بأقلامكم

الروايات الشفوية الفلسطينية كشفت بدقة عن فظائع إسرائيلية في الطنطورة

وديع عواودة

الناصرة- “القدس العربي”:
اليوم وبعد 74 عاما اعترف بعض من تبقى في وحدة الكسندروني في جيش الاحتلال بالضبط بما رواه أهالي الطنطورة الناجون من المذبحة عما اقترفه الجنود الإسرائيليون في قريتهم الساحلية خلال مايو/أيار 1948.
في حديث للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز نشرته “هآرتس” اليوم الجمعة يعترف هؤلاء بجريمة الحرب الكبرى وأكدوا أن موقف السيارات في “متنزه ساحل دور” القائم على أراضي الطنطورة يقوم على قبر جماعي للضحايا. يشار أن هذا ما سبق وأكده باحث إسرائيلي آخر يدعى تيدي كاتس قبل 22 سنة بناء على روايات شفوية فلسطينية واعترافات يهودية في وظيفة ماجستير في جامعة حيفا أشرف عليها المؤرخ البروفيسور أيلان بابه لكن خريجي وحدة الكسندروني أنكروا التهم بعد نشر الوقائع في صحيفة “معاريف” ورفعوا دعوى عليه وسارعت جامعة حيفا للتخلي عن بابه وعن كاتس وكانت هذه بداية تفكير بابه بمغادرة المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية التي تركها لاحقا لصالح العمل مع جامعة اكستر في بريطانيا. وبسبب الدعوى القضائية اضطر كاتس للتراجع عن استنتاجاته في دراسته بعد نشرها في معاريف بعنوان “مذبحة الطنطورة”.
ويستهل آدم راز تقريره عن الطنطورة باقتباس موشيه دايامونت أحد الجنود الإسرائيليين المشاركين في مذبحة الطنطورة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بعد قيام إسرائيل: “لقد أسكتوا وعتموا على هذا الموضوع. ممنوع الحديث به فهذا ممكن أن يكشف عن فضيحة كبرى”، قال دايامونت باقتضاب معربا عن عدم رغبته بالتحدث عن المسألة وتابع “نعم هذا حدث ما العمل؟ هذا حدث”.
وينوه آدم راز، الذي كشف تفاصيل عن مذبحة كفرقاسم في كتاب قبل عام، أن كاتس جاء بشهادات مهمة وقتها لكن لم يتم التداول بها فغرقت ضمن النقاشات والسجالات وبقيت موضع نقاش بين المؤرخين فقط. ويتابع منوها للجديد الذي سمح الآن بالكشف عن هذه الاعترافات: “اليوم وهم في التسعين من أعمارهم يعترف عدد من جنود وحدة ألكسندروني أنهم ارتكبوا مذبحة في الطنطورة ويصفون بعض مشاهدها ويستدل منها أن عدد القتلى أكبر بكثير مما ذكره الجيش وقتها- نحو 20 شخصا. وبسبب عدم عد القتلى في نهاية المعركة والأحداث الدامية المرافقة لها لا يوجد توافق على عدد الضحايا. وتفيد الشهادات المتراكمة مع الأيام أن هناك أعدادا متفاوتة من عدد قليل إلى أكثر من 200 قتيل وفقا لإحدى الشهادات”.
اعتراف ديامونت
وحسب شهادة دايامونت فقد تم إطلاق الرصاص على سكان القرية بعد انتهاء “المعركة” بواسطة بندقية رشاشة بيد “شخص متوحش” ويتابع “عندما قدمت دعوى ضد كاتس تظاهر الجنود المشاركون وكأنه لم يحدث شيء شاذ بعد احتلال الطنطورة فقالوا: “لم نر ولم نسمع”. لكن في الواقع كلهم عرفوا. طبعا عرفوا”.
ويعترف جندي آخر يدعى حاييم لافين أن أحد الجنود تقدم نحو “مجموعة تعد 15-20 “أسيرا” وقتل كافتهم”. وسط تخفيف لمصطلحات المذبحة يقول لافين إن “الحادثة” زعزعت بدنه وتوجه لزملائه لفهم ما يجري وتابع “قالوا لي: لا فكرة لديك كم قتلوا”.
ويروي شاهد آخر يدعى ميخا فيتكين من وحدة اسكندروني أن ضابطا صار مسؤولا كبيرا في وزارة الأمن قد قتل بمسدسه عربيا تلو الآخر وأضاف “كان غريب الأطوار بعض الشيء وما فعله هو عارض لغرابته هذه”. ويزعم فيتكين أنه فعل ذلك “بعدما رفضوا الكشف عن موقع تخبئة ما تبقى من سلاح في القرية”.
“طنطورة” فيلم إسرائيلي يفضح المذ بحة
ويصف جندي آخر حادثة أخرى شهدتها الطنطورة تجسّد عملية تنكيل وتعذيب وليس قتلا فحسب بالقول “هذا ليس جميلا أن أقول ذلك. أدخلوهم إلى برميل وأطلقوا الرصاص نحوه وما زلت أذكر الدم يقطر من البرميل”. وأكد جندي آخر محجوب الهوية في شهادته أمام آدم راز أن رفاقه “لم يتصرفوا كالبشر” لكنه يكتفي بذلك ويصمت كما يوضح آدم راز الذي يشير إلى أن هذه الشهادات وغيرها من الشهادات تندرج ضمن مشروع توثيقي مهم للمخرج ألون شفارتس الذي أخرج فيلم “طنطورة” الجديد وقد عرض قبل أيام فقط في مهرجان ساندرز في الولايات المتحدة ويضيف راز “يبدو أن هذا الفيلم سيقلب الصورة المتكرسّة لدى الإسرائيليين بعد دعوى القذف والتشهير التي رفعها جنود وحدة الكسندروني وبعد اعتذار تيدي كاتس عما نشره. رغم أن شهادات الجنود ترد في الفيلم كعبارات منقوصة وشظايا اعترافات لكن الصورة الشاملة واضحة: جنود في الوحدة ارتكبوا مذبحة برجال غير مسلحين بعد المعركة”.
ويستذكر كاتس أنه بعد تقديم دعوى القذف والتشهير ضد كاتس لم يجر أي بحث جدي في شهاداته ويقول إنه لو أصغت المحكمة بشكل معمق لما اضطر كاتس إلى التراجع والاعتراف ويتابع “صحيح أن الجنود قدموا له شهادات جزئية وبالتلميح لكنها مجتمعة معا تنتج حقيقة لا لبس بها”. كما يستذكر راز أن شلومو أمبير الذي صار لاحقا جنرالا وقائدا للجبهة الداخلية توجه وقتها بالسؤال لكاتس: ماذا تريد؟ أن أكون مثقفا عفيفا وأتحدث وأقول إنه قتل؟ لقد انتحيت جانبا وهذا ما حصل. كفى”. وقتها قال أمبير في المحكمة إن الأمور التي وقعت في الطنطورة لم تعجبني ولكن بما أنني لم أرفع صوتي وقتها لا يوجد سبب أن أروي ذلك اليوم”.
ويشير راز أن واحدا من المشاهد الصعبة في فيلم شفارتس يرويها الجندي عامي تسور كوهن الذي يتحدث عن أشهر الحرب الأولى: لقد كنت قاتلا. لم آخذ أسرى. لو كانت تقف مجموعة جنود عرب وأياديهم إلى أعلى لكان أطلق عليهم الرصاص. لم أعدّ كم عربيا قتلت خارج نطاق المعركة. كانت بحوزتي بندقية رشاشة مع 250 رصاصة. لا أستطيع العدّ”.
قبر جماعي
ويستذكر آدم راز أن شهادات جنود الكسندروني تضاف لما كتبه الجندي يوسف بن العازر الذي قال: “كنت أحد الجنود الذين احتلوا الطنطورة. كنت واعيا للقتل في القرية. عدد من الجنود ارتكبوا القتل بمبادرتهم الذاتية”. ومن الشهادات والوثائق التي جمعها شفارتس لصالح فيلم “طنطورة” يتضح أنه بعد المذبحة تم دفن القتلى في قبر جماعي أقيم عليه لاحقا موقف مراكب في متنزه ساحل مستوطنة دور جنوب حيفا. ويوضح راز أيضا أنه تم حفر القبر الجماعي خصيصا لهذا الهدف واستغرقت عملية الدفن وقتا طويلا ويتابع “في نهاية أيار، أسبوع بعد الاحتلال تم توبيخ أحد الضباط المسؤولين في المكان لعدم القيام بعملية دفن جثث العرب كما يجب. في التاسع من حزيران أبلغ قائد القاعدة العسكرية المجاورة: “فحصت أمس قبرا جماعيا داخل مقبرة الطنطورة ووجدت أن كل شيء تمام”.
علاوة على الشهادات والوثائق الواردة في فيلم “طنطورة” فإنه يطرح رؤية خبراء قارنوا بين صور جوية للموقع قبل وبعد احتلال الطنطورة وهذه لجانب تقنيات بصرية متطورة ثلاثية الأبعاد تظهر بدقة موقع القبر الجماعي وأطواله: طوله 35 مترا وعرضه أربعة أمتار وقد اهتموا بالتستر على ذلك كما يؤكد تيدي كاتس بحيث “تذهب الأجيال اللاحقة لساحل البحر والمتنزه هناك دون معرفة على ماذا يدوسون”.
الفيلم حسم الجدل
ويقول راز إن المؤرخين الذين عالجوا القضية – من يوآب غيلبار مرورا ببيني موريس وحتى أيلان بابه- وصلوا لاستنتاجات مختلفة ومتعارضة. غيلبار الذي أخذ قسطا هاما في مواجهة دراسة كاتس حدد أن عشرات من العرب قتلوا خلال المعركة وأن مذبحة لم تحدث. أما بيني موريس فقال إنه لا يمكن البت بالسؤال عما حدث لكنه أشار إلى أن الاستماع لعدد من الشهود يدفع نحو “شعور غير مريح بشكل عميق”. أما أيلان بابه المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية ونشر الكثير من فضائحها فقد تناقش مع غلبار في الإعلام حول وظيفة كاتس ولاحقا أكد وقوع مذبحة في الطنطورة و”الآن بعد بث فيلم “طنطورة” حسم النقاش”.
متى يعترف الإسرائيليون بالحقيقة؟
في واحد من المشاهد الدرامية في الفيلم تظهر دورة فلفل التي كانت قاضية في محاكمة كاتس وهي تسمع التسجيلات والمقابلات وهذه كانت المرة الأولى التي تسمع فيها القاضية السابقة الشهادات المسجلة بعدما كان تراجع واعتذار كاتس قد قطع عملية التقاضي وهي في بدايتها. وتقول فلفل في الفيلم ضمن مقابلة مع مخرجه: “إذا كان ذلك صحيحا فهذه خسارة. كان عليه أن يذهب في المحكمة حتى النهاية”.
الطنطورة أم العطورة؟
وضمن الاستنتاجات يعتبر راز وهو باحث في معهد “عكافوت” أن “قضية الطنطورة” تقدم مثالا على الصعوبة التي يواجهها مقاتلو 48 بإلقاء الضوء على “سلوكيات سلبية” تخللت عمليات قتل، عنف ضد السكان العرب، الطرد والسلب. ويضيف “سماع شهادات الجنود اليوم مقابل ردهم الموحد ضد كاتس في المحكمة يدلل بقوة على علامة الصمت والتوافق على وجود أمور لا يتم التحدث بها. الأمل بأن يكون الحديث عن هذه الأمور لليهود الإسرائيليين بعد هذه المسافة الزمنية أسهل. دليل على هذا التوجه هو فيلم طنطورة وبالحقيقة أنه تم تمويله من قبل جهات مركزية مثل شركة “هوت” و”صندوق السينما الإسرائيلية”. إن أحداث الطنطورة الدموية تلزم بمواصلة دراسة القضية فرغم أن الحقيقة لن تظهر كاملة ولكن يمكن القول بثبات إنه أسفل موقف المراكب في ساحل أحد المتنزهات الإسرائيلية المعروفة والمحبوبة على ساحل البحر الأبيض المتوسط تجثم رُفاتُ ضحايا إحدى المذابح البارزة خلال حرب 1948″.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى