قصة

كاتب يكتب نفسه

اشتعل فكتب الرائع، صفقوا له ولم يدمعوا، فانطفأ مُلمِّحا إلى أنه يكتب للنبض والاشتعال، غار كالماء، سيتفجر في أرض تعرف للنبض أسمى المعاني. عاش مكلوما عقدين، يستبد به الحنق، لأنهم سمعوا ولم يقرأوا ما محا وما كتب. لحسن حظه أنه عاش بعد موته ولن يموت، فأشعاره رياضة ومشاعره ندية فتية، تحيا كلما طرقت أبوابَها قلوبٌ نظيفةٌ. يحب الكتابة، ولم يعد يهمه ثمن الأقلام والقرطاس، ولأنه محتاج، فقد فضل أن يبيع نصيبه في الميراث، من أجل روايته الأولى. أما روايته الثانية فقد كتبها فأقبرها ما دام الميراث كالتاريخ لا يعيد نفسه، رجا المساعدة عبر الصحف، فضحك القراء، ولم يدروا أن هذا الضعيف سيكون من نصيبه هذه الجائزة العالمية الثمينة. يسرد الأحداث، وحين يشاهد نفسه خفيف الظل بين ثنايا الوقائع يسرع فيمزق الورق الحامل أبطالا سيتهمونه بالعجز والخذلان. يعوم في الحبر، مجاديفه أقلام تعينه من الإفلات قبل الفيضان الأخير، هو كاتب، بحره حبره، وركن نجاته خيام مضروبة وسفن ترسو في كتاباته. يرسم بالكلمات، يناقش بالتلميحات السديدة نحو الأعماق، وحين يسافر فمطاياه أوراق كتب تلُف به، منها ما يتحفه، ومنها ما يغريه، ومنها ما يبكيه حتى الصباح. يحيا داخل الحروف وفق تشكيلاتٍ من وضعه، يسائل المدى، يسائل الصدى، يسائل الندى والردى، يسائل نفسه عبر كل المرايا، كل الأجوبة أشعار تتقولب وتتشكل وفق وجوه الفصول وألوانها. يكتب نفسه كل يوم، اكتشف يوما أنه متعدّد، شبّه نفسه بأوراق كتابٍ يبلغ عددها الملايين، حين أراد أن يتوحد صار أكثر تعدّدا، تعجب من الأمر فكتب خير قصائده. يعشق البحر، حين يحمل سفن المنشدين والمنشدات، يشتم البحر حين يبتلع زوارق المهاجرين والمهاجرات، وعلى وجناتهم أعناق طموحات تشرئب نحو ما بعد الموج. مطيته نحو الآفاق خيالاته الجامحة التي لا تَحُدُّها الجبال والبحار، في بيته المعزول يعيش حريته بلا قيود، يتراءى له الناس مأسورين بالماء والخبز، على الرغم من أنهما يقطنان حيث يقطنون، وبكميات تفوق حاجاتهم. يحب أمه. لذا خلد ذكرها في رواياته وقصصه التي فضل كتابتها بالأخضر الناظر، قال لنا: أمي طفولتي، وطفولتي ربيعي، وأجمل ما في الربيع خضرته. لا يناقش أحدا إلا عبر كتاباته، فمن أراد رأيه فعليه بقراءة ما كتب، لا تعتقدوه مسالما أمام تفاهاتكم، أيها الأغبياء المولعين بالادعاء. مزّق كل كتاباته، وبعد عام من الإضراب عن الكلام، عاد فكتب كل ما مزّقه، قال بصوت جهري، سمعه من في البر والبحر”هذا قدري” انتقدوه ففرح، أحسّ بأَن له وجودا يستفز موتى الضمائر والنفوس، عاد إلى الكتابة بعزيمةٍ أشجعِ وأقوى الفُرسان. كما نسوق العربات والشاحنات والدرّاجات، يسوق قصائده محملةً بالدم والدمع والفرحة العارمة والبشارات والإنذارات والصرخات والنداءات الخفية والبادية، يسوق قصصا وحكايات محملة بالأذكياء والأغبياء والمعتوهين والصغار والكبار. يكتب المختلف، لأنه يؤمن بأنه مختلف، كتب ألف نصٍّ بلا مفتاح، حصّن شعره بالفولاذ، فانصرف الناس عنه، قال لنا يوما: أحسست بأن كتابة المختلف جدا يضمر بعض الظلم والأنانية. يحب أن يرى كل الناس في فرحة عارمة، يحب أن تقرأ قصائده وخواطره بأصوات مرتفعة، وعلى أرفع القمم يسمعها البشر والحجر. يحب أن يخلد إلى النوم، إذا تأكد من أن نبضاته الخاصة قد نامت، ينام مستريحا كي يعود إلى أحلامه التي يعيشها نهارا. أحلامه ليست كأحلامنا التي لا تزورنا إلا ليلا، أحلامه كائناتٌ نورانية، أما أحلامنا فهي كالخفافيش لا يحلو لها العيش إلا في كبد الليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى