام منفردًا لهزيمتهما.

مضى صديقي إلى الشارع الممتدّ ليصل إلى ناصيته ويصعد بسيّارة أجرة لعمله، بينما كنّا نراقبه من الشرفة، طلبت منّي زوجتي الدخول ومتابعة اللعب في الصالة، لكنّ أخي أصرّ أن يكون انتقامه في أرض المعركة، لا في ساحة جانبية مع دعم أُسَرَيّ لا أستحقه.

نظرنا إلى الحريق وسمعنا أوّل انفجار، فأمسك أخي عن اللعب ثمّ قال: “خذ النرد وارمه. إذا كان الرقم واحد فهذا يعني أنّ انفجارًا أكبر سيحصل، أمّا إذا كان الرقم ستّة، فهذا يعني أنّ صديقك سيصل في الوقت المناسب وسيطفئون الحريق.”

حسنًا، لمَ لا، رميت النرد…

صحونا على رقم ضخم، تحت ركام شرفتنا الّتي سقطت بنا؛ لا أعرف كم كانت نتيجة «النرد»، ولم أكن لأعرف أنّنا كنّا ضمن احتمالاته الحمقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى