تقاريرعناوين ريسية

13 ضفيرة هاربة من السجن

كنتُ قد شارفتُ على عامي الواحد والعشرين، وأنا في السنة الدراسية الأخيرة من برنامج البكالوريوس في التصوير الفوتوغرافي من الأكاديمية الإسرائيلية للتصميم والفنون في القدس المحتلة، عندما توالت العديد من عمليات الطعن بعد عملية الشهيد مهند الحلبي مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2015 في البلدة القديمة.

كانت المدينة في ذلك العام مسرحاً يوميّاً مكثفاً لتنكيل قوات الاحتلال بالشبان، بدءاً من تفتيشهم المذل، مروراً باعتقالهم لمجرد “الاشتباه”، وصولاً إلى تصفيتهم وإطلاق عشرات الرصاصات عليهم، حتى سُمّي باب العامود في ذلك العام “باب الشهداء”. ولم تسلم النساء ولا الفتيات من هذا الاستهداف، كما حصل مع الشهيدة فاطمة حجيجي (16 عاماً)، التي أعدمها الاحتلال بدمٍّ باردٍ باب العامود، بتهمة طعن أحد جنود الاحتلال، عام 2017، ومن قبلها الشهيدة سهام نمر (49 عاماً) في المكان نفسه. وغيرهن ممن بدأت سجونُ الاحتلال بالامتلاء بهنّ منذ تلك الفترة.

ثمّ أنهيتُ دراستي وسافرتُ إلى باريس بضعة أشهر لأعرض واحداً من أعمالي الفوتوغرافية، وأبدأ التخطيط لعملٍ جديدٍ من هناك. تركتُ “المدينة المقدّسة” لأقضي بعض الوقت في المدينة التي “تقدّس” أجسادَ النساء بطريقتها كما لو أنها معابد .. هناك في قلب مدينة الأضواء. وعلى ضفاف نهر السين في المدينة العالمية للفنون كان الأستوديو الذي عملت فيه والذي كان سبباً في فتحه وتخصيصه للفنانين الفلسطينيين كل من الشاعر محمود درويش والأكاديمي إدوارد سعيد.

وعلى الرغم من أنني حاولت التنصل من أجساد النساء الجريحة والقتيلة، والملقاة على الإسفلت في شوارع القدس، إلى النساء في الإطارات المذهبة وعلى السجاجيد الحمراء،  إلا أنَّ الأمر لم يكن بهذه السهولة. كيف لي أن أنشغل بـ” جاليري لافاييت” والتجوال في حيّ مونمارت، وزيارة اللوفر وشراء قطعة من الأزياء الراقية فيما تقبع النساء الفلسطينيات في بلادي في زنانين الاحتلال، يحاولنّ ابتكار وصفة من حلوى الكنافة باستخدام الخبز اليابس يكسرن بها مرارةَ السجن والسجان ؟ وفيما يواجهنّ أحكاماً عالية وقاسية ظلماً وعدواناً؟ وكيف يُمكن للمرء منا أن يُفكّر في مستقبله، وبالتخطيط لدرجة علمية متقدمة، فيما تحاول الفتيات من داخل السجن تحصيل شهادة الثانوية العامّة بالرغم ظروف القهر والتنكيل بهن؟

طاردتني الصورُ والمشاهد والأخبار والأسماء، ونهمُ البحث عن فعلٍ يحُرّر ضميري، ولو بالحدّ الأدنى، من جحيم الوقوف مكتوفة اليدين أمام ما يُقدّمه أبناء وبنات شعبي من تضحياتٍ في سبيل هذا الوطن. أنا التي لا أعرف ماذا يجب عليّ أن أفعل، وكيف يجب عليّ الفعل .. لكنني من غمرة التساؤل عن العدالة التي تُحجب عنّا في فلسطين .. وتطلع على أقوامٍ آخرين، وعن هموم البنات في جيل الخامسة عشرة وحتى العشرين المزجوج بهنّ في معتقلات “الدولة اليهودية”، وجدتُ نفسي أبحث وأجمع الصور والمعلومات، وأتحينُ الفرصةَ عند عودتي لفلسطين لأزور بيوتَ الأسيرات، وأتعرّف على قصصهن من خلال أهاليهن، وأزور أخريات كُنّ قد أُطلق سراحهنّ.

في منزل الأسيرة نورهان عواد، مخيم فلنديا، شمال القدس. (عدسة: صفاء خطيب).

وكان من بينهنّ الأسيرة المحرّرة لينا الجربوني من قرية عرابة في الجليل الأسفل، زرتُها لتهنئتها بالافراج عنها في أبريل/نيسان 2017، وهي التي قضت أكثر من 15 عاماً في غياهب السجون حتى لُقبّت بـ”عميدة الأسيرات الفلسطينيات”. سألتُـها عن حال الأسيرات وبالذات القاصرات منهنّ، دون سن الثامنة عشرة (أو “الزهرات” كما اخترن أن يُعرّفن بأنفسهنّ وفقاً لمجلةٍ شهريّة يُصدِرنها، أطلقنّ عليها مجلة الزهرات)، وهي التي كانت بمثابة أمٍّ لهنّ داخل السجن، تُنسق أمورهن، وتعتني بهن.

اقرؤوا المزيد: “حكايا من سجن الدّامون: كي تورّث الأسيرات تجاربهنّ؟”.

خلال حديثها استأذتني لينا لبعض الوقت، ثمّ عادت لي بكومة من الصحف القديمة كأنما تحوي في داخلها على شيء، ثم طلبت مني أن أفتحها، فإذ بها كومة من 13 ضفيرة، كل ضفيرة مربوطة من طرفيها بخيط حرير ملون وورديّ.

لم أفهم شيئاً في بادئ الأمر، لكنَّ قشعريرةً سرت في جسدي كله إلى أن بكيتُ وأنا بعد لم أعرف القصة من وراء الضفائر الموضوعة أمامي فوق بعضها البعض، والملفوفة ببقايا صحفٍ عبريّة. حاولت حملها وتفكيكها، ومع كل ضفيرة أخرجها من الكومة وأرتبها لوحدها، كانت لينا تشير إلى صاحبتها: هذه لمرح باكير، وهذه لنورهان عواد، وهذه لتسنيم حلبي، وغيرهن، وقد كانت تعرف كل ضفيرة لمن تعود من الأسيرات، على الرغم من غياب أي دليل أو رقم. إلا أنها هي التي قصّت تلك الضفائر، وكفى به دليلاً.

‎أما قصة الضفائر، فقد بدأت حين كانت الأسيرات ينتظرن برنامج الأسرى الذي يُبث على واحدةٍ من الإذاعات الفلسطينية التي يصل أثيرها إلى سجن “هشارون” ليستمعن إلى الرسائل الصوتية التي يرسلها أهاليهن لهن عبرها، من أخبار وتحديثات وإهداء وسلامات من العائلة والأصدقاء.1 كانت هذه هي وسيلة التواصل الوحيدة مع العالم الخارجي للفتيات حينها – إلى جانب الرسائل الورقية التي كانت تستغرق أحيانا ًشهوراً لتصل، والزيارات مرتين شهرياً من قبل الأهل في الظروف “الطبيعية”.

كما هو الحال في عمل الإذاعات، كان البرنامج يُقتطع بمقاطع للإعلانات الدعائية وغيرها. لكن إعلاناً مختلفاً لفت انتباه الأسيرات إذ كان يُنادي بالتبرع لمريضات سرطان الثدي.  كان اهتمامهنّ بالإعلان كبيراً إلى الحدّ الذي حرّضهن على التفكير بتقديم أي شيء، لكن السؤال كان: ما حيلتهنّ وهن مأسورات في تلك الزنازين؟. حتى قررت الفتيات أن يقمن بقص ضفائرهن بنيّة التبرع بها للمريضات دون أي تردد أو وجل، وربطها بخيوط من نوع DMC تلك التي كن يستخدمنها في فن التطريز الفلسطيني لتمضية الوقت في السجن.

اقرؤوا المزيد: “الترددات القادمة من جحش السجن”.

كما لم يكن لديهن أيُّ يقينٍ بأنَّ هذه الضفائر ستصل إلى أصحاب الحملة، فمن غير المسموح للأسيرات أن يخرجن شيئاً من السجن إلا في حالات نادرة. لكنّ لينا كانت على موعدٍ مع حريتها بعد أشهرٍ قليلة، وهي التي قضت أكثر من خمسة عشر عاما، أكبر عقوبة قضتها أي امرأة أخرى في سجون الاحتلال، فأخرجت الجدائل مع أغراضها الشخصية إلى الخارج، وأوضحت لهن بأنها ستحاول التبرع بهم، لكنها لم تقطع وعداً بذلك.

عادت لينا إلى لفِّ الضفائر في الكومة، وأعطتني إياها، وهي “توقن” بأنني سأجد وسيلة للتصرف بهذه الجدائل. أما أنا فحملتهُا على وجلٍّ و بقيتُ أشهراً أفتح الكومة وأشمّ الضفائر وأطالعها ثم أعيدها سيرتها الأولى لا أهتدي إلى طريقة للحديث عنها، أو إلى عرضها “فنيّاً”.

كانت أشهراً مُثقلة بالتساؤل حول الفعل الأنسب للتصرف بهذه الضفائر، والخوف من الركوب على ظهر هذا الفعل المقاوم فقط لأبني عملاً فنيّاً وأعرِضُه أمام من وجدوا الوقت للتعريج على صالة عرضٍ والتأمل بلوحات الفن. كنت حينها أعمل على مشروعٍ فنيّ تحت مظلة مسابقة الفنان الشاب على اسم الفنان المرحوم حسن حوراني، والتي تنظّمها مؤسسة عبدالمحسن القطان في رام الله، ليتم عرضه في أكتوبر/ تشرين الثاني 2018.

اقرؤوا المزيد: “يوميات أسرى في الفورة”. 

بعد تفكير استقرّ بي الأمر أن أقوم بتصوير ضفائر الشعر عبر إحداث غرفةٍ مُظلمة في غرفتي الخاصّة في بيتنا في قرية كفركنا؛ أطفأتُ الأنوار، ووضعت كلَّ ضفيرةٍ على حدة على آلة المسح الضوئيّ المنزلي (السكانر) وتركته مفتوحاً، فيما بدأت المسح بأعلى جودة ممكنة أتاحها لي الماسح. وعرضت ثلاثة ضفائر في إطارات سوداء كبيرة الحجم ( 70*140 سم ) لإحداث حالةٍ من الصدمة من خلال هذا التكبير.  أردت وضع الحالة الشعورية للمرأة التي صاحبت الفتيات أثناء فعل قصّهن لجدائلهن مباشرةً أمام المشاهد، لكن الفتيات لا يزلن مسجونات. فحاولت الاقتراب أكثر منهن، عبر التخلي عن عدسة الكاميرا بوصفها وسيطاً أو طبقة قد تبُطئ من عملية التواصل بين الأسيرات وبين “المشاهد” أيا كان، ولم أجد خيراً من الماسح ليقوم بهذه العملية “بحيادٍ وموضوعية”.

تمرد الضفائر: صور ضفائر الأسيرات معروضة في مؤسسة عبد المحسن القطان. (عدسة: صفاء خطيب).

كما أنَّ وضعية الضفيرة كانت تُشكّل حالةً مجازيّةً لجسد الفتاة في السجن، بين الحياة بوصفها الضوء الصادر من الأسفل يضيئ الجهاز ليتمكن من مسح الضفيرة، والموت بوصفه العتمة أعلى هذا الجسد الذي تحكمه وتخضه للعقاب في غياهب السجون.

لكن، وعلى ما يبدو أن هذه الغياهب، والتي هدفت إلى عقابهن وإخضاعهن جسدياً ومعنوياً حتى الاستسلام لم تحقق غايتها، بل زادت هذه الفتيات قوّةً وصلابةً لم نحظى بها نحن النساء خارج هذه المنظومة. قررت تلك الأسيرات من داخل السجن، وفي ظروف عزلٍ وقهرٍ سيئة وقاسية لا مثيل لها في العالم، أن يهبن أثمن وأجمل ما قد تحصل عليه فتاة في أعمارهن- ضفائر شعرهن، ثمّ يُقدّمنها لمساعدة من هم في الخارج على البقاء أحياء، أو على مساعدة مريضات السرطان في النجاة في فلسطين.

هنّ الممنوعات من أبسط حقوقهن الإنسانية لعيش الصبا كما تعيش الفتيات في الخارج، لكن ذلك لم يمنعهن من أن يُـكـملن المحاربة للعيش أقرب ما يكون للحياة، والانحلال من فكرة القيد التي تهدف إلى قمعهنّ على كافة المستويات، بل ويهبنها للآخرين من خلال فعلٍ ثوريّ يتمثل في التخلي عن جدائلهن، وتحريرها من حالة السجن لِتُقدّم إلى امرأة فلسطينية أخرى فتكن عوناً لها استكمالاً لفكرة “الحياة هي الأصل”.

لم تكترث أولئك الفتيات بحالتهن كأسيرات قاصرات في سجون الاحتلال، وأكملنّ مقاومتهنّ له، وقلبنّ الطاولة، فأصبحنّ هن اللواتي يُقدّمن الدعم -المادي والمعنويّ- بوصفه أداةً للكفاح لمن هم خارج الزنزانة، النساء الفلسطينيات المريضات بالسرطان، وذلك في حالة تكاتف نسائيّة مميّزة. كأنهنّ يُصرّحن بمواجهة هذا السرطان المتمثل بالسلطة القامعة ومواجهته من الداخل عبر فعل التضامن النضالي والحميمي في آنٍ واحد، بعيداً عن شاشات التلفاز وأضواء الشهرة التي تستخدمها النساء في أماكن متفرقة من العالم “المتحضر”.

الآن، ورغم ما مضى من الوقت منذ لقائي الأول لهذه القصة، وبعد أن سلّمتُ الضفائر للتبرع بها بالنيابة عن الأسيرات الثلاثة عشر إلى مركز دنيا لأورام النساء في مدينة رام الله،  إلا أنني لا زلت مغمورة بما حدث، ومتعجبة من هذا الفعل الذي كلما تقدم به الوقت، صار أبلغ.

وعلى الرغم من أنني فزتُ حينها بجائزة الفنان الشاب الأولى، إلا أن هذا العمل الذي أُطلق عليه “تمرد الضفائر”، لم يكن لي، بل كان مُهدىً من روح الفنان الشاب حسن حوراني إلى أولئك المناضلات الصغيرات. وها نحن في “أكتوبر الوردي” من كل عام، نتضامن مع مريضات السرطان، ونحثّ النساء من حولنا، من دوائرنا القريبة والبعيدة على ضرورة الكشف المبكر، والقضاء عليه قبل أن يفتك بأمهاتنا، وأخواتنا وقريباتنا وصديقاتنا. إلا أن أكتوبر هذا العام جاء مُحملاً بأحداث ترتبط بشكل أو بآخر مع فعل الأسيرات الفلسطينيات التضامني عام 2017، كما رأينا الشباب الفلسطيني في مخيم شعفاط في القدس المحتلة يحلق شعر رأسه بالكامل “على الصفر” لتضليل قوات الاحتلال وتعسير مهمة العثور على منفذ عملية حاجز شعفاط حليق الرأس، والذي استشهد بعد تنفيذه عملية ثانية عند مدخل مستوطنة “معاليه أدوميم”.

اقرؤوا المزيد: “شعفاط: حكاية مخيم يطارد محاصريه”.

تختلف أساليب شعبنا الفلسطيني العنيدة والمبتكرة في مقاومة هذا الاحتلال، لكننا نتفق جميعاً أن الجسد لطالما كان أداتنا الأولى للمقاومة. الكل يواجه هذا السرطان منذ ابتلينا فيه بجسده، فيما يستمر هو في سياسة إعدام الرجال والنساء على سواء، في المدينة وعلى حدودها، في الحواجز والمحطات، من خلال عناصر أمنه أو عناصر مليشياته من المستوطنين.

حتى هذا اليوم، تقضي أكثر من 30 أسيرة فلسطينية أحكامهن  في سجون الاحتلال على أمل صفقة تبادل تعقدها المقاومة، أو أي أملٍ آخر قريب بالتحرر.

*كان من بين الأسيرات اللواتي تبرعنّ بضفائرهن: أمل كبها، هدية عرينات، تسنيم حلبي، استبرق نور، لمى البكري، مرح باكير، ملك سلمان، ونورهان عواد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى