شعرعناوين ريسية

محمّد الكرد… شاعر من القدس يكتب عن رِفْقَة

بات من غير الممكن أن يفصل الفلسطينيّون قضيّة الشيخ جرّاح عن التوأم محمّد ومنى الكرد، اللذين عملا ويعملان على إعلاء صوت الحيّ المهدّد بالتهجير في العالم، من خلال حملة «أنقذوا حيّ الشيخ جرّاح». الحملة الّتي شهدنا أثرها في الحراك الشعبيّ في فلسطين التاريخيّة، وفي التضامن العربيّ والعالميّ غير المسبوق مع فلسطين، أسّست للغة جديدة، مباشرة وحادّة، وفرضت قواعد تجعل من الفلسطينيّ ندًّا لا يتأتئ أمام المستعمر وأمام العالم الخائف أو المتواطئ الّذي يدعمه؛ فنرى هذا التأسيس وقد تحوّل إلى نموذج نضاليّ، يتبعه الفلسطينيّون في قضايا تطهير عرقيّ أخرى تشهدها قراهم ومدنهم في فلسطين الواحدة.

محمّد الكرد، الكاتب والشاعر والناشط، أثار انتباهنا جميعًا بلغته الواثقة والهادئة، لكن المتهكّمة والصارمة والحادّة، في حديثه إلى وسائل الإعلام الغربيّة. ربّما تحدّث الكرد باسمه وباسم عائلته المهدّدة بالتهجير للمرّة الثانية، بعد أن هُجِّرَت عام النكبة من مدينة حيفا، إلّا أنّه تحدّث باسم الحيّ، وباسم فلسطين، وباسمنا، بحنكة وذكاء لافتَين، كانا قادرين على تغيير لغة السؤال التقليديّ القديم، الّذي يخرج من أفواه الإعلام الغربيّ «المحايد».

في هذا الحوار الّذي أجريناه مع الكرد في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، نتبيّن أفكاره الّتي أنتجت مواقفه في وسائل التواصل الاجتماعيّ، وفي وسائل الإعلام، ونتحدّث إليه شاعرًا وكاتبًا نبع من قلب قضيّته الشخصيّة الّتي لم تَعُد قضيّته الشخصيّة فحسب، بل باتت قضيّة كلّ فلسطينيّ، وكلّ بشريّ يمقت الظلم والاستبداد.

 

فُسْحَة: رأى فيك الفلسطينيّون والعرب، وفي أختك التوأم منى الكرد، أيقونتَي النضال الفلسطينيّ خلال الهبّة الأخيرة. أجاء تأثيركما وحضوركما في قضيّة الشيخ جرّاح بخاصّة، والهبّة الشعبيّة الأخيرة بعامّة، بشكل عفويّ أم كان له تخطيط واعٍ؟

محمّد: أوّلًا، نحن نرفض أن نُعطى هذه التسمية؛ ففي نهاية الأمر، نحن أفراد لنا آراؤنا الخاصّة، وقد نختلف فيها، قد أختلف مع أختي منى، وقد أختلف مع الناس الّذين أطلقوا هذا الوصف. كما أنّ الشخص الأيقونة تُسْلَب منه قدرته على التقرير. ما حدث في الأشهر الأخيرة خرج من نيّة واعية لإعادة صقل الخطاب المتداول، فمنذ عام 1972، منذ أوّل محكمة في قضيّة الشيخ جرّاح، وأهلنا يعيشون تحت خطر التهجير. بات الأمر مألوفًا بالنسبة إلينا، إلى أن قرّرنا هذه المرّة أن نسهم في إعادة صياغة الخطاب، والتعامل مع المحاكم والحديث عنها إلى الملأ، بالإضافة إلى تفكيك خطاب الإخلاء وشرعنته. فكّرنا في الكيفيّة الّتي نشكّل فيها خطابًا مناهضًا للاستعمار، لا خطابًا ينادي الناس للتضامن على أساس إنسانيّ. لقد سهّل الحديث عن الاستعمار على الناس، أن يَرَوْا في الشيخ جرّاح نموذجًا لنظام الفصل العنصريّ والاستعمار الاستيطانيّ والعنف الشرطيّ. مهما بدت المسألة معقّدة، فقد تناولها الناس وأسقطوها على مناطق جغرافيّة أخرى في فلسطين، مهجّرة أو مهدّدة بالتهجير، كحيفا ولفتا وغيرهما. نحن لسنا منظّمين أو مموّلين من أحد؛ وبالتالي، فإنّ عملنا غير مُكَبَّل بإملاءات أحد. من جهة أخرى، ثمّة عطش للرواية الفلسطينيّة القريبة من الشارع. وفي رأيي، استطعنا – إلى حدّ ما – أن نعكس صوت الشارع الفلسطينيّ ومطالبه، دون قيود أو دبلوماسيّة أو لغات مكرّرة. أعتقد أنّنا انتصرنا على الخطاب السائد في وسائل الإعلام الرسميّة، وذلك من خلال قوّة مواقع التواصل الاجتماعيّ. ربّما من هذا المنطلق خرجت تسمية «أيقونة». ترعبني هذه الكلمة، ففي نهاية المطاف أنا شخص يدافع عن بيته، كما تقول منى. وبصرف النظر عن أنّه بيتي الشخصيّ، فأنا أكره الاستعمار وأولويّتي في الحياة العمل على إنهائه وإنهاء الطبقيّة والعنصريّة. حين يصل ذلك إلى بيتي، فَسَأُجْبَر على الكلام.

 

فُسْحَة: ما الّذي في رأيك قادر على الوقوف في وجه الإخلاء القسريّ لحيّ الشيخ جرّاح؟ وهل من طريقة ممكنة لاستثمار التضامن العالميّ، الّذي حظي به الحيّ، وضمان استمراريّته؟

محمّد: الهدف بالنسبة إليّ ليس هدفًا شخصيًّا. صحيح، يهمّني ألّا أرحل عن بيتي أو يرحل أهالي الشيخ جرّاح عن بيوتهم. إلّا أنّ نجاح الحملة هو نجاح تراكميّ أكبر من قصّة بيت واحد. أنظر إلى الشيخ جرّاح على أنّها عيّنة تحت مجهر الاستعمار الإسرائيليّ. وإن سمحت لنفسي بالتفكير، أعتقد أنّها غيّرت أشياء كثيرة على الساحة العالميّة؛ ولا سيّما في نظرة الرأي العامّ إلى دولة الاحتلال. وهذا ما أعتبره انتصارًا كبيرًا؛ أنّنا كنّا قادرين على تغيير خطابنا من خطاب «مندّد» بالانتهاكات إلى خطاب رافض لشرعيّة النظام الاستعماريّ. بلا شكّ، الاستمراريّة ضروريّة جدًّا، ولا نتعامل معها كأمر مفروغ منه. أنا سعيد بخروج مبادرات أخرى مثل «أنقذوا بيتا وسلوان ولفتا»، وأرى أنّ توحيد الخطاب السابق لم ينجح لأنّه لم يخصّص القصّة، فنادى بإنقاذ فلسطين ككلّ. لكن حين وضعنا أحياءنا تحت المجهر حظينا بالتضامن. أُخْطِئ إن قلت لك إنّي إنسان متفائل، فأنا أفضّل النظر إلى السيناريوهات الأسوأ. لكن حتّى لو هبطت العزيمة، فسيكون لما حدث في الميادين وديجيتاليًّا فعل تراكميّ كبير، وستعود الشرارة إن خمدت. هل أعتقد أنّنا سنستعيد بيوتنا استنادًا إلى القضاء الإسرائيليّ؟ لا أرى أيّ سيناريو محتمل ترفع فيه إسرائيل يدها عن الحيّ. من جهة أخرى، فباستطاعتي رؤية بصيص الأمل الناتج عن الضغط الشعبيّ العالميّ على الدبلوماسيّة العالميّة. ربّما هذا هو الأمل الّذي يدفعني إلى الكلام بصوت عالٍ والصراخ. ورغم صغر سنّي، أظنّ أنّ هذه الحملة أظهرت كم أنّ طريقة مخاطبة المجتمع الدوليّ السابقة كانت فاشلة. ربّما هذا ما تتطلّبه قواعد الدبلوماسيّة. لكنّي لا يمكن أن أهتف في الشارع: “قولوا لكلاب الشاباك جاي جاي الاشتباك”، ثمّ أتحدّث في المنابر العالميّة بلطافة. الاشتباك حاصل في جميع الجبهات، واليوم نرى الكثير من الفلسطينيّين يشتبكون مع أناس ملطّخة أيديهم بالدم، أو في الأقلّ مع منخرطين مع النظام الاستعماريّ الإسرائيليّ، ويتحدّثون دون تسخيف أو تبسيط أو نزع لحقّنا في الغضب والمقاومة والردّ والوجود. إن كان هذا يسمّى قناعًا فقد سقط. اليوم، المسألة باتت واضحة، مشكلتي مع قوّات الاحتلال، مشكلتي مع بلينكن الّذي يمنح 3.9 مليون دولار للسلطة الاستعماريّة القاتلة، ولسلطات أخرى تختبئ تحت العمامات أو البدلات الرسميّة.

في العقدين الأخيرين، استطاع الفلسطينيّ أن يثبت نفسه كضحيّة، يملك الحقّ في المقاومة والرفض والغضب، والحقّ في أن يكون ندًّا دون أن يتذلّل للسلطات والقوّة.

 

فُسْحَة: تُركت القدس وحيدةً في مواجهة الاحتلال. وربّما تبيّن أنّ الشباب المقدسيّ والحراك الشعبيّ هم القيادة الحقيقيّة الّتي تملأ الفراغ السياسيّ الرسميّ الحاصل. لو أُعْطِيَت الإمكانيّة لاقتراح إستراتيجيّة عمل على الأرض، تُضاف إلى العمل الإعلاميّ الكبير الّذي تقومون به؛ فماذا سيكون شكلها؟

محمّد: هذا سؤال صعب. بات من الواضح أنّ القيادة في يد الشارع. قياداتنا السياسيّة ليست قيادات، بل نخب تعكس جانبًا طبقيًّا للمسألة. هؤلاء لا يعرفون ما الّذي يوجع الشعب الفلسطينيّ، وما الّذي يمرّ به المقدسيّون. حين ننظر إلى الناس الّذين يخرجون في المواجهات المباشرة، والّذين يعتقلهم الاحتلال، نتبيّن أنّهم من عائلات عاملة أو فقيرة. هؤلاء هم الّذين يقدّمون التضحيات، فَيُنَكَّل بهم ويستشهدون ويُعْتَقَلون، ولا تربطهم بالنخبة الفلسطينيّة أيّ صلة. لكنّهم هم مَنْ يفرضون سرديّتهم، ورغبتهم في عدم الانصياع. أعتقد أنّ الخطوة القادمة هي أن يتحدّث السياسيّون في المحافل الدوليّة باسمنا. هم مجبَرون على الانصياع لهذه السرديّة الجديدة والخطاب الجديد الّذي صقلناه مؤخّرًا. ذلك لأنّ الشرخ الّذي شُكِّل بين الشارع والأبراج العاجيّة الفلسطينيّة مهول جدًّا. لكن هل سيجيء هذا الانصياع دون تنظيم وضغط وعمل هيكليّ وراء الكواليس؟ لا، بل يحتاج إلى عمل ومثابرة كبيرة. أنا لا أفهم كيف تعمل المؤسّسات الرسميّة الفلسطينيّة، لكنّي أفهم كم أنّ هؤلاء مكمَّمو الأفواه، لا أقول بسبب تخاذلهم، بل بسبب خنوعهم أمام التمويلات المشروطة. مسألة تغيير سياسة المموّلين الدوليّين للمؤسّسات الفلسطينيّة هي مسألة في غاية الأهمّيّة؛ فالمموّلون يمنحون الأموال مقابل عدم تفوّه الفلسطينيّ بكلمة «احتلال» أو «مقاومة». أظنّ أنّ سرديّة الشارع الفلسطينيّ اليوم انتصرت انتصارًا ساحقًا على المؤسّسات الفلسطينيّة الرسميّة من جهة، وعلى السرديّة الصهيونيّة من جهة أخرى. هذه السرديّة، الّتي تُمَوَّل ببلايين الدولارات، وتعمل من أجلها الوزارات والعلاقات الإستراتيجيّة الإسرائيليّة، انهارت أمام فلسطينيّين يحملون هواتفهم النقّالة ويغرّدون على «تويتر». لكنّ السؤال هو كيف باستطاعة هذه السرديّة أن تُحْدِث تغييرًا حقيقيًّا في المستقبل. نحن نعمل اليوم مثل خليّة نحل؛ صحافيّين وكتّابًا ومصوّرين ونسويّين ومهنيّين من حقول العمل شتّى، على فضح العلاقات الإسرائيليّة العالميّة. ثمّة مَنْ يعمل على مدار الساعة دون أجر طبعًا. لذلك؛ أنا لا أعتقد أنّ هذا الجيش الّذي تكوّن في الأشهر الأخيرة سيتلاشى. نحن جيل «أوسلو»، ظننّا أنّ الفاتحة قُرِئت علينا وسُلِّم أمرنا، إلّا أنّي لا أتخيّلها صحوة عابرة. نحن أمام مستقبل جميل. لا أقول عنه سهلًا أو واضحًا، لكن على الأقلّ مفعم بالكرامة. نحن ربّما مستضعفون من ناحية موازين القوى، لكنّنا لسنا خاضعين لأحد.

 

فُسْحَة: إن فكّكنا ما تعنيه بصياغة خطاب جديد، ربّما نتحدّث عن أنّ قضيّة الشيخ جرّاح والهبّة الأخيرة بعامّة، أعادتا إلى الأذهان، أو صاغتا من جديد، اصطلاحات كالتطهير العرقيّ والاستعمار الاستيطانيّ، وغيرهما من الاصطلاحات الّتي استُخدمت سابقًا في اللغة الأكاديميّة، نجدها وقد انتقلت اليوم إلى الشارع؛ كيف ترى أهمّيّة هذه الاصطلاحات؟ 

محمّد: أقول لك الحقيقة؛ الحديث عن التطهير العرقيّ كان مشكلة معقّدة. حين بدأت الحملة واستخدمت هذا المصطلح كنت في نيويورك، وقد واجهت الكثير من العراكات بسببه. أُرْسِل إيميلات إلى منظّمات مناصرة لفلسطين فترفض الكلمة، أو إلى منظّمات فلسطينيّة فينصحني أشخاص مقرّبون بعدم استخدامها، وأنا بدوري كنت أصرخ دفاعًا عن استخدامها. ما أقوله هو أنّ التغيير يحتاج إلى جهد كبير وراء الكواليس، ليس من طرفي فقط، إنّما هو جهد جماعيّ. في خطابنا العالميّ القديم، كان ثمّة أداء أمام المجتمع الغربيّ، نفكّر فيه كيف سيتلقّى خطابنا. الفارق اليوم أنّنا لا نؤدّي خطابنا ولا نفتعله ولا نستقصي ردّ فعل الآخر قبل أن نتكلّم. بالإضافة إلى أنّ هذه النبرة في الخطاب منحت حيّ الشيخ جرّاح سلطة ما. أهالي الحيّ يستخدمون هذه المصطلحات الّتي أحدثت صدًى مرئيًّا. وهذا الأمر لم يأتِ بسهولة، ولم يأتِ لأنّنا شكّلنا الخطاب تشكيلًا، بل لأنّنا لا يمكن أن نتحدّث عن تجربتنا في الحيّ إلّا بهذه الطريقة وهذه اللغة. عدا ذلك ستكون اللغة تسخيفيّة. نحن لا نقول إنّنا نتعرّض إلى «إخلاء»، بل إلى عمليّة منظّمة ومحسوبة تحدث في الجغرافيا الفلسطينيّة الكلّيّة، من أجل تطهير الفلسطينيّين عرقيًّا. حين ذوّت الفلسطينيّون هذه اللغة، بات من السهل عليهم أن يجادلوا الآخرين، وأصبح من الهيّن امتصاص البروباغندا الصهيونيّة الّتي تلوّح بحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام «حَماس». خلق حيّ الشيخ جرّاح وغيره من المناطق المهدّدة بالتطهير خطابًا منافيًا، باستطاعة كلّ فلسطينيّ أن يعكسه على بيئته.

 

فُسْحَة: لعلّك ترى في هذا التهجير والتطهير امتدادًا لتهجير جدّتك من حيفا في عام النكبة. حدّثنا عن علاقتك بجدّتك، وكيف أثّرت في وعيك الأوّل طفلًا.

محمّد: كان ثمّة فكاهة متكرّرة في العائلة بأنّ جدّتي تفضّلني على الجميع. كانت تقول لي كلامًا خاصًّا فور رؤيتي داخلًا البيت، مثلًا: “نوّرت الدار”، “الدار كانت مطفيّة قبل ما تيجي”. علاقتنا وثيقة، فهي إنسانة قويّة جدًّا، وغير مقيّدة بأكبال سياسيّة أو مجتمعيّة. كانت بالنسبة إليّ مثالًا في المواجهة وتحدّي الخوف. حين يزورنا متضامنون أجانب من بريطانيا، على سبيل المثال، كانت تقول لهم: “أنتم السبب”. ربّما أتعامل معها برومانسيّة ومثاليّة لأنّي حفيدها، لكنّ هذه الرومانسيّة المضافة إلى عيوبها، جعلها إنسانة قديرة وجميلة وصامدة في عينيّ، استطاعت أن تشيّد لي نموذجًا للإنسانيّة الّتي تجعل منك ندًّا وصلبًا. أعطيت عنوان مجموعتي الشعريّة الّتي ستصدر هذا العام اسمها؛ ذلك لأنّني فهمت منها معنى أن تكون النكبة مستمرّة، ومنها تعلّمت كيف الحديث عن النكبة بسرديّة مختلفة عن تلك السائدة والسريعة. كانت تتحدّث بتأنٍّ عن هندسة الاحتلال وخبث الاستعمار، وعن صداقة العرب باليهود قبل أن تتبيّن صهيونيّتهم. فحين حلّت النكبة على أحيائنا على شكل نزاعات على الملكيّة، كانت من الواضح بالنسبة إليّ أنّ التهجير لا ينحسر عند الجرّافات والقنابل، بل هو جزء من خطاب عامّ وادّعاءات مدنيّة.

 

فُسْحَة: حدّثنا عن طبيعة القصائد وثيماتها، وكيف ترتبط بقصّة جدّتك أو بتأثّرك منها.

محمّد: معظم القصائد في المجموعة يتحدّث عن التهجير والإنسان المهجّر في كلّ مكان، وعن رغبتنا في المقاومة، وعن أمور اكتسبتها من الكثير من النساء الفلسطينيّات على مدى حياتي القصيرة، ولا سيّما جدّتي. بدأت بكتابة القصائد في عام 2014، لكنّ محتوى المجموعة تغيّر على مرّ السنوات، وحين انتهيت من المسوّدة تبدّت أمامي سيرورة واضحة. بدأت بالكتابة شاعرًا فلسطينيًّا يكتب باللغة الإنجليزيّة، منطلقًا من مهمّتي بأن أقدّم الفلسطينيّ للعالم إنسانًا، أكان شهيدًا أم مهجّرًا. ظننت عندئذ أنّ العالم الغربيّ لا يفهم معنى أنّنا بشر، لكن بعد سنتين من إقامتي في الولايات المتّحدة، فهمت أنّ العالم الغربيّ مدرك لبشريّتنا، لكنّه لا يكترث إن هُدِمَت بيوتنا أو تهجّرنا، فتوقّفت قصائدي عن أن تكون شارحة لإنسانيّة الفلسطينيّ. رفعت قدميّ على الطاولة، وقلت: هذا ما لديّ. دون استماتة في الشرح والدفاع. حين أُسْأَل عن شكل طفولتي، أُجيب ببساطة: كنتم أطفالًا، وكان لديكم بيوت. ليس عليّ أن أشرح.

تحضر جدّتي في كلّ قصائد المجموعة بشكل أو بآخر، وهي تتناول موضوعات سياسيّة. مثلًا، وجدت في العنف ضدّ السود في أطلنطا أمرًا ذا صلة؛ فالأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة تدرّب الشرطة هناك، كما أنّ مقتل جورج فلويد تمّ بتكتيك إسرائيليّ. أجدني أكتب عن هذه الأمور. أكتب اليوم بصورة تميل إلى التهكّم والرفض وعدم الاكتراث، لم أعد أكتب لكي أقنع أحدًا، أحاول أن أتخلّص من القفص «التسويقيّ» لقضيّتنا وما يتطلّبه هذا الأمر من وقت. ربّما هو أمر فطريّ؛ فنحن أكبر من أن نقنع العالم بإنسانيّتنا، بالإضافة إلى أنّ الكثيرين من قبلي اشتغلوا على هذه المسألة، ولست مضطرًّا إلى تكرار الأمر نفسه، علينا خلق قراءات مختلفة وواقعًا جديدًا.

 

فُسْحَة: القصيدة الأولى الّتي كتبتها كانت سياسيّة من وحي تجربتك في الحيّ. كيف ترى إلى العلاقة المباشرة بين تجربتك الشعريّة والواقع؟ ألا تنزاح أحيانًا عن هذا الواقع؟

محمّد: كتبتها حين كنت في الثامنة من عمري، وعنوانها «منير»، وهذا كان شرطيًّا إسرائيليًّا أرانا الويل في الحيّ، فناديته: منير، أيّها الكلب الحقير. قصائدي اليوم لا تختلف كثيرًا من حيث إنّها تحمل تهكّمًا على السلطات، وليس على إسرائيل فحسب. تُنْهِكُني السياسة، نعم، وليس في الشعر فقط. أحيانًا أقول إنّنا مللنا من النضال. لكن في نفس الوقت، أجد نفسي إنسانًا يمتلك رغبة في التمرّد وفي رفض السلطة والظلم والفاشيّة والاستعمار، ليس لأنّني إنسان مستضعف، إنّما لأنّ السياسة وموازين القوى أمور تستهويني فأترجمها شعرًا. أصبحت السياسة اليوم معلمًا من معالم القصيدة، وليست هدفًا فيها. كتبت قصيدة اسمها «بوش»، تتحدّث عن التعاطي مع إرث الرئيس الأميركيّ السابق، وكيف أنّ الإعلام تحدّث عنه فنّانًا ورسّامًا، على الرغم من القتل والظلم الّذي تسبّب فيه. أهدف في قصيدتي إلى الحديث عن الطبيعة البشريّة وتخبّطاتها وتناقضاتها، وليس إلى الدعوة إلى حلّ أو فكر سياسيّ. تحوّلت القصيدة من تعليميّة إلى تعقيبيّة إن صحّ التعبير. يهمّني أن أصف ما أشاهده، لا أن أقول للناس ما الصحيح وما الخطأ.

 

فُسْحَة: اشرح لنا ماذا يعني أن تعيش معظم حياتك بجوار مستوطنين اقتحموا بيتك عنوة؛ وهل يدفعك هذا الوضع إلى الشعور بوجوب وجودك في القدس، في حين أن مشروعك ودراستك في الولايات المتّحدة؟

محمّد: إجابةً عن الشقّ الأوّل من السؤال فأنا «تَمْسَحِتْ». من الصعب أن تعيش في ظلّ هذا النوع من الديناميكيّة مع مستعمر يعيش في بيتك، دون أن تشعر بهذه البلادة. أن أمشي في بيتي دون أن يشتعل البركان في داخلي حين أرى المستوطن، هو إنجاز على المستوى الشخصيّ. لكن مع الأحداث الأخيرة خفّت هذه البلادة. بطبيعة الحال، كلٌّ يتعامل بطريقة مختلفة مع مسألة التأقلم. أفكّر في أمّي ونساء أخريات وأطفال ورجال، ربّما لم يتوفّر لديهم ترف البلادة والخروج من المكان، غاضّين البصر لفترة ما. أمّا عن وجودي في الولايات المتّحدة، فقد أوقفت دراستي للماجستير في موضوع الكتابة الإبداعيّة وتدريس اللغة الإنجليزيّة لطلّاب سنة أولى، حتّى أكون في الشيخ جرّاح، وأتحدّث عن قضيّته إلى الإعلام الغربيّ. كنت مصرًّا على إكمال التدريس من القدس عبر «الزووم». وفي كثير من الأحيان، كان البيت يضيء من القنابل خلال التدريس. يفزع الطلّاب، وأشرح لهم كيف اقتحم الجيش بيتنا. مشهد سرياليّ سيّس الطلّاب بشكل غير مخطَّط. وهذا بالنسبة إليّ أمر جميل. لكن من جهة أخرى، توقّفت عن التطلّع نحو مستقبلي المهنيّ. رؤيتي باتت قصيرة، المسألة المركزيّة الوحيدة هي خطر التهجير. الأمر محزن جدًّا. أرجو أن تكون أزمة عابرة، وأرجو عودتي إلى دراسة الماجستير في نيويورك في شهر آب (أغسطس) القريب، لكنّي اليوم أشعر بالتخبّط، وبإحساس بالذنب إن تركت بلدي وأهلي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى