أخبار الثقافة

رؤية في أرض البرتقال الحزين

ليست المرة الأولى التى أبحر فيها في أدب غسان كنفاني، و لن تكون الأخيرة، فلطالما كان فاكهة طاولة القراءة؛ فهو الذي عزف اللغة على أوتار الماضي والحاضر، ومهما كانت رؤيتك له، ليس لك إلا أن تحترم الكاتب الفلسطيني المقاوم.
أرض البرتقال الحزين هي المجموعة القصصيّة الثانية للكاتب الفلسطيني الفذ غسان كنفاني، نُشرت للمرة الأولى عام 1962مـ، وتُرجمت قصصها إلى عدة لغات أجنبية، جاءت بطرقٍ كثيرة يأخذنا بها الكنفاني فنكتشف معه تاريخاً مختلفاً عن ذلك التاريخ الذي قرأناه لسنين طويلة.
القصة الأولى: الأبعد من الحدود.
بطلُها ممن يؤمنون بأنّ الوطن ليس للبيع، ويربط ذلك بالتعريف العلميّ لحق «المواطنة» حيث قال للمُحقق: “أنا لستُ صوتـاً انتخابيـاً، فأنا لستُ مواطناً، وممنوع من حق الاحتجاج، فماذا سأخسر إذا بقيتُ وراء المزلاج؟” أي استمراره في السجن. وهكذا قدّم كنفاني من دون مباشرة رؤيته حول الاختيار بين أمريْن: نفي المواطنة أو الاعتقال؟ فكان مع الاعتقال حتى لا يذوب في الواقع الاستسلامي.
“لي أخ يا سيدي يتعلّم الذل في مدارس الوكالة”، بهذه الصراحة البسيطة والمؤلمة يحكي الكنفاني أبعادًا مختلفة للقضية الفلسطينية التي سخّر لها قلمه وحياته، وبشكل خاص آلام اللاجئ الفلسطيني في الرحيل والبعد والمعاناة التي رافقت ذلك في مخيمات النزوح مع شتات للجسد والروح والذاكرة، حيث يتحوّل اللاجئ من إنسان إلى حالة يُتاجر بها سياسياً وسياحياً وتجارياً وزعامياً، ويصبح اسم كلّ فرد من العائلة مرتبطاً بالبلد الذي نزح إليه.
وهذا الشاب -نظراً إلى وعيه السياسي- يسخر من الدعاية الفجة حول التعاطف مع اللاجئين، «زوروا مخيمات الفلسطينيين قبل أنْ ينقرضوا»، ويسخر من التنظيمات الفلسطينية التي تحصل على التمويل، ولكنها غير جادة في المقاومة، فهم يعملون «على المزايدات الشعبية، وأصبحوا مؤسسة من مؤسسات الحياة السياسية التي تدر الربح يميناً ويساراً». واختتم هذا الشاب أقواله للمحقق بـ «أنت يا سيدي تستطيع أنْ تشنق واحداً منا، فتربي بجسده الميت ألفاً من الناس دون أنْ تحمل هماً أو خوفاً أو تأنيب ضمير… أية حياة هذه؟ الموت أفضل منها».
يشبه ما خطّه الكنفاني ما نراه اليوم في مخيّمات اللجوء السوريّ، إذ يكفي أن تستبدل كلمة “فلسطيني” بـ“سوري” ليكون كل ما يقوله عن المتاجرة بأسى الناس وأوجاع قلوبهم ملامساً لما نعيشه ونراه اليوم، رغم أننا نقرأه من كلمات عمرها يزيد عن نصف قرن. يقول الكنفاني في قصة “أبعد من الحدود” عن اللاجئين:
ولكم يشبه الياسمين السوريّ، برتقال فلسطين الحزين “البرتقال الذي قال لنا فلاح كان يزرعه ثم خرج، أنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء”.
القصىة الثانية: الأفق وراء البوابة.
في قصة «الأفق وراء البوابة»، يأخذ البطل أخته الصغيرة لتعيش معه في عكّا، وكلما سألته أمه عن أحواله وأحوال أخته يقول لها: “نحن بخير”، وبعد عشر سنوات يشعر بتأنيب الضمير لأنه كان يكذب على أمه، إذ أن جيش الاحتلال هاجم عكا، حاول الدفاع عن أخته وعن نفسه، ولكن بندقيته كانت مثل العصا، ماتتْ أخته وأشفق على أمه. أعتقد أنّ الكذب عليها أرحم من صدمة الفجيعة. ولكن هل سيدوم الكذب إلى الأبد؟ في نهاية القصة يرى ضرورة تحرير نفسه من الكذب ومن القدر الأسود الذي حمله وحيداً، فيعترف لأمه أنّ أخته في قبرها الذي لا يجد من يضع عليه زهرة في كل عيد.
القصة الثالثة: السلاح المحرم.
تدور فكرتها حول بندقية سُرقت مرتين ،يفتح لك الكنفاني المجال الواسع لتستنتج أحقيّة من يحمل البندقية ومتى يكون محرماً ومتى يكون حقّاً؟ و في يد من يا ترى؟ يتركك كنفاني مع معتقداتك وأفكارك لتكتشف رمزيته الهائلة في هذه القصة خاصة بموضوع حقيقة المناضل والبندقية.
جعل القصة بظاهرها بسيطة وكأنها حذوتها تُحكى لجميع الناس في أي مقهى أو جلسة ولهم شأن التعاطف وتحليل القصة، ولم يكن متحيزاً إطلاقاً هو فقط يعطي مسوّغات وحقائق، ووفق معتقدك ستعرف طريق الحق بسهولة. غسان يمارس الحرية في قصصه!
وعلى من يسمع القصة أن يدرك رمزيتها وإسقاطها على الواقع وكأنها تمثيلية وعليك اكتشاف هذه التمثيلية على شخصيات وأحداث الواقع. الزمن الكتابي والزمن القصصي يختلفان لكنهما مرتبطان وهذه ميزة كنفاني ففي أحداث الواقع ينقلك إلى الماضي ! إما أنه يظهر إبداعه الفريد أو أنَّ هذا الأسلوب الأكثر قرباً وبعداً في آن واحد.
تتناول القصة عدة أفكار، أول فكرة هي الصراع على السلاح بين رجل من القرية له منفعة من وراء البندقية وجندي أجنبي يصر على الإقامة بالقرية، وللرجل مبرراته للحصول على البندقية وإصراره على سرقتها!
الفكرة الثانية وهي إهمال القضية الأساسية أو تجاهل الخطر المحدق بالقرية والانشغال عنه، ونتيجة هذا الخذلان الذي ألحقته القرية ببيت وعائلة أبي علي يحدث التشريد، فتزداد الأزمة وتكبر المشكلة لتصبح أزلية وكله بسبب النزاع على الحق، ونحن بعدها نكمل أحداث القصة بمخيلتنا وقدرتنا على إكمالها كأنه يضع بداية المشكلة واستمراريتها حتى ينتصر طرف من الأطراف.
الفكرة الأخيرة نستدل عليها من النهاية، هل هذا كله يستحق الموت لأجله؟

القصة الرابعة: ثلاث أوراق من فلسطين.
الورقة الأولى «ورقة من الرملة»، الراوي يتذكر طفولته عندما كان في التاسعة من عمره، ومشهد جنود الاحتلال وقد حاصروا الأهالي وأجبروهم على رفع أذرعهم ووقوفهم في الشمس، ورؤيته لبعض الفتيات الفلسطينيات والدم ينزف منهن.
والورقة الثانية من الطيرة عن العجوز الفلسطيني الذي حارب اليهود في الطيرة وفي حيفا. ويسخر «من الجالسين على مقاعد مريحة ويسألون: كيف ضاعت فلسطين؟»، كما سخر من قادته الفلسطينيين الذين يرفضون أي صوت غير صوتهم، وأيضاً أيّ رأي غير رأيهم.
ويضيف: «إنّ المسؤولين لم يحافظوا على أبطالهم ولم يكونوا على معرفة بأصول المعارك، أهملونا وشبهونا بالجزارين ولذلك هم لا يحتاجون إلينا». ويقول أيضاً: «إذا كان الفدائي لا يعرف أصول الحرب، فبماذا نحارب؟ وهل نحارب بمحاضر جلسات جامعة الدول العربية؟». ويتساءل: «هل نحارب بالورود؟»، ثم يقول لابنه: «هذا هو ما أضاع فلسطين. وهل علينا أنْ نحارب اليهود كما يفعل محررو الجرائد في غرفهم؟».
والورقة الثالثة من غزة. الراوي كره غزة وقرّر الهجرة إلى أميركا، وقبل الهجرة زار أمه وزوجة أخيه في الكـويت، حيـث كانت ابنة أخيه الطفلة تعالج بعد اعتداء إسرائيلي وحشي. دخل على الطفلة ومعه هدية، البنطلون الذي طلبته منه، أشارتْ إلى ساقها المبتورة، اتخذ القرار السريع الحاسم، سيعود إلى غزة، بل إنه أرسل إلى صديقه الفلسطيني المقيم في أميركا يطلب منه العودة إلى فلسطين.
القصة الخامسة: الأخضر والأحمر.
تحدث عن طفل بطل ولد من موقع اصطدام جبهة شهيد بالأرض، وعاش كالدودة جباناً تحت الأرض، أو كالخنفس تحت الأقدام ينتظر الموعد الذي يسحق فيه، إلى تلك اللحظة التي يسأله: لماذا لا تموت؟ لماذا لا يخرج هذا المسخ البائس لقتال اعدائه؟ جبان؟! ألم يفكر يوماً في أن ينتهي؟ ما قيمة حياتك أيها الصغير؟ وينتهي بجملة غساني المذكورة دائما: “لاتمت… لا تمت قبل أن تكون نداً… لا تمت!”.
القصة السادسة: أرض البرتقال الحزين.

في القصة التي أخذتْ عنوان المجموعة، الراوي يعمل على ترسيخ قيمة الولاء للوطن الفلسطيني في وجدان وعقل ابنه، فيحكي له بداية كارثة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948مـ، وذكرياته عن المقاومة الشعبية، وعن الجيوش العربية التي دخلتْ فلسطين وانهزمتْ، وعن «البلاغات التي خدعتنا»، كما بثّ في ابنه روح التسامح وذكَر له تعصب بعض رجال الدين وسماحة بعضهم، وأنه في المدرسة كانت توزّع على التلاميذ الصور الملونة التي كانت تمثل الرب، يشفق على الأطفال ويبتسم في وجوههم، واختتم حديثه مع ابنه قائلاً: “إنه كلما ابتعد عن الدار، كان يبتعد عن طفولته”.

القصة السادسة: قتيل في الموصل.
قصة عن طالب أردني كان يدرس في جامعة بغداد، وهذا الطالب كان صديقاً لغسان، فكتب القصة بعد اغتياله هناك. في تلك القصة فضحٌ لأدعياء التقدمية سواء من الأنظمة أو بعض الأحزاب. ويبدو أنّ هذا الطالب كان يمتلك رؤية سياسية ناضجة تعي مفردات الواقع، حيث عندما سأله الراوي: ألستَ تريد الرجوع إلى فلسطين؟ قال: “حينما تعبرون الحدود إلى فلسطين سوف أكون خلفكم، أنا صرصور صغير سأحتمي بأظلال فيلة هانيبال… إنني أخاف على الثورة من التقدميين المُنحشرين في الفنادق، وأنّ بغداد غرقتْ في الزيف، رغم أنّ الموصل رفضتْ الدود الزاحف عليها من بطن الأرض، وأنّ الصراصير تتحكم في مصير أخيل وأخيل لن يموت” فكانت النتيجة أنْ تلقي دفعات من رشاش أحد أصدقائه في ظهره. كتب الكنفاني تلك القصة سنة 1959مـ، وهكذا كان المبدع الراحل يمزج القضية الفلسطينية وهمومها بالواقع العربي، ولكن في شكل أدبي رفيع.
القصة السابعة: لا شيء.
تحدث عن جندي ثوري، أطلق النار على عدوه على الحدود، فاتُهم بالجنون “انهيار عصبي”، رغم أنه كان مدركاً بكل حواسه لإرادته المطلقة لذلك الفعل.
كم من أؤلئك الجنود طحنتهم جنبات تلك السجون لمخالفتهم التعليمات بشأن العدو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى