كلمة الموقع

فتحي الشقاقي وصوابية النهج

د. محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

فتحي الشقاقي.. واحد من أبناء جيل فتح عينيه على نكبة شعب تكالبت عليه قوى الشر التي ربّت المشروع الصهيوني على عينها، وخذلته أنظمة زعمت في العلن أنّها مع فلسطين، وهي في الحقيقة كانت كأخوة يوسف الذين ألقوا أخيهم في الجبِّ وتآمروا عليه..
فتحَ فتحي عينيه على المخيّم، حيث يرحل الكبار بصمت يلفّه الحزن والقهر، ويكبر الصغار وقد ورثوا الألم والمعاناة أقسى ما يكون..
أين العرب؟! أين المسلمون؟! وما العمل؟
وما هو دور الفلسطيني في هذه المأساة، وماذا يجب عليه؟
ما هو دور الطليعة في تنظيم وتعبئة وتفعيل الشعب وتوجيه قواه وإطلاق إرادته؟
ما هو دور الإسلام في هذا الصراع الوجودي؟
وما هو دور الأنظمة العربية (أنظمة التجزئة والتغريب) في مصادرة واحتواء إرادة الفلسطيني وقراره لصالح وجود وتكريس المشروع الصهيوني في فلسطين، وإقصاء وعزل الجماهير عن وعي وفهم حقيقة هذا المشروع الذي يستهدف كل الأمّة..؟
في ذلك الوقت كانت هذه الأسئلة وغيرها تجول بحرقة وإلحاح في الذّهن الفلسطيني، وفي أزقّة المخيمات الضّيقة، وعلى مقاعد الدرس في مدارس (وكالة الغوث) … وتدفع الفلسطيني إلى كل السّبُل التي رفعت على مداخلها وعلى جنباتها شعارات التحرير والعودة وحلم الوحدة التي ستحمله إلى فلسطين..
وأصبح الحضور الفلسطيني بمثابة الجامع المشترك في ساحات العمل الحزبي والتنظيمي العربي وصار الفلسطيني كالملح في كل هذه الأطر..
في هذا المناخ المعجون بالوجع وتداخل الأفكار والأُطروحات كبُر فتحي، وكبُر الوعي والأمل وهو يرى مصر (عبد الناصر) وقد ملأت سمع الناس بالحديث عن مقارعة الاستعمار والوحدة العربية، والحريّة، والكرامة، وتحرير فلسطين، وهو ما أطاحت به حرب 1967 بضربة واحدة، ممّا دفع الشّاب فتحي للبحث عن ذاته في الإسلام لعلّه يجد فيه هذه المرّة الجواب الكافي والدواء الشافي، ولم تكن الساحة فارغة من مفاهيم ينسبها أصحابها للإسلام دون أن تكون فلسطين على قائمة أولوياتها، وكان هذا أصعب ما واجهه هذا الشاب الباحث المندفع، حيث لم يجد غير أن يشق طريقاً آخراً بعيداً هن هذا التوجّه، ليبني نموذجاً حديثاً في الساحة، يكون الإسلام وفلسطين ركنيه على أن يكون الجهاد هو الخط الواصل بينهما، والجسر الذي يحمل العابرين من الإسلام إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى الإسلام..
وكان عبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وعز الدين القسّام، علامات كُبرى تشير إلى هذا الخط الجديد كما كان علي شريعتي ومحمد باقر الصدر وسيد قطب وحسن البنّا مدداً ونماذج تصب فيه..
وفي الوقت الذي كان فيه الطالب الجامعي فتحي يحث الخطى ويسابق الزمن مع إخوانه جاءت الطعنة في الظهر من (السادات) الذي انسلخ من القضية الفلسطينية، وذهب بعيداً في العلاقة مع العدو..
وهو ما أحدث زلزالاً في الواقع العربي الذي كان متصدّعاً بالأساس…
وشاء الله أن يحفظ هذه القضية المقدّسة {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} فجاء الرّد سريعاً من إيران، حيث انفجر نور الثورة الإسلامية، ودوّت في الأرض صرخة الشعب الإيراني المسلم خلف قائده الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، فكانت بحق ثورة المستضعفين .. ثورة الإسلام.. ثورة فلسطين.. التي وجد فيها الشقاقي ضالّته التي طالما بحث عنها طويلاً.. وها هي تجيء حاضنةً لذات المشروع والنموذج الذي أراده، حيث الإسلام المحمّدي وفي القلب منه فلسطين القبلة الأولى، ومركز الصراع مع المشروع الصهيوني، العدو المركزي والتاريخي للأمّة، وحيث أكّدت الأيام على صوابية هذه الرؤية وهذا النهج.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى