تقاريرعناوين ريسية

نقش سلوان… ارتباك التأريخ التوراتيّ

ستعين أصحاب الخطاب التوراتيّ وأنصاره، ببعض النقوش الآثاريّة الّتي اكتُشِفَتْ في بلادنا فلسطين، ومنها ما يُعْرَف بـ «نقش السلوان»، وهو كتابة كانت منقوشة في حائط نفق، ببلدة سلوان، المجاورة للبلدة القديمة في القدس. يُخلِّد النقش مشروع حفر النفق، الّذي استُخدم لتسييل مياه نبع أُمّ الدرج، أو نبع جيحون، أو نبع العذراء، إلى داخل أسوار مدينة القدس.

عُثر على «نقش سلوان» عام 1880، أيّام حكم الدولة العثمانيّة على القدس. عام 1891، قَطَع مجهول الحائط الّذي حمل النقش، وأخرج النقش من النفق. وُجِد النقش مكسورًا، وبعد ترميمه نُقِلَ إلى «متحف إسطنبول الأثريّ».

 

قراءات النقش

تناول إسرائيل ولفنسون، في كتابه «تاريخ اللغات الساميّة»، قراءة النقش كما يلي:

(1) النفق. هذا خبر النفق: بينما (النحّاتون) يرفعون

(2) الأزمة [= معول] كلّ رجل إلى رفيقه، وبينما (بقي) ثلاث أذرع للنحت، سُمِعَ صوت رجل ينادي

(3) أخاه لأنّه وجد ثقبًا في الصخر من ناحية اليمين، وفي يوم

(4) انتقابه [= ثقبه] ضرب النحّاتون رجلًا أمام رجل (متقابلين)، أزمة [= معول] على أزمة [= معول]، وذهبت [= سالت]

(5) المياه من النبع إلى البركة مسافة مائتين وألف ذراع ومائة

(6) ذراع. وكانت قمّة الجبل فوق رأس النحّاتين

 

إذن، يصف النقش “عمليّة النحت في الجبل، لجلب مياه النبع، إلى بركة، وُجِدَت داخل سور المدينة”. هذا النقش مكتوب بالقلم العبريّ القديم الّذي يَقْرُبُ في هجائه من النقوش الكنعانيّة الّتي لا تستعمل بعض الحروف للدلالة على الحركات[1].

يذهب كارل بروكلمان، في كتابه «فقه اللغات الساميّة» إلى أنّ “أقدم مصادر الخطّ العبريّ بالنسبة إلينا، هو نقش السلوان”[2].

ينتقد محمّد بهجت القبيسي قراءة ولفنسون للنقش المسمّى «نقش سلوان»، في بحثه «التزوير الصهيونيّ للنقوش والآثار: القدس نموذجًا»، بالقول إنّ ولفنسون “يصادر الحرف الكنعانيّ الصريح ليجعله عبريًّا توراتيًّا. هذا الخطّ الّذي كُتِبَت به كلّ النقوش الكنعانيّة والآراميّة القديمة، إلى جانب خطوط أخرى كالنبطيّة والتدمريّة”، ويعيد القبيسي قراءة النقش المسمّى «نقش سلوان» وتفسيره، كما يلي:

(1) ها نقبــــه  وذا  ها  هـي، ها دبّـرهـا نَقَّــابَـهْ، بعـوّيـر [ التفسير: هذا النقب (النفق) وذا ها هي ها قد دبّرها نُقّابْ بعوّير [بيت عويّر] (عَمَلَهَا حفّارو التكسير)]

(2) وها جرزٌ [جرز = قطع] أسال (الإله) رَعْ وبعمق ثلاث قامات (آمات) [أي بقامة ثلاثة أشخاص] له سمع قول: إِسْقِ [التفسير: وبهذا القطع أسال الإله رع، وبغور (أو بعمق ثلاث قامات) له، سمع قول: إسقِ (من السقاية)]

(3) روى ئيـل رع  وكي هـي تزيـــده بيــد مِ دُمـن…  وبيومــه [التفسير: هذا ما أرواه وعمله الإله ئيل الراعي كي تزيد الخيرات بيد تخضرّ … وبهذا اليوم]

(4) نَقَّابَـهْ  هـا كـوّه  حصب  مأسل  قُدَّة  رع، وجرزٌ على جرز ويليك و[التفسير: فإن النُّقّاب (الحفّارين) وصلوا إلى نافذة كلّها أحجار (نتاج الحفر وأصبحت) مسيلًا للماء قُدَّت وقُطِعَت برعاية الإله رع. حيث حفرٌ على حفر ثمّ (تأتيك) وتليك]

(5) ها ميّيـم  منها موضأ إلـى ها  بـركـة  بـ  مائتيم وألف  آمـة  ومئــة [التفسير: هذه المياه منها مكان وضوء إلى تلك البركة بمئتين وألف قامة (من جانب) ومئة]

(6) آمة هي ها جبّها، ها صُرَّ على رأسها حصب [التفسير: قامة (من الجانب الآخر) وهذه الأنفاق الّتي جبّها وقد صرَّ على رأسها [أي تكوّم على رأس هذه الأنفاق (في بداية الحفر)] أكوام من الحجارة][3].

 

 

في هذا السياق، يقول الباحث خالد أيّوب، في بحثه «آثار القدس في العصر الحديديّ»: “أتبنّى رؤية عروبة لغة النقش الأثريّ، الّتي أشار إليها د. محمّد بهجت القبيسي لكنّني أخالفه في الأسلوب والمنهج في قراءة النقش الأثريّ”. ويدلّل على ذلك بالقول: “يرد في النقش الحرف (∆)=(د) في نهاية السطر الأوّل، دوّنه د. محمّد بهجت القبيسي (ر)، وفي السطر الثاني ورد الحرف الثالث (q) أيضًا، دوّنها (ر)، وتكرّر هذا الحرف كثيرًا، فدوّنه د. القبيسي (ر، د) وفي كلا الشكلين، ومن المعروف أنّ حرف (∆) دلتا هو (دال) وهو رمز رياضيّ شائع أيضًا. وأنّ قراءة الحروف النهائيّة في السطر الأوّل هو نقبها بعود”. وينتقد الباحث خالد أيّوب، قراءة ولفنسون بالقول: “لا شكّ في أنّ كلمة (نقب) من التنقيب، أمّا كلمة (ب . عود) فهي أدوات الحفر بالعصيّ، وهذا ينفي استخدام المطارق الّتي ذكرها ولفنسون… وجاءت القراءة صورة أثريّة مطابقة لرواية التوراة”[4].

 

أسئلة بلا إجابات

منذ أن اكْتُشِف ذلك النقش المسمّى «نقش سلوان»، أُثيرَت أسئلة، لم يُعْثَر لها على إجابة، حتّى اليوم؛ مثلًا متى كُتِب ذلك النقش؟ ولماذا عُثِرَ عليه، في عمق النفق، وليس عند مدخله؟ ولماذا لم يُذْكَر اسم الحاكم، الّذي أمر بحفر النفق؟

يذهب الباحثون التوراتيّون إلى أنّ هذا النقش، يلائم نصًّا من نصوص الكتاب المقدّس، الّتي تتناول مشاريع حزقيّا، ملِك يهوذا: “وَبَقِيَّةُ أُمُورِ حَزَقِيَّا، وَكُلُّ جَبَرُوتِهِ، وَكَيْفَ عَمِلَ الْبِرْكَةَ، وَالْقَنَاةَ، وَأَدْخَلَ الْمَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا؟” [سِفر المُلوكِ الثّاني (20: 20)]. “وَحَزَقِيَّا هذَا سَدَّ مَخْرَجَ مِيَاهِ جَيْحُونَ الأَعْلَى، وَأَجْرَاهَا تَحْتَ الأَرْضِ، إِلَى الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ. وَأَفْلَحَ حَزَقِيَّا فِي كُلِّ عَمَلِهِ” [سِفر أخبار الأيّام الثّاني (32: 30)].

على الرغم من أنّ النقش لم يُشِرْ إلى سنة أو إلى ملك؛ يفترض الكثيرون أنّ النقش، كُتِب بواسطة حزقيّا، أو بأمر منه. يقول ولفنسون: “والنفق عُمِّر في عهد الملك حزقيّا (700 قبل الميلاد)”[5]. ويسير في نفس الاتّجاه الباحث العربيّ فراس السواح؛ يقول تعليقًا على هذا النقش: “لدينا ملمح أركيولوجي مهمّ من عصر حزقيّا في أورشليم، يستحقّ أن تتوقّف عنده”[6].

 

المنهجيّة

المنهجيّة الّتي تدّعي امتلاك الحدّ الأدنى من المقوّمات العلميّة، تفرض أوّلًا تقصّي إن كان النصّ التوراتيّ يعود فعلًا إلى القرن الثامن قبل الميلاد، أو إلى فترة قريبة من ذلك، وضرورة عدم استبعاد أنّ تلك المداخلة أو الملاحظة المختصرة عن النفق، تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وأنّها أضيفت إلى أخبار أقدم منها. وهنا يكمن أحد هموم كتبة التوراة الّذي يهدف إلى وضع الزمن المطلق في جغرافية محدّدة؛ لذا فالاحتمال قائم بأنّ أولئك الكتبة أخذوا خبرًا متأخّرًا، وربطوه بزمن سابق ليمنحوا كتاباتهم الجديدة شرعيّة تاريخيّة لا تمتلكها، أو بالعكس.

ومن الجدير بالذكر أنّ الفهم التقليديّ لتاريخ هذا النقش يتعرّض لتحدٍّ من داخل البيت نفسه؛ إذ نشر اثنان من أشهر علماء الكتاب بحثًا في إحدى المجلّات المتخصّصة، عبّرا فيه عن قناعاتهما بأنّه يعود إلى القرن الثالث قبل الميلادـ هذا على أقدم تقدير[7].

يرى بعض الباحثين أنّ «نقش سلوان» يعود إلى الفترة الهلنستيّة[8]؛ ففي شهر أيلول (سبتمبر) 1996، نُشِرَ مقال في مجلّة علميّة أميركيّة شهيرة، هي « Biblical Archaeologist, Ameriecan Schools of Oriental Research »، تتعلّق بـ «نقش سلوان»، بقلم جون روجرسون وفيليب ديوس، من «جامعة شيفلد»، إنجلترا، وقد ذكر الباحثان أنّ هذا النقش في أصله يرجع إلى القرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد، وليس من القرن الثامن قبل الميلاد. وبما أنّ هذا النقش يُعتبر مقياسًا لجميع النقوش الّتي تدّعي أنّها من القرن الثامن قبل الميلاد، فهدم هذا الأساس يسبّب انهدام أشياء كثيرة جدًّا[9].

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى