قصائد كولومبيّة عن فلسطين

ننشر مجموعة قصائد مترجمة لأربعة شعراء وشاعرات كولومبيّين: مونيك فقّوس، وإليانا مارون، وأولجا شمس الحاجّ (ميرا ديل مار)، وخوان مانويل روكا. جميعهم من أصول عربيّة، باستثناء الشاعر الأخير، روكا، الّذي يُعَدّ أحد أكبر شعراء كولومبيا وأمريكا اللاتينيّة المعاصرين.

أغلب القصائد من كتاب المختارات الشعريّة «عطر الزيتون»، الصادر هذا العام في الإكوادور، عن الجمعيّة الفلسطينيّة الإكوادوريّة.

مونيك فقّوس

شاعرة كولومبيّة من أصل فلسطينيّ، (1964 – )

– I –

إلى أجدادي،

المهاجرين الفلسطينييّن

أغلق عينيك

ربّما للحظةٍ

لا تهمّ الحياة،

لا تهمّ السنوات،

ولا تبعاتها الغريبة.

انظر داخلك،

ربّما تنعم لوهلة

بلذّة أن تبقى

ولا يكون عليك السير

بين الحشود

لكيلا تسمع وقع خطواتك.

أغلق عينيك

واحفظ كلّ زرقة الليل

أو خضرته.

في الخارج ضباب

وذئابٌ متربّصة.

أنصت إلى المطر

بقي القليل من الأشياء الجميلة

سيصبح العالم أسوأ

وربّما يكون الباب للحظةٍ

ذلك الدرب

الّذي تجد فيه الوطن.

تذكّر أنّك فرعٌ عمره آلاف السنين.

لا تنسَ أن تحمل فوق ظهرك

وصاياك.

يمكن أن تصل إلى الفردوس.

أغلق عينيك.

لقد وُلِدْنا خاسرين شيئًا.

تُمْسِك بنا خيوطٌ رفيعة.

من ورائك

صليب أفكارك

كسرب طيور.

انظر داخلك.

ربّما للحظةٍ

تسمع الصوت الإلهيّ

وتسلّم نفسك لمنفاه الطويل.

– II –

إلى محمود درويش

حين الرحيل

لا تنس أن تراجع

البيت.

فهو كلّ ما يمكنك

حمله.

بارك نفسك

وأغلق الباب.

هو الشيء الوحيد الباقي:

النظرة الأخيرة

بعد منفًى طويل.

– III –

قلبي

هو أكثر البلدان خرابًا.

– جيسيبي أونجاريتي –

نستهلك أنفسنا

نرى ذلك من بعيدٍ

ولا شيءَ في أيدينا نفعله.

من كثرة ما نظرنا إلى أنفسنا

في شغف الأمس

نستهلك أنفسنا.

ما أقربنا

– أشتاق العود الساحر –

انظر في عينيك ترَ العطش.

نعيم البال قليلٌ أو لا شيء.

أن نكون دون أن نكون

هو نفسه

أن نكمل عطشى.

نستهلك أنفسنا

نرى ذلك عن قرب،

نَمَتْ فراشاتنا

ولا شيءَ لنفعله.

ربّي يا ربّي!

كان كذبةً،

كان كذبةً وجودك!

-VI-

تستطيع أن تتغطّى من كلّ شيء

إلّا من الزمن.

– أدونيس –

إنّني أنا.

يحاول الجميع تمجيدي.

وقد نَسَوْا أنّ شفاههم

كانت رصاصاتٍ ترميني.

انفتحي يا سماء

اكشفي لي اللغز

امنحيني تاريخًا جديدًا

وليكن ما يأتي من الأحشاء

داميًا.

تنفّس ببطء

كأنّ شيئًا ينقصك

دائمًا.

كذبةٌ أنّ الوقت يمرّ.

إنّك أنت مَنْ يتوقّف.

لا أريد من الحياة سوى القليل:

أسبابًا للكتابة.

كلّ ما أفكّر فيه

شِعْر.

الموت قبل النسيان.

أن أزفر القصيدة

الّتي تنزفني.

-V-

يصلح أيّ يومٍ للموت

إلّا اليوم.

تَسْرِق منّا الحياة منذ زمن.

الحياة على الحافّة

هي الموت.

يومٌ آخر.

ما من شيءٍ نخسره.

مِنَ الأرض الموعودة

لن تُنْقَذ.

اكبح رغباتك المدرّعة

في أن تكون من جديد

ما لم تَعُدْه.

يصلح أيّ يومٍ إذن

للاشيءَ سوى

تأمّلك ذاتك

في مساحةٍ منذ زمنٍ

لا تحيطها.

عانق ظلّك.

يخرج المولود من بطن أمّه

ملطّخًا.

اسند الجدران

الّتي تستريح عليك.

أيّ يومٍ

ربّما

بعد كلّ شيء.

إليانا مارون

شاعرة كولومبيّة من أصول لبنانيّة، (1963 – )

أبناء الشتات

إلى سلالة مارون الغصين:

إسحق بن مارون الغصين،

بشارة بن إسحق، ونسيم بن بشارة

يوسف بن نسيم،

نرسيس بن يوسف،

إلينا بنت نرسيس،

سُلَيْمَة بنت إليانا.

هكذا يقول إسحق لسلالته:

اسمعوا صوت دمكم

الّذي يقدّم إليكم

عصارة أشجار الأرز قربانًا

وازرعوا بذرة الأصبحة

على ضفّة الأنهار في الأراضي الجديدة

افتحوا عيونكم جيّدًا

لتنظروا بعينٍ إلى الشرق

وبالأخرى إلى الغرب

وبعد أن تَرَوْا كلّ شيء،

ستستطيعون بلا شكّ

أن تفهموا كلّ شيء.

حين تصلون، انحتوا في ألوانٍ من الفخّار هذه الكلمات

ومرّروها على النار

واجعلوها في قصور المدن

لكي يكون لكم في العالم الآتي

شيءٌ يحمل ذكرياتكم.

أيّ زهورٍ ستبقى للنحل؟

بينما تجري دماء الأطفال

على أراضي سوريا وفلسطين

نسير نحن

كأشباحٍ مُتَرَّبَة في المدن

نعيش على عجلٍ، لكن دون ذاكرة.

سينسى الشروق ساعته،

ولن تبقى زهورٌ للنحل،

جميعًا سننسى الربّ

وهو كذلك لن يذكر أسماءنا،

وهكذا لن يتعرّف علينا أحد

ستبقى أيادينا صحراءَ

من الزهور والسنابل،

والهواء بلا أصواتٍ ولا أناشيدَ،

ولا أجنحةٍ، ولا طنينِ النحل.

سنُجْبَرُ حتّى الموت

على أن نخلع عيوننا،

وأن ننزع من الأحداق كلّ تلك البشاعة

ولن يمكن.

لا بدّ من أن يكون الذنب والخزي أبديَّيْن.

أولجا شمس الحاجّ (ميرا ديل مار)

شاعرة كولومبيّة من أصل لبنانيّ، (1922 – 2009)

مهاجرون

تركوا إلى جوار البحر

أرضَ الأرز والزيتون

وحلاوةَ أرض الكروم

هجروها

لنار أمريكا.

جلبوا في شفاههم

طعم المِسْتَكَةِ،

وعطر دخان النارجيلة

في أعينهم،

حتّى أنّ السفينة كانت تضيع بين الأمواج

تاركةً وراءها حجارة بيروت،

والوادي الحبيب إلى جوار التلال،

مآدب النبيذ حول المائدة

مستلقيةً في الصيف

تحت السماء المزيّنة.

غيّر البحر اسمه

مرّةً بعد مرّةٍ بعد مرّة

حتّى وصل أخيرًا إلى الضفّة الملتهبة،

حيث هبّات الطيور المسرعة

تصبغ الوقت بألوانٍ وموسيقى مفاجئة،

ودويّ الأنهار يحاكي زئير

أسود الجبال والنمور

المختبئة في الغابة.

أقاموا البيت على الضفاف وفي الجبال

كما أقاموا الخيمة من قبلُ في الواحات الخضراء

وحينئذٍ تبدّل الجدّ البعيد والكلمات القديمة

بالكلمات الجديدة

لتسمية الأشياء،

وعرفوا أن يتقاسموا قلوبهم بسخاءٍ

كقربة الماء في عطش الصحراء.

أحيانًا حين يرنّ عود الذكرى

وتلمع أولى النجوم

على المساء،

يذكرون ذلك اليوم

في «لِبْلادْ» الّذي أخذ ينمحي

وراء المدى.

خوان مانويل روكا

شاعر كولومبيّ، (1964 – )

أغنية فلسطين

لقد رأيت وردةً تشبه منقار الطوقان.

ورأيت طفلًا يعزف الكمان في الحديقة.

ورأيت الريح تعبر مرتديةً أشجار الجوز.

لكنّني اليوم لا أستطيع الحديث

عن شيءٍ آخرَ غير زهرة الدم البيروتيّة،

والطفل البيروتيّ الّذي لا وجه له،

والريح الّتي ترتدي أردية النحيب.

في كلّ صمتٍ يختبئ رجلٌ فلسطينيّ.

تطول الطريق إلى بيتي

لأنّني حين أسير إليه

أذكر أنّ مركزي في فلسطين.

وإن قال لي أحدٌ إنّ فلسطين لا توجد،

فإنّ مركزي إذن منثورٌ في العالم،

هناك، حيث لا خريطة، هناك في الحلم.

Exit mobile version