تقاريرعناوين ريسية

في ذكرى المذبحة: صبرا تُغطي صدرها العاري بأُغنية الوداع

لا يستطيع المرء أن يتذكر مجزرة صبرا وشاتيلا التي تمر ذكراها اليوم من دون أن يذرف النشيد والألم، ومن دون أن يتذكر قصيدة محمود درويش عن المأساة، وهل ثمة مأساة أشد فظاعة من تلك التي استتيقظ عليها سكان مخيمي صبرا وشاتيلا اللذين يقعان جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. كانت رائحة الموت تملأ الأرجاء، فيما ظل الناجون يرددون: “صبرا تخافُ الليل. تسندهُ لرُكْبتها. تغطيهِ بكحلِ عيونها”.
في ذلك اليوم، يقول درويش في “مديح الظل العالي”:
“رحل الرجالُ إلى الرحيلْ
والحرب نامت ليلتين صغيرتين،
وقدَّمَتْ بيروتُ طاعتها وصارتْ عاصمَهْ….
ليلٌ طويلٌ
يرصدُ الأحلامَ في صبرا،
وصبرا نائمهْ
صبرا بقايا الكفِّ في جسدٍ قتيلٍ
ودِّعتْ فرسانها وزمانها
واستسلماْ للنوم من تعبٍ، ومن عَرَبٍ رَمَوْها خلفهم
صبرا – وما ينسى الجنودُ الراحلون من الجليلِ
لا تشتري وتبيعُ إلاَّ صمتها
من أجل وردٍ للضَّفيرهْ
صبرا تغني نصفَها المفقودَ بين البحرِ والحربِ الأخيرهْ:
لمَ ترحلونَ
وتتركون نساءَكم في بطنِ ليلٍ من حديدِ؟
لمَ ترحلونْ
وتعلِّقون مَسَاءَكُمْ
فوق المخَّيم والنشيدِ؟
صبرا تُغَطِّي صدرها العاري بأُغنية الوداعْ
وتَعُدُّ كفَّيها وتخطىءُ
حين لا تجد الذراعْ:
كَمْ مرةً ستسافرونْ
ولأيِّ حُلمْ؟
وإذا رجعتم ذات يومْ
فلأيِّ منفى ترجعونَ،
لأيِّ منفى ترجعونْ؟
صبرا – تُمَزِّق صدرها المكشوفَ:
كم مَرَّهْ
تتفتَّحُ الزهرهْ
كم مرَّةً
ستُسافر الثورهْ؟
صبرا تخافُ الليل. تسندهُ لرُكْبتها
تغطيهِ بكحلِ عيونها. تبكي لتُلْهيهِ:
رحلوا وما قالوا
شيئاً عن العودهْ
ذَبلوا وما مالوا
عن جمرةِ الوردهْ!
عادوا وما عادوا
لبداية الرحلهْ
والعمرُ أَولادُ
هربوا من القُبْلَهْ.
لا، ليس لي منفى
لأقول: لي وطنُ
الله، يا زَمَنُ….!
صبرا تنامُ. وخنجرُ الفاشيِّ يصحو
صبرا تنادي … مَنْ تنادي
كُلُّ هذا الليلِ لي، والليلُ ملحُ
يقطع الفاشيُّ ثدييها – يقلُّ الليلُ
يرقص حول خنجرهِ ويلْعَقُهُ. يغني لانتصار الأرْزِ موالاً،
ويمحو
في هدوءٍ… في هدوءٍ لحمَها عن عَظْمِها
ويمدِّدُ الأعضاءَ فوق الطاولَهْ
ويواصل الفاشيُّ رقصَتَهُ ويضحك للعيون المائلَهْ
ويُجَنُّ من فرحٍ وصبرا لم تعد جسداً:
يُرَكِّبها كما شاءتْ غرائزهُ، وتصنعها مشيئتهُ
ويسرق خاتماً من لحمها، ويعودُ من دمها إلى مرآتِهِ
ويكون بحرُ
ويكون – برُّ
ويكون – غيمُ
ويكون دَمْ
ويكون – ليلُ
ويكون – قتلُ
ويكون – سبتُ
وتكون – صبرا
صبرا – تقاطُعُ شارعيْنِ على جَسَدْ
صبرا – نزولُ الروحِ في حَجَرٍ
وصبرا – لا أحدْ
صبرا هوية عصرنا حتى الأبدْ…”.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى