عناوين ريسيةمسرح

“يا ليل ما أطولك”: وعدٌ إلى ريم بنّا

مسرحية “يا ليل ما أطولك” لروان حلاوي إعداداً وتمثيلاً وسليم الأعور إخراجاً، عُرضت في بيروت على “مسرح المدينة” ثلاث ليال. يستعير العملُ عنوانه من أغنية شهيرة لريم بنّا (1966 – 2018). ليس هذا فحسب، فالمسرحية بجلّها مؤثّثة بصوت ريم غناءً وكلاماً. وهي، بعد أربع سنوات من رحيل المغنّية الفلسطينية، عودةٌ إليها فناً وحياة.

لهذا يتحقّق مشروع لم تكن ريم غريبة عنه، فقد قابلت المخرجة حين زارت بيروت في فترة مرضها، واندمجت الاثنتان في تسجيلٍ تناول حياة ريم في 19 شريطاً. توقّف المشروع بعد وفاة ريم، وها هي روان تستعيده بعد أعوام من رحيل المغنّية الفلسطينية، التي وُلدت وتوفيت في الناصرة، واجتهدت خلال مسيرةٍ فنيةٍ عانت فيها المرض، حتّى فقدت الصوت، في أن تُثري التراث الفلسطيني مجدِّدةً إيّاه بوصله بالموسيقى العربية.

الموضوع إذاً فلسطيني، وليس من جنس الأحداث التي يمرُّ فيها لبنان اليوم، في الوقت الذي يتفاقم فيه العوز والفاقة والحرمان من كلّ أسباب الحياة العادية، فالطعام والطاقة والانتقال جميعها شبه غائبة أو شبه مستحيلة. مسرحية “ألاقي فين زيك يا علي”، لرائدة طه التي هي مونوكروم، شأنها في ذلك شأن “يا ليل ما أطولك”، لم تبدُ لدى عرضها عام 2016  في بيروت بعيدة أو مجانبة. لقد بدت في وقتها وعلى أرضها، فيما الأمر لم يعد نفسه بعد سبع سنوات. رغم ذلك، كان الجمهور الكبير نسبياً والاستقبال الحفي للمسرحية مفاجئين.

لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ على الأزمة اللبنانية، لكنَّ المسرحية وجمهورَها متفارِقَان مع الوضع، ليسا وحدَهما في هذا الحال. ثمّة أمور تُفاجىء كلّ يوم من هذا الضيق وتُعيد الملاحظة نفسها. كيف يتسنّى لشعبٍ بهذه المعاناة أن يحتفظ بهذا القدر من الاحتفاء بالحياة ومظاهرها ويومياتها. هناك وضعٌ فوق الطاقة، وما يزال التنفّس فيه مع ذلك ممكناً، وبأي سبيل يحدث ذلك ومن أيّ محل!

لنعد إلى “يا ليل ما أطولك”، فالمسرحية إذاً ما يشبه الوصية. روان تحقّق اليوم وعداً التزمت به من سنوات. إنّه وعدٌ شخصي، بقدرِ ما هو عامّ. إنها تُحقِّقُ الآن ما بقي دَيناً عليها منذُ ذلك الحين. لذا لا نتوقّع أن تكونَ فلسطين حاضرةً إلّا بمقدار حضورها في حياة ريم، وهو مؤثّر وجوهري. لن تكون المسرحية لذلك دعوة، ولن تكون نضالاً، إلّا بمقدار ما كان ذلك في حياة ريم، بيد أن ريم التي وُلدت وتوفيت في الناصرة، ظلّت فلسطينية في القلب والنفْس، وكان صوتُها أيضاً من فلسطين، وغناؤها من فلسطين، لكنّها أيضاً وصلت “البوب” بالتراث الفلسطيني، كانت مغنّية بقدر ما كانت من الناصرة. وكمغنّية كان لها فنُّها وطريقتها وأداؤها، وهي الموسيقية المتخصّصة، لها أيضاً محلّها من الموسيقى.

ريم فلسطينية لكن هذا ليس كلّ شيء، هي أيضاً إنسانة وأنثى وأمّ. لها خاصياتها وظروفها ومنعطفاتها ومواجهاتها؛ الفلسطينية الناصرية أحبّت روسياً وتزوّجته، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، لكن الروسي، رغم موطنه البعيد، لم يخل من الذكورية والتسلّط. مع ذلك عاشت معه ثمانية عشر عاماً. كيف كان الروسي قبَلياً على هذا النحو وكيف تحمّلت ريم الحياة معه كلّ هذا الوقت، وكيف أنجبت منه هذا العدد من الأولاد، وهو على ما هو عليه؟ لن نجد هنا فلسطين، لن نجد نضالاً من أي نوع، سنجد الشر العادي، سنجد مأساة الإنسان التي تكاملت عند ريم مع السرطان ومع الرحيل المبكّر.

مع ذلك سنقول عن مسرحية روان حلاوي وسليم الأعور إنها فلسطينية، بقدر ما هي فلسطين حياة ووطناً ومجتمعاً وأناساً ويوميات وأفراداً. سنقول إنّ فلسطين هذه هي الجديدة علينا، وهي التي تتحرّر هنا من القفص الخطابي والدعوي. إنها أُغنية لكنها أيضاً معاناة أفراد تصلُ إليهم ضربات روسي وسرطان. مسرحية روان وسليم، لذلك، إعادة للخطابة والدعاوى إلى بئر الحياة، إلى أرضها ويومياتها، إعادتها إلى أفراد ومصائر وتواريخ خاصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى