كلمة الموقع

في ذكرى استشهاد ناجي العلي الصوت الذي لم يغب

ابراهيم أبو الليل

“من تكلّم قتلناه ومن صمت مات كمداً..” الحجاج بن يوسف الثقفي

ليست مفاجأة أن تطلق رصاصة إلى رأس ناجي العلي عام 1987 بعد وابل كبير من التحذيرات والتهديدات. والتهمة أنّه مسّ العديد من المحرمات، وأنّه استدلّ على عدد كبير من الأعداء واللصوص وتجار الدماء، الذين ينهمرون من كل مكان وفي كل زمان. فهو بوضوح شديد لم يعرف رفع الأعلام البيضاء، ولم يعرف لعبة الأقنعة التي كانت تخفي وجوهاً كثيرة مجافاة للحقيقة. كان يخلص في الدفاع عن القضية الوطنية، ويلملم بريشته أحزان شعب تقاسمته المنافي، حيث المثقف يبدأ بحياة الشعب الذي ينتمي إليه ولا يضعف أمام موائد الأمراء….

عرف البراءة منذ طفولته التي حمل أحلامها في قرية الشجرة حيث وُلد فيها قرب طبريا، وبعد أن قذف به الاحتلال الصهيوني إلى مخيم عين الحلوة في لبنان شعر بالرغبة في التعبير عن نفسه.

بدأ ناجي يشارك في المظاهرات والإضرابات، فتعرّض للقهر وذاق عذاب السجن. عاش حياة المخيم، وعايش تقلباتها بدءاً بوحل الشتاء وغبار الصيف، وصولاً إلى معاناة شعبه التي صقلت وعيه. واجه الظروف القاسية في الكويت وقاوم إغراءات المجتمع الاستهلاكي الذي غرق فيه الكثيرون ممن فقدوا الإحساس بالواجب. كان يشعر أنّه مدين لأبناء شعبه الذين حمل ملامح طفولتهم، فولدت شخصية حنظلة التي وجد فيها الصفاء، وعمق الأخلاق، وروح الطفولة التي لازمته وحرسته من الضياع والانزلاق في مستنقعات الحياة الاستهلاكية كي لا يبتعد عن فلسطين، وقد قطع العهد على نفسه: “أنا حنظلة من مخيم عين الحلوة، وعد شرف أن أظل مخلصاً للقضية وفيّاً لها”.

حمل ناجي العلي عدته في حقيبة السفر إلى الوطن، فكان كالطيور إن هاجرت يسكنها حنين العودة، لأنّ المنفى بالنسبة له موت من نوع آخر. قرأ الحزن في عيون الفقراء المقهورين، فلجأ للرسم الذي يحقق توازنه الداخلي كي لا يموت كمداً وقهراً، فتجده يمسح الدمعة عن عين امرأة ثكلى، ويزيل الدم عن وجه جريح محاصر، أو يزرع الابتسامة على شفتي طفل لم يزل ينتظر أباه الذي ذهب إلى المعركة ولم يعد.

ناجي العلي فنان ملتزم، حاول تجسيد الحزن الذي يعتبر عنده من أنبل المشاعر الإنسانية. فقد حرّك مشاعر شعبه وصادر قلوب الملايين في الوطن العربي. إنّه رمز وموقف أيديولوجي، ينحاز للفقراء والمضطهدين، ويهاجم أعداء الإنسان والحرية والوطن.

الرسم عنده لغة يخاطب بها الناس، ليس للترفيه والضحك بل للنقد وتعرية الحياة. والكشف عن عيوب المجتمع والتبشير بالأمل والثورة.

يشعر أحياناً أنه بحاجة إلى التعليق على الصورة لكي يركّز على الفكرة التي يريد إيصالها للناس، ولو على حساب فنية الصورة، لأنها انعكاس لحياة الفقراء، فهو لا يعتبر القارئ متفرجاً وإنّما يراه عنصراً فاعلاً في قلب الحدث.

إنّه كالطير الذي يغرّد خارج السرب لأنه لا يحب المواقف الرمادية، فهو يقسم الأمور إلى أبيض وأسود وإلى وطني ومرتد، ويذود عن صدق الفن وأصالته، ولا يرى فيه تكتيكاً لسياسة مرذولة. كان يبحث دائماً عن نهج جديد لا يسمح بتفريخ المساومة والارتزاق، وكان يشهر ريشته في وجه النسيان كي لا يحتاج ذاكرة المقهور ويجعله عبداً، همّه الأول الكشف عن الذين يقتلون الحياة ويفضحهم.

رسومه حيّة تنبض من وجدان الشعب وتختزن آلامه على مرّ السنين. تتجدّد مع كل حدث وكأنها تحكي أوجاع العرب اليوم. لقد أصبحت تمثّل ضمير هذا الشعب.

جسّد ناجي العلي النقد في رمزين هما “البندقية وغصن الزيتون”. فنجد فاطمة وطفلها إلى جانبها تمتشق بيدها بندقة وفدائي يلف رأسه بكوفيه. وهو يتأهّب ليرتدي حذاءه استعداداً للمعركة. ويدوس غصن الزيتون بحذائه لأنّه لا يوافق على إلقاء السلاح ولا يرضى الاستسلام أبداً، كان يرفض النزعات القطرية ويؤمن بقومية القضية، فلا يحق لأحد المساس بها، والشعب هو الممثل الشرعي لها.

كان يعارض تقديم التنازلات، ويريد الوطن بلا مساومة، فالمعركة واضحة جداً، ومهمته الإعلان عن الحقيقة.

ناجي العلي ابن مخيم بامتياز، رسام متقشف ورجل جلود، عفوي في مخاطبة الناس، نهض من قاع المخيم الذي عاش فيه حياة وطنية حيكت بخيوط النكبة السوداء.

منسجم مع رموزه الذين يتعامل معهم، لأنهم مثله أشخاص بسطاء وعفويون، فقد ارتبط بالتراث الثقافي والشعبي لأبناء وطنه، واستخدم في رسوماته الأمثال الشعبية والحكايا والأساطير.

شخصياته مألوفة للناس في الشارع والمخيم. في مسيرته الطويلة نجد فاطمة المرأة الصابرة التي رافقته مدى الحياة، امرأة واعية مفعمة بالحب.. فيها عطاء الزوجة وتضحيات الأم، ترتدي الثوب الفلسطيني وتقاوم الاحتلال، تقذفه بالحجارة ولا تأبه الموت، وأحياناً تتّشح بالسواد لتكون من جنوب لبنان، تشهر سلاح الكرامة في وجه جندي صهيوني أثناء الحصار، أو تلقي اللعنة على أمريكا وسط بيوت الصفيح في عين الحلوة، ونجدها تتسلّم حفنة من الطحين لتعجنها بدموعها وتخبزها على نار كوخها الذي يحترق من جراء القصف الصهيوني، تقدّم الرغيف لصغارها وتحتفظ بنصفه الآخر للأيام السوداء، وتظل هي جائعة خوفاً على الأطفال، ونجدها عبثاّ تتمسّك بقطعة قماش بيضاء. تحاول انتزاعها من بعض الزعماء المتخاذلين الذين يريدون أن يصنعوا منها علماً أبيض معلنين استسلامهم، بينما هي ترى أن تصنع منها كفناً لأخيها الذي تنتظر استشهاده. إنّها رمز المرأة العربية الأصيلة.

إلى جانب فاطمة تجد زوجها الفدائي “الرجل الطيب” متحرك في ربوع الوطن العربي، له صفات مختلفة وأسماء عديدة فهو أبو حسين وأبو قاسم ومارون ومحمد، هو المقاتل والعامل وهو الأسير والجريح يكره التفرقة والانقسامات، يحب الصراحة ولا يثق بالحكومات والأنظمة الرجعية، كان يشعر دائماً بالخوف من الموت بعيداً عن فلسطين، إنّه أمل العودة الذي يمثّل أحلام العديد من أبناء الوطن العربي.

منذ أن بدأت رحلته الشّاقة، ارتبط ناجي العلي بروح حنظلة، الذي ولد في العاشرة من العمر، وسيظل في هذا السن إلى حين عودته للوطن، ثم يأخذ بالكبر.

حنظلة طفل فقير.. حافي القدمين بلا عنوان … اسمه مشتق من طعم المرارة… لا تنطبق عليه قوانين الطبيعة لأنه استثناء مثل الوطن المفقود… اختاره ناجي أيقونة له تحفظه من الضياع، لأنه إنسان عربي واعٍ … وجهه مألوف يشارك في كل الأحداث، يقف صامتاً يتأمل في خلق الله صابراً وشاهداً على الزمان. حمل “الكلاشنكوف” منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية ثم عقد يديه وراء ظهره بعد عام 1967، احتجاجاً على مسيرة الاستسلام في المنطقة لأنّه لا يريد التآمر على القضية. وكان يطلق يديه عندما يريد أن يرجم الأعداء أثناء الانتفاضة مع أطفال فلسطين، فنجده يلقي الحجارة على جندي صهيوني حمل بيده الثانية لوحةً كتب عليها الحكم الذاتي وبيده الأخرى هراوة لقمع الرافضين للمشاريع التصفوية، أو يندفع فرحاً ليستقبل العلم الفلسطيني وقد حملته قبضة شقّت الصخر وانبثقت كالنبتة من باطن الأرض، ونجده يشهر سيفه ويضع نفسه موضع من رأى منكراً ليغيّره بيده لأن قلبه ضاق عن فعل أضعف الإيمان. وتراه يتلقى رجلاً سقط وهو يصرخ لا لكاتم الصوت أو يظهر ابتسامة عريضة فرحاً بموت السادات.

طفل صغير حنظلة… كثير العطاء والمروءة حنظلة… يعرف كل الاجتماعات والثرثرة والمناقشات، يسخر من المفاوضات ولا يثق بالأعداء، فتراه يقف جانباً يرقب المأساة العربية والأعلام الأمريكية وبراميل النفط، ويرقب المهزومين والمتكرشين ورموز الاستبداد، إنّه شاهد العصر الذي لا يموت..

دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبداً، فهو صوت الفقراء وضمير المظلومين ورمز الناس البسطاء. لقد وُجد حنظلة ليحيا ويشكّل استمرارية لناجي بعد موته.

لقد رافق ناجي العلي في مسيرته الفنية كثير من الشخصيات المناضلة والمكافحة وحشود من الجائعين والمحرومين والمطاردين، كما رصد الحكام والتجار والانتهازيين والمرتزقة الذين كانوا يتربصون به شرّاً،  فقد عرف مبكّراً معنى كلمة “القنص” وكان يجدد أحلامه كل يوم قبل أن يبخرها الزمن، الخير عنده هو الحلم والبراءة وكل شيء نقي، أمّا الشر فكل شيء يدمر الحلم ويولد التعاسة، مثل “إسرائيل” وأمريكا والرجعيات العربية.

اعتبر أنّ كل من يرسم لفلسطين هو في خندق المواجهة مع العدو الصهيوني، فقد أنشد قصيدة بلسان حنظلة جعل عنوانها “لا تساوم ارسم وقاوم”.

ناجي العلي مثقّف صادق، لم يرفع الصوت إلّا ليدافع عن شرف رفيع وكرامة اثيلة، عبارته خشنة وريشته لا تعرف المساومة، كان بتحسس مصلحة الشعب والوطن ويرفض النجومية والولاء.. ولا يقدّم المديح لأحد.. كان يعرف أنّه سيدفع روحه ثمناً لموقفه، فهو يقف دائماً على حافة الهاوية. أظهر ذلك في لوحة كتب عليها مطلوب حيّاً أو ميتاً، وعندما وُضع أمام خيارين، التخلّي عن موقفه أو الموت، رفض التخلّي عن موقفه واختار موته في لوحة كتب عليها “فلسطين بلادنا” ، ربطوا يديه… ردّدها بفمه فكمّوا فمه… ردّدها في عقله… أطلقت على رأسه ثلاث رصاصات فوقع على الأرض، وتابع حنظلة كتابة العبارة حيث ظلت يد الغدر والحقد تلاحق ناجي العلي حتى قضى شهيداً في لندن، وترك حناظلة فلسطين في كل الوطن العربي يتابعون  المسيرة ولا يزال جرحه مفتوحاً.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى