بأقلامكمعناوين ريسية

عن يد الاحتلال الممتدة إلى اقتصادنا من بوابة الثقافة

*وسام عبد الله

تتنوع صفات الاقتصاد الثقافي بين من يطلق عليه “الاقتصاد البنفسجي” ويعود به إلى عام 2011 في فرنسا حيث تمّ تعريفه بشكل واضح، أو من يصفه باللون “البرتقالي” ويعتبر أنّ كوبا واستثمارها في الثقافة هي أحد أبرز نقاط انطلاقه أو كون هذا اللون متعارف عليه بدلالته على الإبداع والهوية، ومع تعدد الألوان يبقى الجوهر واحد في التكامل بين الاقتصاد والثقافة، حيث يمكن للحالة الفلسطينية أن تشكّل لوناً مختلفاً في طريقة إنتاجه وتنميته.

الاقتصاد الثقافي

يشير الإسم إلى إلتقاء نوعين من القطاعات، الأول، اقتصادي بما يشمل من عملية إنتاج ومواد أولوية وتحويلها إلى سلعة وخدمة ليتمّ تسويقها داخل المجتمع وخارجه، والثاني، ثقافي يضم النتاج الفكري والفني والتراثي والحضاري للمجتمع بكل تجلياته المادية والمعنوية. وفي لقائهما، نصبح أمام عملية تحويل المجال الثقافي بكافة منتجاته إلى جزء من العملية الاقتصادية، ليكوّنا إحدى الركائز الأساسية لعملية التنمية المستدامة.

يمكن للاقتصاد الثقافي أن يشكّل عصباً أساسياً في عملية المقاومة من جهة، وتمكين المجتمع من جهة ثانية، ففلسطين تملك الإمكانيات، من الفنون البصرية والأداء والمسرح والموسيقى، لها مكتبة واسعة تمتد على كامل الأراضي المحتلة وفي مخيّمات اللاجئين، وهو ما يشمل أيضاً الصناعات الثقافية التي تُصنّف بأنّها إنتاجية كونها تقدّم سلعاً وخدمات، مثل نشر الكتب والصحف والأدب، وصناعة السينما والتلفزيون وحتى الراديو، ومع دخول الشباب الفلسطيني في عالم التكنولوجيا كوّن لنفسه أيضاً  مهناً ثقافية، منها الرسوم التوضيحية والمتحركة والمنصات الرقمية والتطبيقات والبرامج التفاعلية.

المنتج الفلسطيني والمجتمعات العربية

ما تزال الحكومات العربية لا تدرك بشكل كامل أهمية الثقافة في كونها مصدراً مهماً للدخل القومي في اقتصاد الدول، فهي حتى اللحظة تبقى ضمن التصنيفات المعتادة كمصطلح “الترف الفكري”، دون إدراك أهميته الاجتماعية والاقتصادية، وفي الحالات التي يتمّ ضخّ أموال هائلة تذهب باتجاه “تلميع” صورة الحكومات، إن كان عبر المهرجانات والنشاطات التي تبقى بعيدة عن العمل الثقافي الأصيل والمنتج، وإن كان  ثمة نتائج سوف تظهر في تأثير السياسات الثقافية في تلك المجتمعات فهي بحاجة إلى وقت طويل حتى تظهر آثارها على الأجيال الشابة.

المجال الثقافي واسع وخاصة مع دخول سنة 2003 مفهوم التراث اللامادي مع اتفاقية الأونيسكو، حيث حُددت عناصره، من الحِرف اليدوية إلى الفنون الشعبية والموسيقى والطعام وغيرها، نحن إذاً أمام مقومات موجودة في القرى والمدن الفلسطينية والعربية، وهي ليست بحاجة إلى نظريات اقتصادية، فنحن نتبادلها في حياتنا اليومية، من خلال المأكولات الفلسطينية الموجودة على الموائد العربية، أو اللباس الشعبي والتراثي، وهنا يمتد جزء من الاقتصاد الثقافي إلى العلاقات الإجتماعية، وما يتطلب من الدول هو استثماره وإصدار تشريعات تؤمّن صونه وتطويره لتحقيق استدامة للجهات المنتجة له.

الصراع الثقافي مع الاحتلال من بوابة الاقتصاد

من هواجس الاحتلال المستمرة هو الموضوع الثقافي، وخاصة في الترويج لمفهوم أنّ “إسرائيل” تشكّل عاملاً في التنوع الثقافي في المنطقة العربية، وبالتالي هي جزء “طبيعي” من النسيج المجتمعي، فالاعتراف بثقافة الكيان تحت شعار التعددية الثقافية يعني اعترافاً بالاحتلال ضمنا، والمدخل يكون عبر اعتبار أنّ البشرية قائمة على التعددية والتنوع الثقافي والحضاري، والقبول بهذا المبدأ يعني القبول بحقّ كل جماعة بالوجود والاعتراف بها، وهو ما يسعى العدو لتكريسه. وأكثر ما يدعو للاستغراب، هو تصديق أنّ المستوطين، بسلوكهم وثقافتهم التربوية، يمكن أن يقتنعوا بأن يعترفوا بحقّ الثقافة الفلسطينية بالوجود، من خلال حوارات معهم.

الصراع الثقافي والاقتصادي هو أحد أوجه القضية الفلسطينية، فحين يعمد الاحتلال إلى طمس هويتك البيئية من خلال اقتلاع أشجار الزيتون التي هي مكوّن أساسي في الاقتصاد الفلسطيني وعامل تراثي في الثقافة الفلسطينية، وبالتالي اقتلاعها من ذاكرة الأجيال ومنع استثمارها في صناعة الزيوت وبيع الزيتون، هذا نموذج واضح لمساعي الاحتلال لتدمير الثقافة الفلسطينية. واللاجئون من خلال سعيهم لتحويل ثقافتهم إلى عمل إقتصادي، هم يحافظون على مفهوم حقّ العودة، بالذاكرة والاستمرارية، كما يساعدهم في تأمين لقمة عيشهم الكريمة، فالسيدة الفلسطينية اللاجئة حين تصون تراث عائلتها بالتطريز الفلسطيني على الثياب، تؤمن بذات اللحظة مدخولاً لعائلتها.. والقائمة تطول.

*كاتب لبناني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى