بأقلامكم

لغتنا نصرٌ حاسم، مفرداتنا رصاصٌ مُقيم

*بسّام جميل

المعركة الأخيرة هي اللحظة التي تنهال فيها مفردات اللغة دفعة واحدة فتعجز عن سماع صوت آخر غير الذي في داخلك. تقول الأسطورة إنّ الذين مضوا إلى حتفهم لا يهنأون بنومهم الأبدي إذا كان هناك أحد ما زال ينادي عليهم. تدبّ فيهم الرغبة بالعودة وإنهاء ما تركوا خلفهم من أعباء، كالحرب الأخيرة، والوقوف الأخير، في وجه الطغيان.

لعلها ليست بأسطورة، بل سيناريو أتخيل فيه عودة الكثير من الشهداء، من عصر أخر، لكنّهم يعودون من خلال نسلهم، فالجدّ الذي نال حريته بالشهادة قبل قرنٍ من الآن، لم يكن يعلم أنّ صلبه سيورث الشهادة أيضا.

تصدح الزغاريد عالياً تحيةً للشهيد الحي، أما هو فمنشغلٌ بمعركته، يريدها أن لا تكون الأخيرة ليمضيَ إلى المسجد القريب، بنيّة الصلاة والدعاء. حُسم الأمر. مواجهة أخيرة، وحفل سماوي ينتظر.

الجدّ الذي حاول استباق هذا السياق، برصاصته، وحبل مشنقة ينتظره أمام ما سيكون أطلال قريته.. يبتسم في وجه قاتليه “لم ينتهِ الأمر ولن تنعموا بالسلام”  تراوده الفكرة فتصبح ابتسامته تصريحاً أخيرا. تعجز اللغة عن تبليغ رسالة بهذا الحجم دون إقحام الحروف في المشهدية.

قرنٌ من الزمن يستعيد هذا المشهد، وربما كان الرصاص الخارج من فوهة بندقية الشاب، يبتسم كأنّه التصريح الأخير ليعيدَ لأذهاننا جدوى ابتسامة الجدّ الأخيرة.

نقف على أطلال مدننا وخراب القرى، نبتهل في كل صلية نارية أنْ جِدي طريقكِ للصدور الغادرة، ولا تخذلي عنفوان الرامي.

ليست الغاية من مقاربة الأحداث، الوصول إلى معنى مغاير في التفاصيل من خلال لغة وجدانية حالمة، بقدر ما هي استحضار لهذه اللغة التي تعيش في فضاءات وطننا المحتل كجزء من أدوات المقاومة، فدون هذه اللغة لكان حضورنا ارتباكاً لهزيمة متأصّلة.

في العرف الإنساني، تأتي اللغة “ثانيا” في السلم، لكنّها أول المدافعين وآخر من يغادر ساحة المعركة، في المواجهة والإستبسال، نرمي بثقلها على أعدائنا ونشحذ بها هِمم المقاومين، وصمود الثابتين. إذاً، في الشعر والصرخة، في العامية والفصحى، تصبح اللغة أكثر من حروف تنتقيها الحناجر، يُشتقّ منها الفعل وتُضاف إليها الأفعال.

نكاد نسمع أصواتاً تطالبنا بالموت، تسأل: “كيف لكم أن تستمروا في كل هذا الوهن، وكيف تُصرّون على إنجاب لاجئين جدد، “بائسين” جدد، كأنّ العالم لا يمنحكم سلاما، وبدوركم لا تريدون للمأساة أن تنتهي؟”.

يطلبون منّا أن لا نظلم أجيالاً جديدة، فنموت لنكون آخر الشهود والضحايا، بذلك، يرتاح العالم من “صداع” اسمه فلسطين، ويرتاح الأعراب من أزمة الإنتماء.

“جكارة”

تختصر مفردة عامية واحدة، كل ما يمكن يُقدّم كجواب حاسم على الأسئلة الوجودية، فهي تعني الندّية، الإباء، الفداء.. إلى آخر القاموس، ولن تجفَّ معانيها أبدا، فهي تُمثّل ما يليق بالإنسان الفلسطيني الذي عاش على هذه الأرض منذ آلاف السنين، ومن خلال كل ما مرّ عليه من احتلالات وتقلّبات، كانت هذه المفردة خلاصاً لصموده و بقائه واندثار محتليه.

“جكارة” تعني إرادة الحياة، إستعادة السلام، إستنطاق العدل.

ترتفع اللغة بالأفعال السامية وتهبط بالأرذال منها. كان بلاؤنا أنّ أعراباً ينطقون لغتنا، ويدّعون انتماءهم إليها، لكنّهم اختاروا السقوط بها. ولأنّ في هذه الأمة فئة لم تضلّ بعد، تستعيد اللغة مكانتها بهم، فتنصرهم وينصرونها.

*كاتب فلسطيني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى