تقاريرعناوين ريسية

لبنانيون يتذكرون حجّهم إلى القدس في زمن القيامة

تسكن القدس في الناس من دون استئذان. تتسرب إلى دواخل الغالبية العظمى من سكان الأرض لأنها رمز لروحيتهم وإيمانهم، في العالمين الإسلامي والمسيحي. والمشرقيون، تفتحت عيونهم وآذانهم على القدس، صوراً، وتراتيلَ، وأغانٍ، وأشعاراً. منذ عقود ما بعد النكبة 1948، وفيروز تغني للقدس، ولما حلّ بأبنائها الفلسطينيين من تهجير: “حل الليل على الطرقات فأين ننام؟”، حال الفلسطيني المتشرد من بيته وبلدته وحيّه. “سنرجع يوماً” ما فتئت تحتلّ مكانة عالية من النفوس، والأذواق.

وإلى القدس حصراً، “زهرة المدائن”، مدينة الصلاة، والإسراء، “عيوننا إليك ترحل كل يوم”. ومع مظفر النواب مخاطباً الحكام العرب في تقاعسهم عن نجدتها: “القدس عروس عروبتكم”.

القدس في الأفئدة كأنها موروث بيولوجي، وليس موروثاً متجذّراً في الوعي والثقافة فحسب؛ ما إن تذكرها، حتى تلمس التجاوب مع قضيتها، وشؤونها بتلقائيّة وعفويّة.

من المظاهر التي افتقدتها القدس، وافتقدها العرب بصورة عامة، هي رحلة الحج منذ أن وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلي سنة 1967، في الحرب التي عرفت بــ “النكسة” مسبوقة بــــ “النكبة”. لكن قبل النكسة، كان الناس يقصدون المدينة بصورة دائمة وسهلة، سواء لأداء فريضة الحج أو للسياحة الروحية.

منذ العام 1967 وحتى اليوم، مضى 54 عاماً على إقفال باب الحج إلى القدس، وفي هذه المدة الزمنية الطويلة، استُنْزِف عدد الحجاج برحيل المتقدمين في العمر منهم، ومن بقي واستمر فقد حج إليها في طفولته ويفاعته ومطلع شبابه.

لم يعد من السهل الالتقاء بمن حج إلى القدس، خصوصاً في الأرياف حيث كانت وسائل النقل البرية تقتصر على السيارات الخاصة، بينما كانت الباصات وسيلة النقل في المدن، تسهّل تنظيم رحلات الحج إلى القدس على يد كثيرين كانوا يبادرون إلى تنظيمها.

نجاح شلهوب الثمانينية، من بلدة رحبة العكاريّة أقاصي الشمال اللبناني، تذكر بخشوع وحنان رحلتها مع أهلها للقدس في أول ستينيات القرن الماضي. وتتحدث لـــ “الميادين الثقافية” عن القدس كأنها ساكنة فيها، حتى ما قبل الحج وما قبل النكبة، فأعمامها وأخوالها وأقرباء لها، رحلوا إلى القدس من زمن بعيد ويعملون فيها بالحرف التي امتهنوها، وامضوا سنواتٍ طويلةً من أعمارهم فيها قبل عودتهم لقراهم اللبنانية.

في حديثها توثيق لمرحلة ما قبل التقسيم المنطقة، وفرز أهلها بين لبناني وفلسطيني وسوري وأردني وعراقي. كانت البلاد متواصلة حتى في السنين الأولى للانتداب، وكان التواصل متسمراً بين سكان المشرق.

شلهوب (1942) كانت في النصف الثاني من عقدها الثاني عندما ذهبت في رحلة الحج للقدس مع أهلها بعدة سيارات خاصة صغيرة، وتذكر إنها عبرت البقاع، ولا تذكر غير ذلك، مما يعني أن الموكب عبر سوريا إلى الأردن وصولاً إلى فلسطين.

“مثل كل الحجاج، كان علينا البحث عن إقامة، فأقمنا عند “أبو عمران”، وكان المقدسيون يقدمون منازلهم للحجاج الوافدين، لقاء أجر زهيد، وكأن الإقامة مجرد استضافة”، تقول شلهوب، “حيث نشأت بيننا في أسبوع من الإقامة، حالة أهلية عاطفية لا ننساها، ومن نتائجها أن زارنا أبو عمران وعائلته في سنوات لاحقة في بلدتنا رحبة”.

في اليوم الأول، مطلع أسبوع القيامة مثل هذه الأيام، يتجوّل زوار القدس في شوارعها وأحيائها، يتعرفون على دروبها الضيقة التي عايشوا مثيلاً لها في طرابلس اللبنانية التي كانوا يزورون أحياءها القديمة، وتقول شلهوب إن الأحياء الضيقة والعتيقة كانت نظيفة، وشعرنا فيها بالخشوع، ورهبة إيمانية لا توصف.

في الأيام التالية، تجول الحجاج الرحبانيون في فلسطين متعرفين على أورشليم، ومناطق كثيرة من الأماكن المقدسة، وتتوقف شلهوب عند زيارة المسجد الأقصى “الذي زرناه، واعتبرنا زيارته كحجنا لكنيسة القيامة التي تعرفنا عليها مراراً في رحلتنا قبل حلول سبت النور الذي فاض نور قبر المسيح منتصف الليل”.

تتذكر شلهوب أنها وأهلها تعرفوا على مطران القدس آنذاك، وجلسوا إليه تكراراً يحدثهم عن المناسبة، وعندما حلت ساعة القيامة منتصف سبت النور، دخل المطران، ففاض النور، وملأ المكان، وراح المؤمنون يرددون معه: “قام المسيح من بين الأموات ووطيء الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور”، وهي العبارة التي تتردد في المناسبة كطقس من طقوس المسيحيين.

بعد مرور ما يناهز 62 عاماً، لا تتذكر شلهوب الكثير، لكن وهج الإيمان الذي اكستبته في تلك الرحلة ما يزال في قلبها، وقلوب أهلها حيث “كنا نتأمل تكرار الزيارة، لكن للأسف لم تُتَح لنا الظروف”، تختم نجاح كلامها.

  • من رحلة حج نجاح شلهوب وأهلها للقدس
    من رحلة حج نجاح شلهوب وأهلها للقدس

توفيق سعد، من مواليد 1943 من بينو العكارية. لم تكن زيارة الريفيين للقدس سهلة، وكانت متاحة للأثرياء خصوصاً المغتربين. نظّم جيران توفيق رحلة للقدس بواسطة سيارة “تاكسي” صغيرة، وطلب منهم أن يأخذوه معهم. كان ما يزال يافعاً، يتذكّر الرحلة بضبابيّة، وكيف وصلوا إلى نهر الأردن بداية، ثم زاروا البحر الميت، لينتقلوا بعد ذلك إلى القدس حيث قاموا بجولة على كنائسها، ومساجدها، وأسواقها العتيقة، كما زاروا كل الأمكنة المتعلقة بولادة السيد المسيح، والجبل الذي كان يقصده، وكنيسة القيامة.

ينتظر توفيق تحرير القدس من الاحتلال الاسرائيلي، ويعرب عن شغفه بزيارتها من جديد نظراً لما فيها من ذكريات محببة على قلبه.

في الميناء بطرابلس، ما يزال العديد من الحجاج أحياء، وبحال صحية جيدة رغم التقدم في العمر. فقد تغيرت معايير الشباب والشيخوخة. من هؤلاء نلتقي بكوستا أنطوني تورنيكي (1946)، لبناني من أصل يوناني، كانت والدته تنظم رحلات الحج إلى القدس، مما أتاح له زيارتها أربع مرات بين 1963 و1966، حاملاً كاميرته، فوثق القدس، وطقوس الحج، ولا يزال يحتفظ بها، ويتذكر كل صورة منها.

يقول كوستا إن والدته كانت تسجل الراغبين بالحج، وتتقاضى مبلغاً مالياً على الرحلة التي تستمر لأسبوع، ناسياً المبلغ الذي تتطلبه زيارة الحج، ثم تحدد لهم يوم الانطلاق مبكراً، فيحضرون إلى نقطة الانطلاق، وتستغرق الرحلة نهاراً كاملاً، تقصد الأردن، من دون حاجة لجواز مرور، بلوغاً إلى القدس.

  • كاهن يغسل كوستا تورنيكي بنهر الأردن
    كاهن يغسل كوستا تورنيكي بنهر الأردن

أول ما على الزائر القيام به، كان البحث عن مكان إقامة، ولما كانت الرحلات عائلية الطابع، فقد كان الزوار يبحثون عن بيوت إيجار أعدها المقدسيون، يستأجرونها لمدة إقامتهم لأسبوع، أو أقل، في الفترة التي تتكثف فيها طقوس الحج.

منظمو رحلات الحج يتقنون معرفة الأمكنة التي تتناولها الرحلة. لم يعد الحجاج يتذكرون تفاصيلها بدقة بعد خمسة عقود ونيف. يعصرون ذاكرتهم، ويتذكرون بعض التفاصيل بصعوبة، لكن كوستا الذي حج 4 مرات، يتذكر أكثر من سواه تفاصيل الحج.

يتذكر كوستا أن “القدس الجميلة جداً، والمدينة الكبيرة، فيها المقدسات من كنائس ومساجد جميلة، وهناك جبل الزيتون، والمكان الذي اختبأ فيه السيد المسيح، وزرنا بيت لحم حيث ولد السيد المسيح، وكنيسة القيامة التي تنتهي بها زيارة الحج، فبعد جولة طوال الأسبوع على مختلف الأماكن المقدسة، ننتظر يوم السبت لحضور قداس القيامة الليلي لمشاهدة فيض النور منتصف الليل”.

لا تزال القدس في قلبه، يحبها كثيراً، فهي بالنسبة له، “تعني الكثير لي، فهي أرض مقدسة، فيها كل تراث المسيحيين، وذاكرتهم الإيمانية، والمسيحي الذي يزور القدس يصبح حجاً، وهي أمنية كل مسيحي”.

أما بشارة ميسي (1946) فقد أدى حجه للقدس أيضاً. استجمع ما في ذكرته من الرحلة، والجولات التي قام بها إلى مختلف الأماكن المقدسة، منها كنيسة القيامة، وقبة الصخرة المتجاورتان، كما يذكر زيارة نهر الأردن حيث تعمد السيد المسيح، والبحر الميت، وقام بالغطس فيهما.

يعتبر ميسي القدس ضمير كل الناس، وهي مدينة جامعة، وكبيرة، وبــ “النسبة لنا، نحن المسيحيون، هي كل مقدساتنا، وإيماننا الروحي”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى