شخصية الأسبوععناوين ريسية

في ذكرى ميلاده.. 9 نيسان (أبريل) 1936..

في 25 حزيران 1966، بدأت مجلة الحوادث الأسبوعية في بيروت بنشر رواية «الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك» لغسان كنفاني (9 نيسان 1936- 8 تموز 1972). تسع حلقات متتالية شكَّلَت نوعًا جديدًا من الأدب المختلف للكاتب الفلسطيني الملتزم بقضيته، واللواء الفكري المسلَّح كما وصفته غولدا مائير بعد اغتياله.

في البداية يتبادر للذهن أن ليلى الحايك هي إحدى المناضلات الفلسطينيات التي يُجسِّد كنفاني قصَّتها. لكن، مع تتابع الصفحات، نجد أنفسنا أمام رواية تدور أحداثها حول محامٍ مشهور يُتهم بقتلِ عشيقته، فيُفضِّل الصمت وعدم الدفاع عن نفسه.

الرواية في شكلها بوليسية، إلا أنها في المضمون لربَّما تكون روايةً قضائية، ونوعاً لم نألفه في أعمال كنفاني من دون أن تبتعد عن روحه الثورية المشاكسة. إذ أن العالم الذي حبكه يتمحور حول حرِّية الفرد، والقضايا الوجودية الإنسانية التي يواجهها الفرد في حياته، مثل الحب والزواج والخيانة الزوجية، والعدالة الانسانية المنقوصة، التي تحكم على الفرد من خلال القانون والعُرف البشري القاصر، والمبتعد كُل البعد عن المفهوم الأساسي للعدل والإنصاف.

ينظر القضاء للأدلة الظرفية والقوية التي يتم جمعها من مسرح الجريمة، ولا يهتم للانفعالات البشرية والمصادفات، فتصبح الجريمة وفق الحكم القضائي عليها بالنسبة لكنفاني مسطَّحة تعتمد على البراهين والدلائل، وتُسقِط الجانب الإنساني في كثير من الأحيان. فيُعرِّف الجريمة على أنَّها سلوك ذاتي، يرتكبها الفرد في بعضِ الأحيان دونما تخطيط، بينما العدالة تلجأ للانتقام، وتخطط لوسيلة الانتقام، فهل العدالة اجراء انتقامي؟ هذه مفارقة صعبة تجعل العدالة الإنسانية شيئًا وهميَا، وغير قابل للتحقق.
لماذا لا يقبل القانون الغضب، ويعمد في المقابل إلى استعمال أدوات الغضب لفرض سطوته؟
الكاتب الذي عوَّدَ قراءه على الأدب الملتزم (سرير رقم12، أرض البرتقال الحزين، رجال في الشمس، أم سعد)، نراه ينفض الغبار عن المسكوت عنه في المجتمع، فيعرّيه ويفضحه، ويأخذ كل الإشكاليات التي طرحها في البداية، ليحاكم الواقع المتناقض للمجتمعات التي يحكمها القانون والعرف، والنفاق الأخلاقي والاجتماعي، وهي من الأسس والثوابت غير القابلة للمس.
أتت الرواية لتكشف وعيًا سرديًا جديدًا وخبرةً تقنيةً عالية، ولتعكس شفافيةً وواقعية خلقا عالمًا من الفانتازيا والطرافة في بعض الأحيان، فهي لا تفرق بين الظاهر المثالي، والمُخبأ المُشين بنظر المجتمع، والذي يُفعَل في السِّر، حتَّى لو كان هذا المُخَبَّأ فعلًا إنسانيًا وأخلاقيًا صحيحا.
هي رواية وجودية بمضمونٍ قضائيٍ وصِبغَةٍ بوليسية، ينتقد فيها كنفاني الأوضاع الاجتماعية ويمتنع عن الاعتراف بشرعية وقيود القوانين المفروضة على الأفراد.

من خلال محاكمة صالح، يقوم بإعادة بناء مسرح الجريمة من زاوية المُتَّهَم، رافضًا كُلّ المقولات المُسلَّم بها في العُرف، والتي يُعتَبَر المَس بها من المُحرَّمات، فيلتزم الصمت خلال التحقيقات والمحاكمة، وحتى بعد النُطق بحُكمِ الاعدام، حتى لا يُسيء لزَوجَتِه وعشيقته.
لم يهتم كنفاني بالبحث عن القاتل الحقيقي لليلى الحايك، إلا أنه نصب محكمةً أدبية للقضايا الإنسانية الكبرى، فالزوجة بالنسبة له قيمَةً اجتماعيةً رائعة، والمُتَّهَم يمتلك بُعدًا انسانيًا لا يستطيع القانون والقضاء اغفاله، والنظر اليه بشكلٍ مُجرَّد كمجموعة من الأدلة والبراهين أمر مرفوض. في المُقابِل، على هذا الفرد أن يَتَحَمَّل مسؤوليته بشكلٍ كاملٍ تجاه الحُريّة الممنوحة له.
«كانت القضية كُلّها قبل أن يكتشفها القضاء، وبعد أن أصدَرَ حُكمَهُ فيها، فوق قُدُراتِنا جَمِيعًا، ووراء مَنطِقِنا، ولذلك قَضَيتُ كٌلُّ دقائِقِها صامِتًا كما تعلمون».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى