تقارير

في غزة.. روائيون محاصرون ورواياتهم تحلق بأجنحة تكسر الحصار

منذ آخر رحلة سفر له إلى أذربيجان، حيث شارك في مؤتمر “حوار الثقافات والحضارات” عام 2013، يعاني الكاتب والروائي الفلسطيني يسري الغول حصارًا داخل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ نحو 15 عامًا.

ليس سهلًا على المبدع أن يعيش مثل هذا الحصار الجائر الذي يجعله يواجه عزلة حادة تفصله عن العالم الخارجي، وتمنعه من مواكبة الأنشطة الأدبية والثقافية، كما يقول الغول للجزيرة نت.

مبدعون بلا أجنحة

وبينما الغول محاصر في غزة للعام التاسع على التوالي، فإن كتبه من روايات ومجموعات قصصية تجوب عواصم عربية وغربية، ويقول بكلمات ممزوجة بالفخر والحسرة “أنا مقيد هنا، بينما كتبي تسافر في أرجاء الكون، ولا يكاد يخلو معرض من مؤلفاتي”.

وللغول روايتان و6 مجموعات قصصية، وقد ترجم كثير من أعماله إلى لغات عدة، آخرها اللغة الهندية، ونشرت له مؤلفات في مجلات أدبية مرموقة في أنحاء العالم.

الغول لاجئ من مواليد مخيم الشاطئ في غزة عام 1980، نال جوائز محلية ودولية، أبرزها جائزة فلسطين للقصة القصيرة عام 2002، وجائزة عماد قطري للقصة القصيرة عام 2013.

والسفر في نظر الغول هو “بوابة التواصل مع الآخر خارج حدود غزة الصغيرة والمحاصرة”، ويقول “في غزة كثير من المبدعين المغيبين عن المشهد الثقافي العربي والعالمي بسبب الحصار والقيود المفروضة على حركة السفر والتنقل”.

وبسبب هذه القيود لم يتمكن الغول مؤخرا من السفر والمشاركة في “برنامج الكتاب العالمي” في الولايات المتحدة الأميركية، ومعارض للكتاب في عواصم عربية.

ليس السفر خارج فلسطين ما يعانيه الغول وأمثاله من الروائيين والمبدعين في غزة، بل التنقل أيضًا بين غزة والضفة الغربية، ويقول الروائي المقيم بغزة إن محاولات حثيثة من وزارة الثقافة الفلسطينية باءت بالفشل، لتأمين حصوله على تصريح من سلطات الاحتلال يتيح له الوصول إلى رام الله للمشاركة في فعاليات معرض الكتاب، وملتقى القصة القصيرة، الشهر الماضي.

ويجزم الغول بأن الحصار ومثل هذا الواقع المرير في غزة “يدمر الكاتب”، ويضيف “بسبب هذا الواقع، فإن أعمالا إبداعية تبقى مغمورة وحبيسة الأدراج من دون أن تتوفر لها الفرصة للخروج إلى النور”.

قفز فوق الحصار

لكن البعض قفز عن الحواجز التي خلفها الحصار، وتجاوز المعوقات، إيمانًا بأن “الحصار هو حصار العقل، وأن الفكر لا يمكن حصاره”، حسب الغول.

وتابع الغول “كانت التكنولوجيا الحديثة من وسائل اتصال ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي سبيلًا لمبدعي غزة لتجاوز معوقات الحصار وقيود الحركة والتنقل، من أجل المحافظة ولو بالحد الأدنى على التواصل مع العالم الخارجي”.

واللجوء إلى هذه الوسائل، برأي الغول، هو تعبير عن إرادة المبدع الفلسطيني كي لا يستسلم للواقع، لكنه لا يغني عن حق أي إنسان بالسفر، والمبدع بحاجة أكبر لهذا الحق، فمعاينة الأشياء والأماكن ولمسها واكتشافها عن قرب تمنح العاملين في حقول الإبداع المختلفة مزيدا من القدرة على إنتاج متميز.

ولذلك، فإن طقوس الكتابة لدى المبدعين في غزة تختلف عن أقرانهم في العالم، ويقول الغول “الكاتب في غزة يعاني ويلات مركبة ناجمة عن الحصار الكبير، فهو يبدع في ظل أزمات تتعلق بنقص الكهرباء، والفقر، وخصومات الرواتب، وضغوط نفسية جراء الحروب المتكررة”.

وكانت للغول، وهو عضو في لجان تحكيم ثقافية محلية وخارجية، مبادرات هدفها إحياء الحالة الثقافية في غزة، والتغلب على بعض معوقات الحصار، فأسس “تجمع قرطبة الثقافي”، وأطلق مبادرة “شغف” الثقافية لتبنّي المواهب الشابة وتدريبها على الكتابة الإبداعية.

أزمات مركبة

ويتفق صاحب رواية “لغة آدم” الدكتور حسن القطراوي مع الغول في ما ذهب إليه من تأثير الحصار وقيود السفر على المشهد الثقافي في غزة، فيقول إن “المبدعين من روائيين وشعراء وكتّاب ومسرحيين وغيرهم يتأثرون بالعوامل السياسية والاقتصادية المعقدة في هذه البقعة الصغيرة من العالم”.

ولا تقف حدود التأثر السلبي في رأي القطراوي عند حد صعوبة السفر والتنقل على مستوى الأفراد، بل تتعداها إلى المنتج الأدبي نفسه، فالكتاب محاصر أيضًا، ويعيش ويلات الحصار مع كاتبه، حيث الشحن من غزة وإليها يمر بظروف صعبة ومعقدة بسبب قيود الاحتلال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى