مسرح

“قناديل ملك الجليل” تقدم خارطة البلاد عامة والجليل خاصة على خشبة المسرح

‘أكثر ما كان يحيّر سليمان باشا جرأة ظاهر على تحويل كلّ من حوله إلى أعداء… لكن ما كان يحيرّه أكثر هو ذلك السؤال الغريب: أيّ سبب ذلك الذي يدفع رجلًا لأن يقاتل الدنيا كلّها، هكذا؟!’  (من رواية قناديل ملك الجليل، إبراهيم نصر الله).

في واقع صراع ملحميّ، ثمّة أمام المسرح تحدٍّ لخوض تجارب تعبّر عن المراحل الملحميّة للصراعات الإنسانيّة، الجندريّة والقوميّة، وصراعات الأقليّات والأكثريّات، وصولًا إلى احتدام الصدام بين قوى العالم الكبرى والصغرى.

ولا يمكن للمسرح أن ينأى بنفسه بعيدًا عن تجارب الشعوب ومخاضاتها وانتصاراتها وخسائرها، وعلى عاتق المسرح تُلقى مهمّة تصوير الحالة الملحميّة وقراءتها وتنظيمها دراميًّا وإعادتها للمشاهد ضمن حالة ذهنيّة لا تتردّد في إعادة تنظيم السياسيّ والقوميّ.

في هذا السياق، يقول المسرحيّ العالميّ برتولت بريخت، إنّ علاقة المشاهد بالمسرح لا يمكن أن تكون ساذجة، فبعد كلّ عرض مسرحيّ سيتحدّث المشاهد عن الديالكتيك، حتى لو لم يكن واعيًا لتسميته ولمدرسته النظريّة. والديالكتيك الدراميّ، كما يعرضه بريخت، هو الديالكتيك الأيديولوجيّ، لغة الصراع التاريخيّ والإنسانيّ التي تنتقل للمسرح وللفنّ الدراميّ.

في القدس التي يمثّل حاضرها رمزيّة كبيرة للحالة الملحميّة، مَسْرَحَ الحكواتيّ، المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ، رواية ‘قناديل ملك الجليل‘ للروائيّ الفلسطينيّ إبراهيم نصر الله. أعدّ الممثّل عامر حليحل الكتابة المسرحيّة، واختير المخرج نزار زعبي لإخراج العمل. حلم تحويل سيرة ظاهر العمر الزيدانيّ إلى عمل مسرحيّ لطالما راود كاتب الرواية نفسه أثناء رحلة بحثه التاريخيّة عن ظاهر العمر.

الكثيرون ممّن طالعوا هذا العمل الروائيّ يدركون المهامّ الصعبة المتمثّلة بتقليص الحيثيّات المتشعّبة والطويلة، وتكثيفها في عمل دراميّ مسرحيّ يحيط بملحمة كبيرة، لشخصيّة تكاد تكون مجهولة لدى كثيرين. فالمسرحيّة ستفتح نافذة جماهيريّة للإطلال على شخصيّة تحرّريّة ملحميّة، ذات طبيعة صداميّة، تطلّعت إلى أصلانيّة الانتماء، والحلم باستقلاليّة المكان وسط عاصفة من الصراعات على حكم فلسطين. كما أنّ المسرحيّة تعيد موضعة مدينة طبريّة في الذاكرة الجماعيّة.

في ‘قناديل ملك الجليل’ كانت خشبة المسرح، تحت أرجل الممثّلين والممثّلات، محطّ تركيز أنظار المشاهدين، إذ كانت ساحة المعركة، هي نفسها ساحة لقاء عامّة الناس والأحبّة وحاشية الشيخ ظاهر، حيث فُرِشَت خشبة المسرح بأرضيّة رمليّة تستوعب بصريّة غبار ركض الخيل وأقدام الفرسان وغضب الظاهر. كانت الأرضيّة تلك الإكسسوار الأساسيّ والديكور المنظّم لحركة الممثّلين، لا سيّما تلك الرمزيّة، ومن أبرز تلك الإشارات الحركيّة الرمزيّة انطلاق الخيول.

 

وبعيدًا عن الإفراط في اللجوء إلى الإكسسوارات والديكورات، كانت اللغة، لغة الصراع تحديدًا، عاملًا مركزيًّا في العمل. من قلب طبريّة المحاصرة، وعلى مستطيل رمليّ يرمز لضفاف بحيرتها (البحرة) تدور الحوارات الحماسيّة الملحميّة حول التصدّي لجيش سليمان باشا الذي يحاصر البلد، وتتطوّر تلك الحوارات إلى صراعات داخليّة وخارجيّة حول الصمود والانكسار.

يمكن النظر إلى أدوار النساء في هذا العمل، حيث تكون المرأة أمًّا، ومربّية، وزوجة، وعاشقة، ومستشارة، ومفاوضة، على أنّها حالات تعبيريّة مختلفة عن طبريّة؛ فصمودهنّ يعني صمودها، والدفاع عنهنّ يعني الدفاع عنها، وحبّهنّ يعني حبّها. وهو ما تجلّى أيضًا في رواية نصر الله على طولها. يلخّص ظاهر هذه الرؤيا في نهاية العمل المسرحيّ، حين يقول إنّه لن يهدأ له بال حتّى تستطيع كلّ فتاة أن تعبر كلّ الجليل بأمان، دون أن يتعرّض لها أحد. مع ذلك، كان يمكن للنصّ المسرحيّ أن يقدّم حوارات ملحميّة دراماتيكيّة متعلّقة بالأدوار النسائيّة، مثل حوار نجمة مع الوزير سليمان باشا، حيث كلّفها ابنها الشيخ ظاهر بلقائه والتفاوض معه.

على الرغم من توظيف الموسيقى والغناء في العمل، والذين قدّمهما الفنّان حبيب شحادة، إلّا أنّ النصّ والإخراج المسرحيّين كانا حذرين ومحدودين في استخدامهما. أعتقد أنّ عملًا مسرحيًّا بهذا الحجم، كثيف بتجلّياته الشعبيّة والوطنيّة والملحميّة، كان بإمكانه استيعاب دعائم إضافيّة من الموسيقى وكلمتها الشعريّةالملحميّة، لا سيّما أنّ العمل اعتمد على النصّ أساسًا، وأنّ النصّ الروائيّ نفسه يتيح هذه المجازفة، فنجد فيه، مثلًا، الأهزوجة الشعبيّة:

يا زيادنِة ريت الموت ما يَراكُم

يا سْباعِ البَرّ يا مَبْيَضْ ثناياكُم

تمرقوا عالجَرد والجَرد يابسْ

يِخْضَرِ الجَرْد من ريحِة هواكُم

يمكن اعتبار مشهد المارش أو الدبكة الأخير في المسرحيّة، تأكيدًا على هذه الملاحظة؛ فالتوظيف الموسيقيّبمستوييه الشعبيّ والملحميّ، بمقدوره إحداث إضافات نوعيّة في العمل، ودعائم تعبيريّة ونصّيّة تُحْدِثُ كسرًالحوار ما، أو تتدخّل في مشهد متأزّم (مشهد محاولة الاغتصاب والقتل مثلًا)، بالإضافة إلى إمكانيّة تأثير الموسيقى في قراءة شبكة العلاقات داخل الصراع. كما كان يمكن للموسيقى أو الأغنية أن تثيرا لدى الجمهور تخيّلًا تفاعليًّا مع حالة الحصار وتعقيداته التي رافقت الجمهور على طول العرض، فنجد نساء طبريّة يغنّين:

يا شَعري يا مُهري الحزينْ

يا امرَنّخْ بفضّة وحنينْ

نادي حبيبي بْيِسْمَعَكْ

لو كان ساكن في حلبْ

أو كان ساكن في جنينْ

في ‘قناديل ملك الجليل’، يطرح المسرح فكرة الصراعات، ليس من باب النوستالجيا فقط، بل سردًا أسطوريًّالشخصيّة ذات فكر تحرّريّ اعتادت كتاباتنا وإنتاجاتنا الأدبيّة على تهميشها، أو التقاعس في البحث عنها ضمن رؤيا ديناميكيّة، والفكرة المسرحيّة تدفع بالأسطورة للعودة إلى الحياة، تحاكي المشاهد وتلقي بسحرها وانتصاراتها على حالتنا الفلسطينيّة الآنيّة.

لقد قدّمت رواية ‘قناديل ملك الجليل’ خارطة البلاد بعامّة، والجليل بخاصّة، فحضرت يافا، عكّا، الدامون، صفّورية، صفد، مجد الكروم، عرّابة، طبريّة، وأماكن أخرى عديدة، ونجحت المسرحيّة في تقليص أحداث ومساحات الرواية إلى أماكن محدودة تتركّز في طبريّة وعرّابة وعكّا، وهذا التقليص لم يقلّل من البناء العامّ لجغرافيا المكان، فتجلّت البلاد فكرة واحدة شاملة تشعل هاجسًا حول فكرة تحرّر أسطوريّة، لكنّها حتمًا واقعيّة.

***

 

تفاصيل مسرحيّة ‘قناديل ملك الجليل’

إخراج: نزار زعبي. كتابة نصّ مسرحيّ: عامر حليحل. إدارة إنتاج: جورجينا عصفور. موسيقى: حبيب شحادة حنّا. حركة: سمر كينج حدّاد. إضاءة وصوت وتنفيذ ديكور: رمزي الشيخ قاسم وعماد سمارة.

شارك في التمثيل: عامر خليل، عامر حليحل، فداء زيدان، علاء أبو غربيّة، منى حوّا، أديب صفدي، محمّد الباشا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى